الثورة والرفض في ديوان تغريبة النورس الحزين للشاعر هشام شرقي  / سلسلة شعراء جزائريون /

الثورة والرفض في ديوان تغريبة النورس الحزين للشاعر هشام شرقي  / سلسلة شعراء جزائريون /

عبدالوهاب بوشنة

لم تكن يوما ما دلالة مصطلح معين ثابتة عند سواد الشعراء على اختلاف مشاربهم، فما يمدح به المرء أو الجماعة بالأمس قد يتحول إلى مصطلح ذم ونقيصة وسبّة مقذعة و العكس صحيح، وقد تتطور الدلالة وتتوسع لتشمل دائرة أكبر وطرقا مغايرة.

فالثورة والرفض مثلا مرتبطان في مخيالنا الجمعي والفردي بأفعال وأقوال تبرز جوهر الاختلاف، ولو عن طريق التفكير الصادم المتمرد على السائد.

فالذين هم في دواليب السلطة لا تعنيهم أن تتغير الأمور أو تتحسن ما دامت الشعوب نائمة في غفلة السائد اليومي وثورات الجياع. لكن الوضع يختلف حين ترتفع صافرات الإنذار التي ترى بعض الأصوات الحقيقية إزعاجا لمكاسبها

 فترى كل حركة منها تعد للخطوط الحمراء، وإثارة للشعوب المقهورة من فترة لأخرى وإن طالت فترة السرية في انتفاضتها، وربما كانت مؤسسات حكومية ومدنية ودور نشر قليلة تتبنى أصحاب هذه الأفكار والنصوص دون وصاية على الفكر الحر الذي يعيش خارج الإملاءات ولا يقبل أن يكون داجنا مهما كانت الإكراهات.

في هذا السياق تبرز تجارب تعبر عن الثورة بشكل حديث، يعيد تأثيث الأمور انطلاقا من الذات التي استكانت إلى فخ الحياة الآمنة، وتحذيرها من عبثية فهم الأمن والرفاهية والحقوق الوجودية على أنها مزية وحلوى وطنية تقدم للطلبة المجتهدين في مواطنتهم.

فمنذ عمرو بن كلثوم الذي كان محاميا منفعلا عن قبيلته المظلومة متفاخرا على الفرسان والملوك حين يقول:

فآبوا بالنهاب وبالسبايا

وأبنا بالملوك مصفدّينا

إلى شيخ المعرة الشاعر الفيلسوف الناقم على الوجود وهجاء مورطي الأطفال به دون تفكير في العواقب حين يقول:

هذا جناه أبي عليّ

وما جنيت على أحد

 إلى دعبل الثائر الذي قال عن نفسه:

( أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدا يصلبني عليها)، وقد كانت أفكاره تثقل رأسه أكثر بحضرة الخلفاء حين قال للمأمون:

إني من القوم الذين سيوفهم

قتلوا أخاك وشرفوك بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خمولة

واستنقذوك من الحضيض الأوهد

 إلى البردوني ((الرائي)) الممتد في الزمان والمكان الذي حوّر الغزو من فعل خارجي إلى فعل داخلي يتحرك في وسط الدائرة ( الذات، الوطن،الأمة..إلخ) لا خارجها حين قال:

فظيع جهل ما يجري

وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين يا صنعا

من المستعمر السري

لصوص لا أشاهدهم

وسيف الغزو في صدري

إلى أمل دنقل البارع في لعبة الكاميرا التاريخية التي لا تكتفي بقنص مشاهد روتينية وإنما تفكيك المشاهد القديمة وبعث الروح فيها بشخصيات جديدة ورجاء استحداث مآلات مشابهة حين يكون المخاطب مترددا كما في رائعته ( لا تصالح) ، ومآلات معاكسة لرمزية الثورة والبطولة والفداء حين يكون المخاطب أو الغائب نبيلا، يقول على لسان سبارتاكوس النادم في أنفاسه الأخيرة:

معلق أنا على مشانق الصباح

وجبهتي بالموت محنية

لأني لم أحنها حية

إلى قوله:

يا إخوتي

قرطاجة العذراء تحترق

فقبلوا زوجاتكم

إني تركت زوجتي بلا وداع

وإن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع

فعلموه الانحناء

علموه الانحناء

علموه الانحناء!

من خلال هذا المزيج المشكل من ثورة انفعالية مشتعلة في القلب وثورة تفكيرية مشتعلة في العقل، تعرّي نصوص هشام شرقي  _ بحرقة لا تفتر _ الزيف الكامن في وجه حسن يسمى الوطن، وتمسح غبار القهر والشقاء والمعاناة عن وجه قبيح يسمى الغربة، بيدي ديوان مختلف عن الثورة والوطنية المتعارف عليها يسمى ((تغريبة النورس الحزين)) ليطلق زفرة كونية مزعجة لآخر طاغية سيدبُّ على هذه الأرض بقوله:

سَبعونَ مَرّتْ

سماءُ اللهِ مغلقةٌ عنّا

نموتُ ليحيَا خائن الوطَنِ

.

[بمَ التعلُّل]

حتى القبر مزدحمٌ

فلاَ تفتّش _إذَا غادرت

عن سكَن

.

فتّش عنِ النار

يا منفيُّ إنَّ بها

من الستائر

ما يغني عن الكَفنِ

.

سَبعونَ مَرّتْ

كأنّا لم نكن بشراً

أو قُل كَأنّا

خُلقنَا خارج الزمنِ!

لذلك لا أبالغ إن قلت إن التجارب الشبابية الشعرية الرائعة والمبدعة  في الجزائر كثيرة ومبشرة، لكن التجارب (الإنسانية العفوية) المحلّقة في الشعر قليلة جدا بعدد أصابع اليد الواحدة. وهشام الشاوّي المبدع أحدها، ومعظم المنتسبين إلى الساحة يدركون ذلك، لكن قد يتحرج بعضهم خصوصا المنتسبين إلى المؤسسات الحكومية و الحركات الشعرية من دعمها تقصيرا وخوفا من مساءلة ما أو مخالفة نقدية ورؤيوية لمفهوم الاحتجاج والثورة. لكن دعم هذه التجربة لتأخذ حقها من الانتشار واجب إنساني قبل أن يكون شعريا و إبداعيا 

كان أبو عبد الله وزير المهدي يقول:

خير الشعر ما فهمته العامة ورضيته الخاصة

وشعر هشام يحقق هذا الشرط مع توفر عمق وجودي في التجربة فلا تبخلوا عليه بالاحتفاء أيها القرّاء الأكارم فقراءة شعره انتصار للصدق والجمال معا على حساب المكياجات الأدبية والرداءة المغلفة بالوطنية.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :