- حسن ولد بوسيف
امتدّت أصوات الرصاص كأنها نبض أرضٍ تلفظ أنفاسها الأخيرة. لم نعد نفرّ من جيشٍ أو فصيل، بل من صراعٍ أعمق: وجودنا ذاك المعلّق بين طرفين يتنازعان السلطة والمال، جعلانا هدفاً مشروعاً للفريقين. كانوا يتقاسمون البلاد، ونحن نتقاسم الموت.
هذه المرة الثانية التي نشقّ فيها طريقنا نحو الغرب. لم تكن الأولى هرباً، بل بحثاً عن رغيفٍ يملأ جوعاً قديماً؛ أما هذه، فهي استسلامٌ مسبق لأقدار لا يمكن الهرب منها، لكننا هربنا مرغَمين. في الممرات الحدودية التي تلي الشمس، لم نسمع همس جوازات السفر، بل طقطقة رصاصات خفيفة كالتحية، تليها زمجرة رشاشات ثقيلة تمزق صمت السهول الموحلة.
كنت اطمئن ا طفالي، وإلى جانبي رفيقة دربي، بينما الطلقات تخطّ دوائر حول أقدامنا. كنا نركض باتجاه الغرب، حيث تغوص الشمس في البحر، لكن الأرجل كانت تخوننا، وكأن القدر يريدنا أن نتوقف لنتأمل حماقتنا: نترك بيوتنا خلفنا لندخل فخّاً جديداً، نبحث عن أمانٍ في بلادٍ لا تعرفنا، لكن الرصاص هناك لا يميز بين مواطن ومهاجر.
عند بوابة البلدة العتيقة، حيث ينتهي الشرق ويبدأ ذلك المجهول المتلألئ بالوهم، توقف الزمن. رأيت رجالاً بأقنعة، لا أعرف إن كانوا حراساً أم لصوصاً، بأيديهم أموالٌ وسلاحٌ متساويان في الوزن. كانوا يتصارعون على صندوقٍ معدني، يظنونه كنزاً، بينما كنزنا الحقيقي كان أرواحنا التي تتراقص بين الشظايا عند سفح الأمواج. في تلك اللحظة، أدركت: نحن لسنا هاربين من حرب، نحن قطعة شطرنج في لعبةٍ أكبر، هرولنا نحو الغرب للمرة الثانية لأننا كنا الشاهد الحي على صفقةٍ فاسدة، والذاكرة الناطقة التي يجب إسكاتها قبل أن تصل إلى ضفة النور.
اجتزنا البحر إلى الضفة الأخرى وأنا أسمع دويّاً مختلفاً. لم يكن رصاصاً، بل انفجار صمت داخلي. هنا أيضاً، كانت أصداء الطلقات تطاردنا، ليس من خلفنا، بل من أمامنا، كأنما المواجهة التي تركتها هناك انتظرتنا تحت سماء امغرب الباردة. وقفنا في مرافئ المدن التي لا تنام، نلهث تحت وهج النيون البارد، ننظر لعيون بعضنا، نسأل بصمت: أهربنا حقاً من الأقدار، أم جئنا نلتقي بها في موعدٍ آخر، تحت أفقٍ مختلف، لكن بنفس لون الدماء الممتدة عند المغيب؟
لم يبقَ أمامنا سوى الغوص في زحام الغرب، نحاول أن نذوب بين عشرات الوجوه الشاحبة، لكن أصابع الاتهام كانت تطاردنا في كل زاوية، والرصاص كان يهمس باسمائنا حتى في أحلام اليقظة. هكذا تبدأ رحلتنا الثانية نحو امغرب، لا كمسافرين إلى وطن، بل كلاجئين من حقيقة أننا كنا مجرد أدوات، والآن أصبحنا عبئاً على اللعبة، واللعبة لا ترحم. ها نحن ذا، وجوهنا نحو الغروب، وظلالنا الطويلة خلفنا، نركض كمن يطارد سراباً، أو كمن يظن أن دوران الأرض قد يلغي مصيره.













