- تقرير | منى توكا شها
نتائج مخبرية تكشف أزمة أعمق
قبل أن تكشف نتائج التحاليل المخبرية عن وجود متبقيات مبيدات زراعية محظورة في عينات من الخضراوات المتداولة بالأسواق الليبية، كانت المخاوف تتزايد بشأن قدرة منظومة الرقابة على مواكبة التوسع في استيراد مستلزمات الإنتاج الزراعي وضمان سلامة المنتجات الغذائية المطروحة للمستهلكين.
وتظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي تنامي الإنفاق على مستلزمات الإنتاج الزراعي، إذ ارتفعت قيمة الاعتمادات المستندية المخصصة لهذا القطاع من 278 مليون دولار خلال عام 2024 إلى 522 مليون دولار في عام 2025، قبل أن تسجل 17 مليون دولار خلال الشهرين الأولين من عام 2026.
ومع هذا التوسع في حجم الواردات، برزت تساؤلات متزايدة حول فعالية الرقابة على المبيدات الزراعية، ومدى مطابقة المنتجات المستوردة للمعايير الصحية والبيئية، في ظل مخاوف من تسرب مبيدات محظورة أو غير مطابقة للمواصفات إلى الأسواق عبر بعض قنوات الاستيراد والتوزيع.
وتحظى قضية متبقيات المبيدات باهتمام متزايد لدى الجهات الصحية والرقابية حول العالم، نظرًا لارتباط التعرض المستمر لبعض المركبات الكيميائية بمخاطر صحية وبيئية محتملة، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تشديد إجراءات الرقابة وإلزام المنتجين والمستوردين بإجراء فحوصات مخبرية دورية للمحاصيل الزراعية قبل طرحها للتداول، بهدف الحد من المخاطر وحماية المستهلكين والبيئة.

وفي ليبيا، تعززت هذه المخاوف بعدما أعلن مكتب النائب العام أن نتائج الفحوصات المخبرية التي أُجريت على 74 عينة من الخضراوات، جُمعت من الأسواق الكبرى في طرابلس ومصراتة وبنغازي وأُحيلت إلى مختبرات دولية، أظهرت احتواء عدد منها على متبقيات لمبيدات محظورة، فيما تجاوزت عينات أخرى الحدود القصوى المسموح بها دوليًا، بينها مركبات محظور تداولها محليًا وفي عدد من الدول، من بينها دول الاتحاد الأوروبي.
وتكتسب القضية أهمية مضاعفة في ظل التحذيرات الطبية التي تربط التعرض المستمر لمتبقيات بعض المبيدات بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة، من بينها بعض أنواع السرطان.
وتشير أحدث بيانات منظمة “غلوبوكان” (GLOBOCAN)، المرجع المعتمد لدى منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان، إلى تسجيل نحو 8170 إصابة جديدة بالسرطان سنويًا في ليبيا، إضافة إلى أكثر من خمسة آلاف حالة وفاة، وسط دعوات لتعزيز منظومة سلامة الغذاء، وتطوير المختبرات المرجعية، وتشديد الرقابة على المبيدات المستوردة والمتداولة.
تحقيقات النيابة العامة.. حملة واسعة لتتبع المبيدات المحظورة
عقب تسلم التقرير الفني الخاص بنتائج التحاليل، وجّه المستشار النائب العام الصديق الصور بإطلاق حملة رقابية واسعة استهدفت شركات استيراد المبيدات ومحال بيعها، إلى جانب المزارع التي سُحبت منها العينات، بهدف تتبع مصادر المبيدات وآليات دخولها إلى البلاد ومسارات تداولها داخل السوق المحلية.
وبحسب ما أعلنه المحامي العام بمكتب النائب العام، شملت الحملة تفتيش 76 مزرعة، و63 شركة، و9 مخازن، و368 محلًا لبيع المبيدات والمستلزمات الزراعية، وأسفرت عن ضبط نحو 65 ألف وحدة من المبيدات الزراعية، مؤكدًا أن المركبات المحظورة التي كشفت عنها نتائج التحاليل هي ذاتها المتداولة في السوق الليبية.
وأضاف أن التحقيقات انتهت إلى تحريك 236 قضية جنائية بحق 202 متهم، مع إدراج 73 شخصًا ضمن قوائم المطلوبين، إلى جانب اتخاذ إجراءات تحفظية شملت مصادرة المبيدات المضبوطة، وإغلاق عدد من المحال والمخازن، وضبط معدات الرش المستخدمة في تداول هذه المواد.
كما أصدر النائب العام تعليماته إلى نيابات النظام العام بمواصلة التحقيقات لتتبع مسارات دخول المبيدات إلى البلاد، وتحديد مسؤولية الجهات والأشخاص المتورطين في استيرادها وتداولها، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

حملات سابقة تكشف اتساع حجم المخالفات.
ولا تُعد هذه الحملة الأولى من نوعها، إذ شهدت الأشهر الماضية حملات مماثلة في عدد من المدن الليبية، كشفت عن حجم المخالفات المرتبطة بتداول المبيدات الزراعية.
ففي بنغازي، نفذت النيابة العامة والجهات الرقابية حملة واسعة استهدفت محال بيع المبيدات والمستلزمات الزراعية، وأسفرت عن ضبط أكثر من 11 ألف عبوة من المبيدات الزراعية المحظورة، ونحو 500 عبوة منتهية الصلاحية، إضافة إلى ما يقارب 19 ألف كيلوغرام من سماد “اليوريا” المدعوم الذي كان يجري تداوله بصورة مخالفة للقانون.
وشملت الحملة تفتيش 37 محلًا ومخزنًا للمستلزمات الزراعية، قبل صدور أوامر بإغلاق عدد من المواقع المخالفة والتحفظ على المواد المضبوطة، مع مباشرة التحقيقات لتحديد المسؤولين عن إدخالها وتداولها داخل السوق الليبية.
وسبق للنيابة العامة أيضًا أن أعلنت مصادرة كميات كبيرة من المبيدات المحظورة ومنتهية الصلاحية في منطقة السواني غرب العاصمة طرابلس، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق المتورطين، شملت حبس 15 متهمًا وإغلاق 60 محلًا ثبتت مخالفتها للقوانين المنظمة لتداول المبيدات الزراعية.
وفي دائرة الخمس، باشرت نيابة النظام العام التحقيق في وقائع الاتجار غير المشروع بالمبيدات الزراعية المحظورة، بعد توفر دلائل على ممارسة 12 شخصًا نشاطًا مخالفًا للقانون في هذا المجال.
وأسفرت عمليات التفتيش عن ضبط نحو 950 مستوعبًا يشتبه في احتوائها على مبيدات محظورة، إضافة إلى 350 كيلوغرامًا من مواد غير محظورة لكنها منتهية الصلاحية، وهو ما يشكل خطرًا على الصحة العامة والبيئة الزراعية.
وبناءً على نتائج التحقيقات الأولية، تقرر حبس المتهمين احتياطيًا وإغلاق 30 محلًا تجاريًا والتحفظ على جميع المضبوطات.

وفي مصراتة، أعلن مكتب النائب العام أن نيابة النظام العام أمرت بحبس 20 شخصًا ضُبطوا متلبسين برش المزروعات، قبل قطفها، بأربعة أنواع من المبيدات المحظورة، وذلك بعد معاينة 12 مزرعة أثبتت نتائج الفحوص وجود بقايا لهذه المبيدات في العينات المسحوبة من المحاصيل المتداولة بالأسواق.
كما سبق للنيابة العامة أن أعلنت أن نتائج الفحوص المخبرية لعينات من المنتجات الزراعية المحلية أظهرت احتواء نحو 65 في المئة من العينات على بقايا مبيدات محظورة أو مواد مصنفة دوليًا بأنها مسرطنة، وهو مؤشر وصفته تقارير طبية بأنه يمثل إنذارًا حقيقيًا بشأن سلامة المنتجات الزراعية المتداولة في الأسواق الليبية.
اتهامات بالفساد ومحاولات للتأثير على التحقيقات.
وفي سياق الجدل المتصاعد حول ملف المبيدات الزراعية، صرّح رئيس تجمع رجال أعمال سوق الجمعة، علي الحامي، خلال مقابلة تلفزيونية عبر قناة التناصح الفضائية ضمن برنامج “شارك”، بأن نحو 90% من المبيدات الزراعية الموردة إلى الأسواق الليبية تُصنف، بحسب قوله، ضمن المواد السامة والمسرطنة والمحظورة دوليًا، معتبرًا أن هذه القضية ليست جديدة، بل تمتد، وفق تعبيره، منذ عهد النظام السابق.
وأضاف الحامي أن عضو النيابة العامة المكلف بالتحقيق في القضية تعرّض، بحسب ما ذكره، لمحاولة رشوة بقيمة خمسة ملايين دينار ليبي من قبل تجار ورجال أعمال متورطين في الملف، مقابل إغلاق القضية وإنهاء إجراءات التحقيق.
كما ادعى أن المتورطين رصدوا، وفق تصريحه، ميزانية تصل إلى عشرة ملايين دينار ليبي لمحاولات التأثير على سير التحقيقات وشراء الذمم بهدف تعطيل الإجراءات القانونية المتخذة بحقهم.

وانتقد الحامي ما وصفه بغياب أو تواطؤ بعض الجهات الرقابية في المنافذ الرسمية، محذرًا من أن استمرار دخول هذه المبيدات إلى البلاد يمثل، بحسب تعبيره، تهديدًا للأمن الغذائي والصحة العامة، داعيًا إلى تشديد الرقابة واتخاذ إجراءات حازمة لوقف تداولها.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع النتائج التي أعلنها مكتب النائب العام، والتي أظهرت وجود متبقيات مبيدات محظورة ومواد مصنفة دوليًا على أنها مسرطنة في عينات من الخضراوات المتداولة بالأسواق، وأعقبها إطلاق حملات تفتيش واسعة أسفرت عن ضبط عشرات الآلاف من وحدات المبيدات المحظورة، وتحريك مئات القضايا الجنائية بحق المتورطين.

الحرس البلدي: المبيدات المحظورة تُخفى بطرق متعددة.
قال المتحدث الرسمي باسم جهاز الحرس البلدي، محمد الناعم، إن ضبط المبيدات الزراعية المحظورة يواجه تحديات ميدانية معقدة، في مقدمتها عمل عدد من محال بيع المبيدات دون تراخيص قانونية، إلى جانب لجوء بعض المخالفين إلى إخفاء المبيدات المحظورة وبيعها بطرق غير معلنة، أو تغيير عبواتها لإخفاء هويتها، أو تخزينها في مواقع بعيدة عن أماكن البيع الرسمية.
وأضاف أن جزءًا من هذه المبيدات يدخل إلى البلاد بطرق غير نظامية، الأمر الذي يصعّب تتبع مصادرها ورصد حركة تداولها داخل الأسواق، ويزيد من تعقيد جهود الجهات الرقابية في كشفها وضبطها.
تقاسم الاختصاصات بين الجهات الرقابية
وأوضح الناعم أن جهاز الحرس البلدي يمارس مهامه في إطار الاختصاصات المحددة له قانونًا، مؤكدًا أن الشرطة الزراعية تُعد الجهة صاحبة الاختصاص الأصيل في متابعة المزارع، ورصد المبيدات الزراعية، ومراقبة المحاصيل داخل المزارع، باعتبار ذلك من صميم اختصاصها الفني.
أما جهاز الحرس البلدي، فيتولى الرقابة على محال بيع المبيدات والأسواق والأنشطة التجارية المرتبطة بها، بالتنسيق مع الشرطة الزراعية ووزارة الزراعة والإصحاح البيئي والنيابة العامة، بما يضمن تكامل الأدوار بين مختلف الجهات المعنية بحماية الصحة العامة وسلامة الغذاء.
وأشار إلى أن الجهاز يعتمد في أعماله الرقابية على القوائم والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة بشأن المبيدات المسموح بها أو المحظورة، والتي تُعمم فور صدورها على الفروع والدوريات الميدانية، بما يتيح التعرف على المواد المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

تنسيق مشترك بعد تعليمات النيابة العامة
وفيما يتعلق بالإجراءات التي اتُخذت عقب صدور تعليمات النائب العام، أوضح الناعم أن تنسيقًا مباشرًا جرى بين الشرطة الزراعية، بصفتها الجهة المختصة أصالةً بهذا الملف، وجهاز الحرس البلدي ووزارة الزراعة والإصحاح البيئي والجهات الفنية المختصة، لتنفيذ حملات تفتيش ميدانية مشتركة.
وشملت هذه الحملات سحب عينات من المبيدات وإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة للتحقق من مطابقتها للوائح والقرارات النافذة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المخالفين.
وأضاف أن الجهات المختصة فضلت عدم الإعلان عن أعداد الشحنات أو المحال التي أُغلقت أو فُرض التحفظ عليها، إلى حين استكمال عمليات الحصر والتوثيق واعتماد البيانات بصورة رسمية، حفاظًا على دقة المعلومات وسلامة الإجراءات القانونية.
تحديات ميدانية تعيق الرقابة
وحول أبرز التحديات التي تواجه فرق الرقابة، أوضح الناعم أن اتساع الرقعة الجغرافية للأسواق والمزارع، وانتشار الأسواق العشوائية والمتنقلة، وصعوبة تتبع مصادر بعض المنتجات، تمثل جميعها عوائق رئيسية أمام عمليات التفتيش.
وأضاف أن الحاجة إلى نتائج مخبرية قبل اتخاذ الإجراءات النهائية في بعض الحالات تطيل مدة المتابعة، فضلًا عن محدودية الإمكانات اللوجستية مقارنة بحجم المهام الموكلة للأجهزة الرقابية، ومحاولات بعض المخالفين تغيير مواقع نشاطهم أو إخفاء مصادر المنتجات للتهرب من الرقابة.

دعوة إلى استمرار التنسيق لحماية سلامة الغذاء
وأكد الناعم أن جهاز الحرس البلدي يواصل تنفيذ مهامه بالتنسيق الكامل مع الشرطة الزراعية ووزارة الزراعة والإصحاح البيئي والنيابة العامة وسائر الجهات المختصة، بحيث يؤدي كل طرف اختصاصاته وفقًا للتشريعات النافذة.
وأشار إلى أن الهدف المشترك لهذه الجهود يتمثل في حماية صحة المواطنين، وتعزيز سلامة الغذاء المتداول في الأسواق، والحد من تداول المبيدات المحظورة أو غير المطابقة للمواصفات، بما يضمن حماية المستهلك والقطاع الزراعي في آن واحد.
خبير زراعي: غياب المختبرات المرجعية يضعف قدرة الدولة على حماية سلامة الغذاء
يرى الأستاذ عبدالعالي مفتاح، رئيس قسم الوقاية بكلية الزراعة بجامعة سبها، أن معالجة ملف المبيدات الزراعية في ليبيا تبدأ بتوفير بنية تحتية علمية متطورة، وفي مقدمتها إنشاء مختبرات ومعامل مرجعية مجهزة بأحدث الأجهزة والمواد اللازمة لإجراء التحاليل الدقيقة.
وأوضح أن ليبيا تفتقر حاليًا إلى مختبر مرجعي قادر على تحليل العينات وإصدار نتائج علمية موثوقة يمكن للدولة الاستناد إليها عند ظهور أي مخاوف أو شائعات تتعلق بسلامة الأغذية أو المنتجات الزراعية، مشيرًا إلى أن وجود مثل هذه المختبرات كان سيمكن الجهات المختصة من فحص عينات عشوائية من المنتجات الغذائية، مثل الخبز أو الخضراوات والفواكه، وإصدار نتائج رسمية يعتمد عليها في اتخاذ القرارات وطمأنة الرأي العام.
وأضاف أن المعامل الموجودة تعاني من نقص حاد في الإمكانات، إذ انتهت صلاحية كثير من المواد الكيميائية المستخدمة في التحاليل منذ سنوات، كما تعطلت أجهزة عديدة تحتاج إلى صيانة، وهو ما ينعكس سلبًا على قدرة الباحثين في إجراء الدراسات العلمية ومتابعة المبيدات والآفات الزراعية.
المكافحة الحيوية… بديل يقلل الاعتماد على المبيدات الكيميائية
وأوضح مفتاح أن المكافحة الحيوية تقوم على استخدام كائنات حية لمقاومة الآفات الزراعية بدلًا من الاعتماد على المبيدات الكيميائية، إذ يمكن استخدام أنواع من البكتيريا أو الفطريات الممرضة للقضاء على الآفات، أو إطلاق حشرات نافعة تتغذى على الحشرات الضارة.
وضرب مثالًا بحشرة “أبو العيد” التي تتغذى على حشرة المن المنتشرة في ليبيا، معتبرًا أنها تمثل أحد نماذج المكافحة الحيوية الطبيعية التي تحد من انتشار الآفات دون الإضرار بالمحاصيل أو البيئة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الدول المتقدمة تتجه بصورة متزايدة نحو تطوير وسائل المكافحة الحيوية، سواء من خلال إنتاج بكتيريا وفطريات نافعة، أو استقدام حشرات مفيدة، أو تصنيع مبيدات نباتية مستخلصة من النباتات الطبيعية، باعتبارها أقل سمية وأقل تكلفة وأكثر أمانًا من المبيدات الكيميائية التقليدية.

المكافحة المتكاملة… المبيد يجب أن يكون الخيار الأخير
وبيّن أن المكافحة المتكاملة للآفات تعتمد على مجموعة من الإجراءات الوقائية والإدارية التي تهدف إلى تقليل استخدام المبيدات الكيميائية إلى أدنى حد ممكن، بحيث لا يُلجأ إليها إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى.
وأوضح أن هذه المنظومة تشمل المراقبة المستمرة للمحاصيل، وإزالة النباتات المصابة وإتلافها، والزراعة المبكرة لتجنب مواسم انتشار الآفات، واستخدام الأغطية البلاستيكية، وزراعة نباتات طاردة للحشرات مثل الريحان، إلى جانب استقدام الأعداء الحيويين للآفات، ومراقبة البذور والشتلات المستوردة والتأكد من خلوها من الإصابات قبل زراعتها.
وأكد أن استخدام المبيدات ينبغي أن يقتصر على الحالات التي تصل فيها الإصابة إلى مستويات تؤثر على الإنتاج والاقتصاد الزراعي، وبعد استنفاد جميع وسائل المكافحة الأخرى.
فترة الأمان… الحلقة الأكثر تجاهلًا
وتحدث مفتاح عن مفهوم “فترة الأمان” للمبيدات، موضحًا أنها المدة الزمنية الواجب انتظارها بين رش المبيد وحصاد المحصول، حتى تتحلل المادة الفعالة وتفقد سميتها.
وأشار إلى أن هذه الفترة تختلف بحسب نوع المبيد، فقد تمتد إلى أسبوع أو ثلاثة أسابيع أو أكثر، وتكون مدونة بوضوح على الملصق المرفق بالعبوة، إلى جانب البيانات المتعلقة بالمحصول المستهدف ونوع الآفة وتعليمات الاستخدام.
إلا أنه أشار إلى أن المشكلة في ليبيا تكمن في عدم الالتزام بهذه التعليمات، حيث يعمد بعض المزارعين إلى رش المحاصيل ثم حصادها في اليوم التالي أو بعد فترة قصيرة جدًا، رغم بقاء المادة الكيميائية على الثمار، وهو ما يزيد من احتمالات تعرض المستهلكين لمخاطر صحية جسيمة.
مخاطر صحية تمتد إلى السرطان
وأضاف أن عددًا كبيرًا من المبيدات المتداولة في السوق الليبية، لا سيما المبيدات الحشرية، يحتوي على مركبات الفوسفور العضوي والكلور العضوي، وهي مواد قد ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان عند إساءة استخدامها أو عند استهلاك المنتجات الزراعية قبل انتهاء فترة الأمان.
وأوضح أن بقاء متبقيات المبيد على الخضراوات والفواكه يؤدي إلى انتقالها إلى جسم الإنسان، وأن التعرض المتكرر لها مع مرور الوقت قد يسهم في الإصابة بأمراض خطيرة، من بينها سرطانات الدم والمعدة والجلد وغيرها من الأمراض المزمنة.
فوضى في تداول المبيدات داخل الأسواق
وأشار مفتاح إلى أن جولاته الميدانية في عدد من محال بيع المستلزمات الزراعية بمدينة سبها كشفت وجود فوضى واضحة في تداول المبيدات، مبينًا أن نسبة كبيرة منها غير مسجلة أو مجهولة المصدر، فيما تفتقر بعض العبوات إلى معلومات واضحة عن تركيبها الكيميائي.
وشدد على ضرورة عدم السماح بدخول أي مبيد إلى البلاد إلا بعد تسجيله واعتماده وإخضاعه للرقابة من الجهات المختصة، بما في ذلك وزارة الزراعة، والرقابة على الأغذية، والصحة البيئية، ولجنة المبيدات الزراعية.
كما أكد أن بيع المبيدات ينبغي أن يقتصر على مختصين في وقاية النبات أو المبيدات الزراعية يحملون تراخيص مهنية، بما يمكنهم من تشخيص الإصابة، وتحديد المبيد المناسب، والإشراف على استخدامه بطريقة صحيحة، نظرًا لكون المبيدات مواد سامة تتطلب معرفة علمية متخصصة.
الرقابة تصنع الفارق
ولفت إلى أن الدول الأوروبية تستخدم المبيدات الزراعية بكميات أكبر من ليبيا، إلا أن معدلات الأضرار الصحية فيها أقل نتيجة وجود رقابة صارمة، وإرشاد زراعي متخصص، والتزام المزارعين بالتعليمات الفنية، في حين يؤدي ضعف الرقابة وانخفاض مستوى الوعي في ليبيا إلى مضاعفة المخاطر الصحية والبيئية.
الأثر البيئي لا يقل خطورة
وأكد مفتاح أن مخاطر المبيدات لا تقتصر على الإنسان، بل تمتد إلى البيئة، إذ إن التخلص العشوائي من عبوات المبيدات قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه وإلحاق الضرر بالحيوانات والكائنات الحية.
ودعا إلى الالتزام بارتداء معدات الوقاية الشخصية أثناء خلط المبيدات ورشها، وحفظها بعيدًا عن متناول الأطفال، والتخلص من العبوات الفارغة بطريقة آمنة من خلال طمرها في أماكن مخصصة، وعدم إلقائها في الأودية أو مصادر المياه.
وأشار إلى أن تقييم الأثر البيئي لأي مبيد يعتمد على الدراسات العلمية والتجارب والتحاليل، وأن كثيرًا من الدول تحظر استخدام بعض المبيدات بعد ثبوت آثارها الضارة على البيئة أو الصحة العامة، مؤكدًا ضرورة تحديث قوائم المبيدات المسموح بها والمحظورة بصورة دورية وفق المعايير الدولية.

دعوات لدعم المختبرات والإرشاد الزراعي
وأضاف أن قسم الوقاية بكلية الزراعة بجامعة سبها يعاني منذ سنوات من نقص شديد في المواد الكيميائية والأجهزة الحديثة، موضحًا أن القسم خاطب الجهات المختصة مرارًا للمطالبة بدعم المختبرات، وصيانة الأجهزة، وتوفير المشغلات اللازمة، إلا أن هذه المطالب لم تلق الاستجابة المطلوبة، وهو ما يحد من قدرة القسم على إجراء الأبحاث العلمية وخدمة القطاع الزراعي.
ودعا إلى دعم المتخصصين في وقاية النبات وتمكينهم من تنفيذ زيارات ميدانية للمزارع ومحال بيع المستلزمات الزراعية، إلى جانب تنظيم برامج توعية تستهدف المزارعين والمواطنين حول الاستخدام الآمن للمبيدات وتشديد الرقابة على تداولها.
الأمن الغذائي يبدأ من الرقابة
واختتم مفتاح تصريحه بالتأكيد على أن معالجة ملف المبيدات والآفات الزراعية في ليبيا تتطلب وجود دولة قادرة على فرض الرقابة، ودعم المختبرات والجامعات والباحثين، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي، وتعزيز التعاون بين الجهات المختصة والإعلام والمواطنين.
وشدد على أن استمرار دخول المبيدات والشتلات والبذور المستوردة بصورة عشوائية، ومن دون رقابة فعالة، يزيد من احتمالات انتقال آفات وأمراض جديدة إلى البلاد، ويحول قضية المبيدات الزراعية من مجرد ملف رقابي إلى قضية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والصحة العامة.














