المجتمع المدني في ليبيا يُحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة: متنوعة ورسائل عميقة لتعزيز الحريات

المجتمع المدني في ليبيا يُحيي اليوم العالمي لحرية الصحافة: متنوعة ورسائل عميقة لتعزيز الحريات

فسانيا/ مصطفى المغربي


ضمن الدور الحيوي الذي يضطلع به المجتمع المدني في نشر الوعي وتعزيز ثقافة الحقوق والحريات، احتفت مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في ليبيا باليوم العالمي لحرية الصحافة، في مشهد يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الإعلام الحر كركيزة أساسية لبناء الدولة الديمقراطية. وجاءت هذه الفعاليات في إطار السعي إلى ترسيخ حرية الرأي والتعبير، باعتبارها حقًا أصيلًا لا ينفصل عن منظومة حقوق الإنسان، وضمانة حقيقية لمساءلة السلطة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.



وفي هذا السياق، نظّمت مؤسسة ليبيا للجميع للتنمية والثقافة والتدريب احتفالية بهذه المناسبة، انطلقت فعالياتها منذ ساعات الصباح واستمرت حتى المساء، بقاعات المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع.

وأكدت الكلمات الافتتاحية أن حرية الصحافة لم تعد مجرد مطلب مهني، بل أصبحت ضرورة مجتمعية تفرضها تحديات المرحلة، في ظل التحولات السياسية والتقنية المتسارعة، مشددة على أن حماية الصحفيين وضمان بيئة آمنة لعملهم تمثل التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا، يتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني على حد سواء.

وأشادت الكلمات بجهود مؤسسة ((ليبيا للجميع)) في تنظيم الحدث للعام الثاني على التوالي، معتبرة أن هذه المبادرات تعكس وعيًا متناميًا بأهمية الإعلام الحر والمسؤول، ودور المجتمع المدني في بناء فضاء ديمقراطي قائم على التعددية واحترام الرأي الآخر.


وشهدت الاحتفالية تنظيم عدد من الأنشطة المتنوعة، استُهلت بجلسة حوارية بعنوان:
“العمل الصحفي في الميدان بين التضييق وحماية المهنة”، أدارتها الصحفية نجاح مصدق، رئيس تحرير مجلة “الليبية”، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والمتخصصين. حيث تناول الأستاذ عبدالله خويلد، رئيس تحرير صحيفة “الوقت”، أبرز التحديات التي تواجه العمل الصحفي، وعلى رأسها القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات، وضعف البيئة التشريعية الداعمة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، موضحًا أن توقف صحيفة “الوقت” جاء نتيجة تراكم هذه التحديات، خاصة في ظل غياب الدعم المؤسسي وارتفاع تكاليف التشغيل.
من جانبها، تطرقت الأستاذة فتحية الجديدي، مدير تحرير صحيفة “الصباح”، إلى أهمية التمسك بأخلاقيات المهنة في ظل التحديات الراهنة، مشيرة إلى أن الصحافة المسؤولة قادرة على الصمود رغم الظروف، إذا ما استندت إلى المهنية والموضوعية، مع ضرورة تطوير أدوات العمل الصحفي لمواكبة التحولات الرقمية.
بدورها، قدّمت الأستاذة صفاء رحيل، المستشارة القانونية والناشطة الحقوقية، مداخلة تناولت فيها الإطار القانوني المنظم للعمل الصحفي، مسلطة الضوء على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومؤكدة أن العديد من القوانين المحلية ما تزال بحاجة إلى تحديث، لكونها تُستخدم أحيانًا لتقييد حرية التعبير نتيجة غياب التفسير الواضح والمنضبط، الأمر الذي يفتح المجال لتأويلات قد تُقيد العمل الصحفي.


كما أُقيمت طاولة نقاش بعنوان:
“الذكاء الاصطناعي في الصحافة: أداة مساعدة أم تهديد للمهنية؟”، ناقشت تأثيرات التقنيات الحديثة على مستقبل الإعلام، حيث أكد المشاركون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة داعمة لتطوير العمل الصحفي وتحسين جودة المحتوى، إذا ما استُخدم بشكل مسؤول، مع ضرورة وضع أطر أخلاقية وتنظيمية تحد من مخاطره، خاصة فيما يتعلق بالمصداقية وانتشار الأخبار المضللة.


وتضمنت الفعاليات أيضًا ورشة عمل بعنوان:
“كيف نغطي قضايا المجتمع بعمق ومسؤولية”، ركزت على تعزيز مهارات الصحفيين في تناول القضايا المجتمعية بوعي مهني، من خلال البحث والتحقق والتوازن في الطرح، بما يسهم في إنتاج محتوى إعلامي يعكس الواقع بموضوعية.
كما احتضنت الاحتفالية صالونًا ثقافيًا أدارته الصحفية سالمة المدني بعنوان:
“الصحافة الثقافية… كتابة تُشكّل الوعي”، تناول دور الصحافة الثقافية في بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية، مؤكدًا أن الثقافة تمثل أحد أهم مداخل التغيير الإيجابي في المجتمعات.


واختُتمت الفعاليات بلفتة تقديرية،
من قبل مؤسية ((ليبيا للجميع)) بتكريم عدد من المصورين الصحفيين تقديرًا لجهودهم في نقل الحقيقة بعدساتهم، إلى جانب تكريم فرق التصميم والإخراج الصحفي، باعتبارهم شركاء أساسيين في صناعة الرسالة الإعلامية.
وشارك في إثراء النقاش عدد من المسؤولين والشخصيات العامة، من بينهم رئيس مجلس إدارة مفوضية المجتمع المدني بالمجلس الرئاسي السيد فرج الفزاني، ومدير إدارة شؤون المنظمات المحلية السيد سراج ضو، ووزير النفط السابق محمد عون، وعميد بلدية سوق الجمعة أنور العزوز، إلى جانب عدد من الإعلاميين والمثقفين وممثلي منظمات المجتمع المدني.

وفي سياق متصل، احتفت شبكة أصوات للتوعية والإعلام، بالتعاون مع المركز الليبي لحرية الصحافة والمنظمة الليبية للإعلام المستقل، بهذه المناسبة من خلال تنظيم معرض فني بعنوان “صدى الحقيقة”، أقيم في رواق فلادلفيا بالسرايا الحمراء بطرابلس، استمر على مدار يومين، وسط حضور مميز لنخبة من الإعلاميين والحقوقيين، وبمشاركة الممثلة المقيمة للأمم المتحدة في ليبيا 
واستُهل المعرض بتوظيف مميز للأدوات الرقمية لتعزيز رسالة الحريات، من خلال "الكتيب الإلكتروني" بالمسح عبر الهاتف، الذي وفّر شرحاً تفصيلياً وتفاعلياً لكل عمل فني بالمعرض، مما ساهم في ربط زوار المعرض بالقصص الكامنة وراء اللوحات المشاركة، التي جمعت بين الصورة الفوتوغرافية والفن التشكيلي والكاريكاتير .
المعرض سلط الضوء على قضايا الرقابة والتحديات المهنية وسبل الحماية القانونية، كما وثّق التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي في ليبيا منذ عام 2011، في ظل استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب.
وخصص مساحة لتخليد ذكرى أربعين صحفيًا وصحفية فقدوا حياتهم خلال الفترة من 2005 إلى 2019 أثناء أداء واجبهم المهني في ليبيا، من ضمنهم ثلاث شهداء الكلمة والصورة لصحفي فسانيا: ” عبد آلله بن نزهة”، و”نصيب كرنافة”، و”موسى عيد الكريم”، في رسالة مؤثرة تؤكد أن حرية الصحافة لا تزال تدفع ثمنها أرواحًا. .

كما شهد المعرض تعزيز النقاش المجتمعي حول واقع ومستقبل الصحافة، وترسيخ قيم حرية التعبير، إلى جانب إبراز دور الفن كوسيلة مؤثرة في مناصرة القضايا الحقوقية.
حيث عُقدت ندوة حوارية جمعت نخبة من القانونيين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني، وقد تركزت النقاشات حول العوائق الميدانية والتشريعية التي تواجه العمل الصحفي، وخلصت الندوة إلى مجموعة من التوصيات منها العمل على ضرورة تمكين الصحفيين من الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية دون قيود، ووقف كافة أشكال العرقلة الميدانية التي يتعرض لها الصحفيون، وعدم منعهم من ممارسة مهامهم أو تقييد حركتهم أثناء التغطية الإعلامية، والتأكيد على أهمية وجود بيئة قانونية تحمي الصحفي وتضمن سلامته الشخصية والمهنية.

ويأتي إحياء اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام، الذي يُقام تحت شعار “صياغة مستقبل يسوده السلام”، في إطار الجهود المتواصلة لتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الإعلام الحر، والدفاع عن حق الوصول إلى المعلومات، بما يسهم في بناء بيئة إعلامية آمنة ومهنية تحترم حقوق الإنسان.
ويُشار إلى أن العالم يحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو من كل عام، وهو اليوم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993، بناءً على توصية من منظمة اليونسكو، إحياءً لذكرى إعلان ويندهوك التاريخي الصادر في 3 مايو 1991، والذي وضع أسس حرية الصحافة واستقلاليتها.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :