فسانيا/ مصطفى عمر المغربي
في إطار جهوده الرامية إلى توظيف الفن والإعلام في خدمة قضايا المجتمع، نظم المركز القومي للسينما والتلفزيون صباح الثلاثاء الموافق 12 مايو 2026، وبالتعاون مع جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ووزارة التربية والتعليم، برنامجًا توعويًا وإرشاديًا بمدرسة مدرسة شهداء بيروت ببلدية أبو سليم، وذلك ضمن حملة تستهدف رفع مستوى الوعي بمخاطر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية بين فئة الشباب والطلبة.
واستهل البرنامج بعرض الفيلم التوعوي القصير بعنوان “وماذا بعد”، الذي تم إنتاجه من قبل المركز القومي للسينما بالتعاون مع وزارة الداخلية ومن إخراج المخرج الليبي “مصطفى الكرماجي”، والذي تناول بأسلوب درامي واقعي التأثيرات الخطيرة لآفة المخدرات على الفرد والأسرة والمجتمع، من خلال معالجة نفسية واجتماعية عميقة، حملت رسائل تحذيرية مباشرة ومؤثرة.
دراما واقعية تحاكي المجتمع
الفيلم يبدأ بمشهد لضابط يعمل بجهاز مكافحة المخدرات، بدا عليه القلق والانزعاج من تنامي ظاهرة التعاطي بين فئة الشباب والمراهقين من الجنسين، مؤكدًا خلال حديثه مع زملائه أن الحملات الأمنية وحدها لا تكفي لمواجهة هذه الظاهرة، وأن الأمر يتطلب تحركًا مجتمعيًا وتوعويًا متكاملاً تشارك فيه الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والتربوية.

وتتطور أحداث الفيلم عندما يستعين الضابط بإعلامي معروف، في محاولة لإطلاق حملة إعلامية توعوية تكشف حجم الكارثة التي خلفتها المخدرات داخل المجتمع، حيث يطلعه على قصص ووقائع حقيقية لعائلات دُمرت بسبب الإدمان، وشباب فقدوا مستقبلهم، وأسر تعيش المأساة بصمت.
ويظهر الإعلامي خلال الفيلم متأثرًا بما شاهده وسمعه من حقائق صادمة، ليتحول القلق المهني إلى خوف شخصي على أسرته وأبنائه، خاصة بعد أن بدأ يتخيل احتمالية وقوع أبنائه ضحية لهذه الآفة الخطيرة.
وفي أحد أكثر المشاهد تأثيرًا، يعود الإعلامي إلى منزله ليكتشف غياب ابنته التي خرجت – بحسب والدتها – لمراجعة دروسها كالمعتاد، فيسارع بالاتصال بها ليجد هاتفها خارج نطاق التغطية، لتبدأ مشاعر القلق والتوتر بالتصاعد، وسط محاولات زوجته تهدئته.
وتتوالى الأحداث بشكل درامي متسارع، إذ يعيش الأب حالة انهيار نفسي مع تصاعد الكابوس، ليتخيل أن أبناءه وقعوا بالفعل في مستنقع المخدرات، وأن حياتهم انتهت بشكل مأساوي وصل إلى الانتحار، قبل أن يستيقظ مرعوبًا ليكتشف أن ما عاشه لم يكن سوى كابوس مرعب.
غير أن الرسالة التي أراد صناع الفيلم إيصالها، تتمثل في أن هذا “الكابوس” ليس خيالاً محضًا، بل هو واقع يومي تعيشه الكثير من الأسر بصمت، وأن تجاهل الظاهرة أو التقليل من خطورتها لن يؤدي إلا إلى تفاقمها.
كما ركز الفيلم على البعد النفسي والاجتماعي للإدمان، وأثره المدمر على العلاقات الأسرية، والانهيار التدريجي للقيم، إضافة إلى تسليطه الضوء على أهمية التوعية المبكرة، وضرورة خلق خطاب إعلامي وفني يلامس الواقع ويواجه الحقائق بشجاعة.
محاضرة تفاعلية بعد العرض
وعقب عرض الفيلم، أُقيمت محاضرة توعوية تفاعلية بعنوان “مخاطر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية” قدمها الأخصائي الاجتماعي “عبد المالك الدعاس”، تناول خلالها الأبعاد النفسية والاجتماعية والصحية لهذه الظاهرة، وأثرها على مستقبل الشباب واستقرار المجتمع.

كما شهدت المحاضرة تفاعلًا ملحوظًا من الطلبة، الذين طرحوا العديد من التساؤلات والاستفسارات حول أسباب انتشار المخدرات، وسبل الوقاية منها، وكيفية التعامل مع الحالات المعرضة للخطر، في أجواء حوارية هدفت إلى تعزيز ثقافة الوعي والمسؤولية المجتمعية.
مصطفى الكرماجي: “دخلنا إلى عمق المشكلة دون تجميل”
وفي تصريح له، أكد مدير عام المركز القومي للسينما والتلفزيون والمخرج “مصطفى الكرماجي” أن فكرة إنتاج الفيلم جاءت استجابة لتنامي ظاهرة المخدرات داخل المجتمع الليبي، خاصة في الأوساط الشبابية والمؤسسات التعليمية.

وأوضح أن العمل لم يكتفِ بتقديم شعارات تقليدية من قبيل “لا للمخدرات”، بل حاول الدخول إلى عمق الأزمة، وكشف الواقع كما هو، عبر سرد قصص ووقائع مستمدة من حالات حقيقية حدثت بالفعل داخل المجتمع.
وأضاف الكرماجي: “أردنا أن نطرح الحقيقة كما هي، دون مبالغة أو تجميل، لأن ما يحدث بسبب المخدرات أخطر بكثير مما يعتقده البعض، الفيلم يعرض مشاهد قد تبدو كابوسية، لكنها للأسف مستوحاة من الواقع، وهناك أسر فقدت أبناءها بالفعل بسبب هذه الآفة”.
وأشار إلى أن المركز القومي للسينما والتلفزيون يسعى إلى توظيف الفن كوسيلة للتوعية والتأثير الإيجابي، معتبرًا أن السينما تمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى عقول الشباب والتأثير في سلوكهم بطريقة مباشرة وعميقة.
كما شدد على أهمية تكامل الأدوار بين المؤسسات التعليمية والأمنية والثقافية والإعلامية، مؤكدًا أن مواجهة المخدرات ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة.
وفي حديثه عن أوضاع الإنتاج السينمائي، أوضح “الكرماجي” أن المركز القومي للسينما والتلفزيون، رغم محدودية الإمكانيات والدعم المادي، يواصل العمل على إنتاج أفلام قصيرة تعليمية وإرشادية وتوعوية تخدم قضايا المجتمع، مضيفًا: “أحلامنا كبيرة وطموحاتنا أكبر، ونسعى مستقبلًا إلى تنشيط السينما الليبية وإنتاج أعمال نوعية تحمل رسائل إنسانية ووطنية هادفة”.
وأكد أن المركز يمثل امتدادًا لتاريخ طويل من العمل السينمائي في ليبيا منذ ستينيات القرن الماضي، رغم ما تواجهه المؤسسات الفنية من صعوبات تتعلق بالإنتاج والدعم.
حياة فرحات: الفن أداة فعالة لترسيخ الوعي
من جانبها، أوضحت الإعلامية بالمركز القومي للسينما والتلفزيون “حياة فرحات” أن البرنامج التوعوي يستهدف فئة الشباب والطلبة، ويسعى إلى ترسيخ الوعي بمخاطر المخدرات من خلال توظيف الفن والوسائط البصرية الحديثة.

وأكدت أن عرض فيلم “وماذا بعد” بمدرسة شهداء بيروت يأتي ضمن جولة ميدانية شملت خلال الأيام الماضية عددًا من مدارس بلديات طرابلس الكبرى، مشيرة إلى أن البرنامج سيواصل استهداف المؤسسات التعليمية بشكل يومي خلال فترة اختتام العام الدراسي.
وأضافت أن الحملة ركزت على مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، نظرًا لأهمية هذه الفئات العمرية، مثمنة تعاون إدارات المدارس في إنجاح البرنامج واستقبال العروض التوعوية.
كما كشفت عن توجه المركز لتنفيذ جولات أخرى داخل عدد من المؤسسات الاجتماعية والثقافية، إلى جانب العمل على إنتاج مجموعة جديدة من الأفلام القصيرة الهادفة التي تتناول قضايا اجتماعية وسلوكية مختلفة، في إطار الدور التوعوي والثقافي الذي يضطلع به المركز.










شراكة مبكرة مع وزارة التربية والتعليم
ويُشار إلى أن مدير عام المركز القومي للسينما والتلفزيون “مصطفى الكرماجي” كان قد عقد خلال يناير الماضي، اجتماعًا مع رئيس مصلحة التفتيش والتوجيه التربوي بوزارة التربية والتعليم، جرى خلاله عرض فيلم “وماذا بعد” بمقر المصلحة، تمهيدًا لإطلاق البرنامج التوعوي داخل المؤسسات التعليمية.
وشهد اللقاء التأكيد على أهمية توظيف المؤثرات البصرية والفنون والمسرح المدرسي في دعم برامج التوعية، وتعزيز القيم السلوكية الإيجابية لدى الطلبة، إضافة إلى مناقشة آليات توعية أولياء الأمور والطلاب بمخاطر الظواهر السلبية، وفي مقدمتها المخدرات والمؤثرات العقلية.
كما تم التشديد على أهمية بناء شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية والثقافية والأمنية والإعلامية، بما يسهم في حماية النشء، ودعم العملية التربوية، وترسيخ ثقافة الوعي والمسؤولية المجتمعية.














