اليوم أشطب اسم فاطمة من «جرائم بلا قتلة»

اليوم أشطب اسم فاطمة من «جرائم بلا قتلة»

ست سنوات انتظر فيها زوجها العدالة.. وحكم واحد أعاد إلى الواجهة أسماء نساء ما زلن ينتظرن

  • د. سلمى مسعود

هناك قضايا نكتب عنها ثم نغادرها، وهناك قضايا تبقى معنا حتى بعد أن تنتهي الكلمات.

قضية فاطمة محمد أحمد يحيى كانت بالنسبة لي من النوع الثاني.

تابعتُ قصتها منذ السنوات الأولى للجريمة، وتواصلتُ مع زوجها واستمعت إليه وهو يحاول أن يفهم ما حدث لزوجته وطفله. لم يكن الرجل يبحث فقط عن قاتل؛ كان يبحث عن إجابة لسؤال ظل يطارده: لماذا قُتلت فاطمة؟

ست سنوات تقريبًا مضت منذ الجريمة التي وقعت في أوباري عام 2020 وحتى صدور حكم محكمة جنايات وادي الحياة في أغسطس 2026. خلال تلك السنوات، كانت القضية تتحرك داخل مسار العدالة، بينما بقيت بالنسبة للأسرة ولمن تابعها أسئلة كثيرة بلا إجابة علنية واضحة.

كان زوج فاطمة يكتب.

يكتب عنها في مواقع التواصل، ويناشد الجهات القضائية والحقوقية، ويضع قضيته أمام صفحات الأمم المتحدة والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان. وفي السنة الأولى والثانية، حين كانت الصدمة لا تزال طازجة، كنت أرى بعض تلك المنشورات تمر كأنها لا تعني أحدًا؛ منشورات رجل فقد زوجته وطفله، ولا تكاد أحيانًا تحصل على تعليق أو حتى تفاعل بسيط.

ومع ذلك استمر.

كان يريد حكمًا. كان يريد أن يعرف أن موت زوجته وطفله لن يتحول مع مرور السنوات إلى ملف آخر يعلوه الغبار.

سؤال بقي بلا جواب: لماذا فاطمة؟

خلال تواصلي مع زوج فاطمة، كان أكثر ما لفتني أنه لم يكن يعرف سببًا واضحًا للجريمة.

كان يحدثني عن أقوال وروايات قال إنها تغيرت خلال مراحل القضية: رواية تتحدث عن الطفل، وأخرى عن حديث أراد المتهمان إجراءه مع فاطمة، وروايات أخرى مختلفة حول اللحظات التي سبقت قتلها.

كانت روايته تعكس شيئًا واحدًا: زوج فقد زوجته ولا يزال عاجزًا عن فهم لماذا اختيرت هي لتُقتل بهذه الطريقة.

واليوم، بعد صدور الحكم، بقي هذا السؤال قائمًا في المجال العام.

فالبيان الذي نشره مكتب النائب العام في 21 أغسطس 2026 كشف بصورة رسمية ومفصلة كيف وقعت الجريمة، لكنه لم يحدد دافعًا واضحًا يجيب عن السؤال: لماذا قرر الزوجان قتل فاطمة أصلًا؟ لذلك لا ينبغي لنا ملء هذه الفجوة بالتخمين.

ما أصبح ثابتًا وفق ما أعلنته النيابة هو أن المتهمة وزوجها تمالآ على قتل فاطمة، وأن المتهمة استدرجتها إلى منزلها ثم قيدتها وعصبت عينيها، قبل أن يقتلها المتهم الآخر خنقًا. وبعد ذلك قُتل رضيع فاطمة، علي حمنا مويا، البالغ ثلاثة أشهر، بحجب الهواء عنه، بينما تُركت ابنتها، التي كان عمرها عاماً ونصف، في مكان لإلقاء القمامة. كما قالت النيابة إن المتهمين حاولا إلصاق الجريمة بأشخاص آخرين قبل أن تستبعدهم التحقيقات.

تفاصيل قاسية، لكنها أخيرًا جاءت ضمن رواية قضائية رسمية لما حدث.

كتبتُ عنها يوم كانت العدالة معلقة

في يناير 2026، كانت فاطمة واحدة من النساء اللواتي وضعت قصصهن في تقريري الصحفي:

«جرائم بلا قتلة: مسارات العدالة المعطلة في قضايا قتل النساء».

نُشر ا في صحيفة فسانيا، وأُنجز بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).

لم يكن عنوان «جرائم بلا قتلة» يعني أن أسماء المتهمين مجهولة بالضرورة. كان السؤال أعمق: ماذا تعني معرفة المتهم إذا مرت السنوات ولم تصل القضية إلى حكم يحسم المسؤولية الجنائية؟

ففي السجون قد يوجد متهمون في جرائم قتل، وقد يعرف الناس أسماء مشتبه بهم، لكن الاتهام ليس إدانة، والحبس الاحتياطي ليس حكمًا، والعدالة لا تكتمل إلا بمحاكمة تنتهي إلى براءة أو إدانة وفق القانون.

ولهذا بقي اسم فاطمة داخل ذلك التقرير.

حتى جاء الحكم.

اليوم.. أشطب اسم فاطمة

في 21 أغسطس 2026، أعلنت محكمة جنايات وادي الحياة إدانة المتهمة في قتل فاطمة ورضيعها، وقضت بحقها بالإعدام رميًا بالرصاص قصاصًا، وبالسجن ست سنوات مع الشغل والنفاذ.

أما المتهم الثاني، وهو زوج المحكوم عليها، فلم يصل إلى لحظة الحكم. فقد أعلنت النيابة أنه قُبض عليه واستُجوب، ثم هرب من محبسه وأعيد القبض عليه، قبل أن يمرض ويتوفى وهو رهن الحبس الاحتياطي. وبوفاته انقضت الدعوى الجنائية المقامة ضده قانونًا، ولذلك لم تكتمل محاكمته.

بعد ست سنوات تقريباً، أستطيع اليوم أن أعود إلى تقريري القديم، وأن أفعل شيئاً كنت أتمنى أن أفعله مع كل اسم كتبته فيه:

أشطب اسم فاطمة من قائمة «جرائم بلا قتلة».

ليس لأن فاطمة عادت.

وليس لأن أطفالها استعادوا أمهم، أو لأن زوجها استعاد السنوات التي قضاها يكتب ويناشد وينتظر.

وليس لأن الحكم قادر على إلغاء تلك اللحظة التي انقسمت عندها حياة أسرة كاملة إلى ما قبل الجريمة وما بعدها.

ولكن لأن هناك الآن إدانة قضائية.

ظهرت قاتلة فاطمة أمام العدالة، وقالت المحكمة كلمتها.

لكن كم فاطمة ما زالت تنتظر؟

وهنا لا أستطيع أن أتعامل مع هذا الحكم باعتباره نهاية قصة واحدة فقط.

لأن وراء اسم فاطمة أسماء أخرى.

نساء قُتلن في ليبيا، وأسر ما تزال تنتظر معرفة من قتل بناتها وأمهاتها وأخواتها، وقضايا عرفت متهمين لكنها لم تصل بعد إلى أحكام، وأخرى ما يزال القاتل فيها مجهولًا أو لم يُقدَّم إلى القضاء.

في التقرير نفسه كتبتُ عن خنساء المجاهد، وعن سلوى بوقعيقيص، وعن السؤال الأكبر الذي لا يزال قائماً: لماذا تتحول بعض جرائم قتل النساء إلى سنوات من الانتظار؟

لذلك، حين أشطب اسم فاطمة اليوم، لا أريد أن أغلق الدفتر.

أريد أن أنظر إلى الأسماء التي بقيت فيه.

أن نسأل عن كل قضية: أين وصلت التحقيقات؟ هل أُحيل المتهمون إلى القضاء؟ لماذا تتأخر بعض المحاكمات؟ وأين النتائج التي تستطيع أسر الضحايا أن تبني عليها يقينًا بأن الدولة لم تنسَ موت بناتها؟

ليس المطلوب إدانة أشخاص قبل محاكمتهم، ولا تحويل الغضب الشعبي إلى أحكام مسبقة. المطلوب هو العكس تمامًا: تحقيق جاد، ومحاكمة عادلة، وبراءة لمن لم تثبت إدانته، وحكم على من تثبت مسؤوليته.

هذا هو الفارق بين الانتقام والعدالة.

إلى زوج فاطمة

أتذكر سنوات مناشداتك.

وأتذكر رجلاً كان يكتب بينما تمر منشوراته أحيانًا في صمت، وكأن المأساة التي يعيشها تخصه وحده.

اليوم لم تعد القضية مجرد منشور ينتظر من يقرأه.

هناك حكم يحمل اسم فاطمة.

قد لا تعرف حتى اليوم لماذا فعلوا بها ذلك. وقد لا يمنحك الحكم الإجابة عن كل الأسئلة التي حملتها طوال هذه السنوات. ولن يعيد لك زوجتك ولا رضيعك.

لكن الطريق الذي ظللت تطالب بأن يصل إلى نهايته وصل إلى حكم قضائي.

وفي عدالة الدنيا، قالت المحكمة كلمتها في حق المتهمة. أما من مات قبل أن تكتمل محاكمته، فأمره إلى الله، والله هو الحكم العدل.

رحم الله فاطمة محمد أحمد يحيى ورضيعها علي حمنا مويا، وربط على قلوب أطفالها وزوجها وأهلها.

واليوم، وأنا أشطب اسم فاطمة من «جرائم بلا قتلة»، أتمنى ألا يكون هذا الشطب الأخير.

أتمنى أن نعود يومًا إلى كل اسم بقي في ذلك التقريرلتقرير ، وإلى كل امرأة قُتلت وما زالت أسرتها تنتظر، فنشطب اسمًا بعد اسم، لا بالنسيان، وإنما لأن الحقيقة ظهرت، والمحاكمة اكتملت، والعدالة قالت كلمتها.

فاطمة انتظرت قرابة ست سنوات.وغيرها ما زلن ينتظرن.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :