بعد الغرق، هل انتهت صلاحية “عودة الحياة”؟

بعد الغرق، هل انتهت صلاحية “عودة الحياة”؟

  • رمضان كرنفوده.

انتهى الفيلم. وأسدلت مياه الأمطار الستار على أكبر مسرحية دعائية شهدتها ليبيا في السنوات الأخيرة.

لعـامين ونحن نسمع جملة واحدة: “عودة الحياة”. رأيناها في كل مكان، على اللوحات الطرقية، وفي نشرات الأخبار، وعلى صفحات المئات من الصفحات الممولة. رأينا أرصفة جديدة، وإنارة ملونة، وحفلات في الميادين.

ثم جاءت نصف ساعة من المطر، فقط نصف ساعة، لتكشف أن كل تلك الحياة التي عادت، كانت حياة من كرتون. حياة بلا أساسات.

طرابلس، عاصمة الدولة النفطية، عضو أوبك، التي تبيع النفط كل يوم بملايين الدولارات، غرقت. ليس تعبيراً مجازياً، بل غرقت فعلاً. دخلت المياه إلى غرف نوم الأطفال، وأطفأت المحال التجارية، وحاصرت الوزراء في مقراتهم.

فأين هي “عودة الحياة” التي تتحدثون عنها؟ هل الحياة هي أن ترصف الطريق وتنسى ما تحته؟ هل الحياة هي أن تزرع نخلة على الرصيف وتترك شبكة الصرف الصحي منذ عهد إدريس؟

الحقيقة المرة التي يجب أن نقولها اليوم بلا خوف ولا مجاملة: لقد تم خداعنا. لقد تم استبدال مفهوم التنمية الحقيقي بمفهوم “التجميل المؤقت”. المقاول يأخذ ملياراته، والمسؤول يأخذ صورته أمام الكاميرا، والمواطن يأخذ مستنقعاً أمام بيته.

إن أخطر ما في مشروع “عودة الحياة” أنه لم يكن مشروع دولة، بل كان مشروع حكومة. مشروعا لشخص، لعائلة، لسلطة تريد أن تقول للناس: “نحن نعمل”، حتى لو كان العمل بلا روح وبلا تخطيط.

عندما تنتقد هذا، يخرج عليك من يقول: “على الأقل دار حاجة”. ونحن نسأل: أي حاجة؟ هل بناء رصيف فوق شبكة صرف متهالكة يسمى إنجازاً؟ أليس هذا هو تعريف الفساد المقنن؟ أن تصرف ملياراً على ما يُرى، وتهمل عشرة مليارات على ما لا يُرى لأنه لا يصلح للتصوير؟

اليوم، بعد كارثة السيول، السؤال لم يعد فنياً، بل سياسيا وأخلاقيا.

هل يحق لحكومة أغرقت عاصمتها أن تطلب عامين إضافيين؟ هل يحق لمن فشل في حماية بيت المواطن من المطر أن يطلب فرصة ليحمي الوطن كله؟

إن المنطق، والقانون، والأخلاق تقول: لا.

الحكومة التي تغرق عاصمتها في أول اختبار حقيقي، هي حكومة منتهية الصلاحية. و”عودة الحياة” التي غرقت مع أول زخة مطر، هي مشروع منتهي الصلاحية.

لا نريد تمديداً. لا نريد عامين آخرين من الطلاء والزينة. نريد حكومة إنقاذ حقيقية، تضع ملف البنية التحتية أولاً، ولو لم يرها أحد، ولو لم تصلح للتصوير.

نريد حكومة تحفر تحت الأرض، لا حكومة ترقص فوقها.

لقد غرقت طرابلس، ومعها غرقت كل الشعارات. فهل نستفيق؟!

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :