تاريخ الدبلوماسيات العربية

تاريخ الدبلوماسيات العربية

  • مالك المانع

مع تشكل الدول العربية الحديثة خلال النصف الأول من القرن العشرين، بدأت ملامح مدارس دبلوماسية متميزة تتبلور في المنطقة، مدفوعة بظروف الاستقلال الوطني، والتحولات الدولية المتسارعة، وصعود نظام عالمي جديد فرض على العواصم العربية أن تعيد تعريف موقعها في خريطة السياسة الدولية. ولم يكن الطريق سهلاً، فقد وجدت تلك الدول نفسها في قلب صراعات الحرب الباردة، والقضية الفلسطينية، وأزمات النفط، والحروب الإقليمية، والتنافس بين القوى الكبرى، الأمر الذي جعل الدبلوماسية العربية تتطور سريعاً لتصبح إحدى أهم أدوات حماية المصالح الوطنية وبناء النفوذ السياسي.

ومن بين جميع التجارب العربية، ظلت الدبلوماسية المصرية الأكثر حضوراً وتأثيراً بفعل الثقل التاريخي والسياسي لمصر. فمنذ قيام ثورة يوليو عام 1952، تحولت القاهرة إلى لاعب رئيسي في القضايا العربية والإفريقية والدولية، وسعت إلى بناء سياسة خارجية مستقلة عززها انخراطها في مؤتمر باندونغ عام 1955، ثم مساهمتها في تأسيس حركة عدم الانحياز عام 1961، في وقت كان العالم يعيش ذروة الاستقطاب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

وجاءت أزمة السويس عام 1956 لتمنح الدبلوماسية المصرية واحدة من أهم لحظاتها التاريخية، بعدما نجحت القاهرة في حشد تأييد دولي واسع عقب العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، لترسخ مكانتها باعتبارها طرفاً مؤثراً في النظام الدولي الناشئ آنذاك. وبعد حرب أكتوبر عام 1973، دخلت مصر مرحلة جديدة من العمل السياسي انتهت بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام عام 1979، وهي محطات أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود طويلة.

وخلال تلك المراحل، برزت أسماء تركت أثراً عميقاً في تاريخ الدبلوماسية المصرية، من بينها محمود فوزي الذي اشتهر بحنكته القانونية والسياسية، وإسماعيل فهمي الذي ارتبط اسمه بإدارة ملفات حساسة في سبعينيات القرن الماضي، ثم بطرس بطرس غالي الذي انتقل من الخارجية المصرية إلى قيادة الأمم المتحدة، وعمرو موسى الذي استطاع أن يمنح الدبلوماسية المصرية حضوراً لافتاً في المحافل العربية والدولية.

وفي الوقت ذاته، كانت المملكة العربية السعودية تبني مدرسة مختلفة تقوم على التوازن السياسي، وتعدد الشراكات الدولية، والعمل الهادئ بعيداً عن الشعارات. فمنذ تأسيس المملكة عام 1932، اتجهت سياستها الخارجية نحو ترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية، قبل أن يزداد ثقلها العالمي مع تنامي دورها الاقتصادي والنفطي.

وبرز الحضور السعودي بصورة واضحة خلال أزمة النفط عام 1973، ثم في دعم تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وفي التعامل مع تداعيات الحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت عام 1990، وصولاً إلى إطلاق مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002، التي شكلت واحدة من أبرز المبادرات السياسية العربية في العقود الأخيرة.

ويظل الأمير سعود الفيصل أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بالدبلوماسية السعودية، بعدما قاد وزارة الخارجية لما يقارب أربعين عاماً، مكتسباً احتراماً واسعاً داخل الأوساط السياسية الدولية لما عُرف عنه من هدوء واتزان وقدرة على إدارة الملفات المعقدة بلغة سياسية رفيعة.

وفي أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية، اختارت سلطنة عُمان أن ترسم لنفسها مساراً مختلفاً يقوم على الحياد الإيجابي وعدم الانخراط في سياسة المحاور، وهو نهج منحها مكانة خاصة لدى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. وخلال العقود الماضية، لعبت مسقط أدواراً هادئة لكنها مؤثرة في تقريب وجهات النظر بين الخصوم، وكان من أبرز تلك المحطات استضافة اللقاءات السرية التي مهدت للمفاوضات الأمريكية الإيرانية وانتهت إلى الاتفاق النووي عام 2015، فضلاً عن مساهماتها في جهود التهدئة في ملفات إقليمية متعددة.

وكان الوزير يوسف بن علوي بن عبد الله أحد أبرز الوجوه التي جسدت هذا النهج، حتى أصبحت الدبلوماسية العُمانية تُعرف في كثير من الدوائر الدولية بأنها مدرسة تقوم على الحوار والثقة والابتعاد عن التصعيد.

أما الدبلوماسية الفلسطينية، فقد وجدت نفسها أمام مهمة استثنائية تختلف عن معظم تجارب العالم، إذ انصب جهدها على انتزاع الاعتراف الدولي وتثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية. فمنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، خاضت القيادة الفلسطينية معركة سياسية طويلة أثمرت إعلان الاستقلال عام 1988، ثم اتفاقيات أوسلو عام 1993، قبل أن تحقق فلسطين مكاسب دبلوماسية مهمة بالحصول على عضوية منظمة اليونسكو عام 2011، ثم صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012.

وبرز في هذا المسار عدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية التي أسهمت في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة على الأجندة الدولية، رغم تعاقب الأزمات العالمية وتغير أولويات المجتمع الدولي.

وفي المقابل، استطاعت دولة قطر خلال العقود الثلاثة الأخيرة أن تفرض نفسها لاعباً سياسياً نشطاً عبر اعتماد سياسة تقوم على الوساطة والانفتاح على جميع الأطراف، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات الدولية وأدوات القوة الناعمة.

ولعل اتفاق الدوحة عام 2008 الذي أنهى أزمة سياسية لبنانية معقدة كان من أبرز النماذج على هذا الدور، كما لعبت الدوحة أدواراً تفاوضية متعددة في ملفات السودان وأفغانستان، وأسهمت في تسهيل قنوات الحوار بين أطراف متخاصمة في أكثر من مناسبة، قبل أن يعزز تنظيمها الناجح لكأس العالم 2022 حضورها الدولي بوصفه حدثاً تجاوز الرياضة إلى السياسة والثقافة والدبلوماسية العامة.

وبرز في هذه المرحلة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني بوصفه أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية القطرية، ثم واصل الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أداء أدوار دبلوماسية مؤثرة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

لقد أثبتت التجارب العربية، رغم اختلاف ظروفها وأولوياتها، أن الدبلوماسية ليست مجرد بروتوكولات أو لقاءات رسمية، بل هي فن إدارة المصالح وصناعة التوازنات وتجنب الصراعات متى أمكن ذلك. وبين القاهرة والرياض ومسقط ورام الله والدوحة، تشكلت مدارس سياسية مختلفة في أدواتها، لكنها نجحت في بناء حضور عربي مؤثر في العديد من المحطات المفصلية التي شهدها العالم خلال العقود السبعة الماضية.

وربما يكون أعظم ما قدمته هذه التجارب أنها رسخت فكرة أن الحكمة السياسية، والاتزان، والحوار، والقدرة على بناء الثقة، يمكن أن تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من لغة القوة، وأن الدبلوماسية الهادئة تبقى، مهما تغيرت موازين القوى، إحدى أكثر أدوات الدولة فاعلية في حماية مصالحها وصناعة مكانتها بين الأمم ..

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :