تقرير الطبيب الشرعي للوطن

تقرير الطبيب الشرعي للوطن

  • رائد قديح

الخبرُ السعيدُ هذا الصباح:

اللصوص لم يموتوا في القصفْ!

ياقاتُهم البيضاءُ نَجَتْ،

وخدودُهم التفاحُ ممسوحةٌ بالحصانة..

أما الوطن.. فمات متأثراً بوعوده!

يملكون “تذكرة مجانية” لرفاهية فائضة عن الحاجة،

ياقاتهم مغسولة بماء الغياب..

لا يعلق بها غبار المجازر،

لم تضرب خدودَهم ريح البلاد.

يجلسون خلف زجاج مضاد للوجع،

يحصون حصتهم من دمنا بكافيار الحكاية.

اللصوص بخير..

بخير جَلْفٍ يبصق في وجه العدالة،

فتنحني له شاكرة!

أما الوطن..

فقد استعار عكازاً مكسوراً ومضى،

يجر خطاه البطيئة في طابور الجرحى،

رئته محشوة بشظايا الحديد.. والوعود،

قلبه.. معروض كأنتيكة قديمة،

في مزاد العواصم بلا ثمن.

الشعب.. نثار مكتوب بالحبر السري:

شهيد استعجل النوم..

لأن سريره في البيت نامت فوقه قذيفة.

فقيد معلق كقميص منسي على حبل الغياب،

نسيته أمه ومحته الريح.

نازح يحمل جدار بيته في حقيبة السفر،

كلما نزل أرضاً بكى..

لأن المسامير فُقدت،

والبلاد لا تثبت في المجاز.

مهاجر يكتب اسمه بالملح على وجه الموج،

يرجو الحوت أن يترك له جواز سفره..

ليكون له اسم في المنافي.

مبتور ينظر إلى ظله الطويل في الجدار،

يتساءل: أين ذهبت خطواتي،

التي سرقتها الحرب قبل أن أخطوها؟

سجين يرسم بالطباشير شمسًا على كفه،

ينفخ عليها..

لعله يخدع ليل الزنزانة البارد.

على رصيف الانتظار المبلل بالخيبة:

موظف مرت من أمامه الفصول الأربعة وهو واقف في مكانه،

جيبه موسم دائم من القحط..

مرتبه صار كذبة بيضاء،

نسيت خزينة المصرف كيف تلفظ حروفها.

طفل يمتد طوله.. وتقصر أحلامه،

ينظر إلى الحقائب المدرسية على ظهور الأبرياء،

يحمل على كتفه النحيل خراب مدرسة كاملة..

بمقاعدها وأناشيدها الميتة.

الأم سجادة صلاة غرقت بالدموع الحارة،

تهز سريراً فارغاً..

فيهتز سقف الكون من أنينها المُر.

والأب.. شجرة بلوط هوت دفعة واحدة،

يقف في طابور الخبز بجيوب فارغة من المال،

فارغة من أسماء أولاده،

الذين غادروه.. دفعة واحدة نحو السماء.

الشباب.. دخان يتصاعد من رماد الفكرة،

مستقبلهم ليس غامضاً فحسب،

المستقبل جدار مصمت من الإسمنت،

كتبت عليه الحرب بدم جاف:

يُمنع الدخول..

فالغد قيد الصيانة..

والبلاد خارج الخدمة!”

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :