- شكري السنكي
هدفت ثورة السابع عشر من فبراير إلى إسقاط الدكتاتور وإنهاء نظام حكمه، وقد أنجزت مهمتها بنجاح، تاركةً تحقيق الطموحات والآمال والتطلعات على عاتق أبناء الشعب كافة.
نجحت الثورة لأنها انطلقت من تراكم نضال القوى الوطنية عبر سنوات طويلة من الصراع مع نظام القذافي المستبد، حيث رسخت القوى الوطنية في وجدان الليبيين أن ليبيا لا يمكن أن تستعيد دولتها وتحقق استقرارها وازدهارها ما دام القذافي على رأس السلطة. كما دعت إلى تبنّي نظام دستوري ديمقراطي يقوم على صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.
وقد رفعت فبراير الشعارات ذاتها التي ناضلت من أجلها القوى الوطنية طويلاً: إسقاط نظام القذافي، وإقامة بديل دستوري ديمقراطي.
وحينما اندلعت الثورة واجه نظام القذافي مطالب الشارع بالقمع، وردّ عليها بالرصاص بدلاً من الاستجابة لها، فوقف الشعب الليبي بمختلف أطيافه في خندق واحد في مواجهة السلطة الحاكمة، حتى سقط القذافي وتفكك نظامه بعد مواجهات استمرت ثمانية أشهر.
نجحت ثورة فبراير في توحيد الصف الداخلي لمواجهة الطغيان، كما تمكنت، من جهة أخرى، من الحصول على الاعتراف الدولي وحشد الدعم الخارجي، الذي شكّل عاملاً حاسماً في دحر قوات القذافي وإسقاط نظامه.
ولا شك أن الثورة حققت نجاحاً باهراً في بلوغ هدفها المتمثل في إسقاط الطاغية، من خلال توحيد الجبهة الداخلية من ناحية، وإقامة شبكة علاقات خارجية داعمة ومناصرة من ناحية أخرى. وأصدر المجلس الانتقالي بيان التحرير، ثم أُجريت انتخاباتٌ حرّة ونزيهة شهد لها العالم بأسره. وتشكّل البرلمان، أو «المؤتمر الوطني العام» كما كان يُعرف آنذاك، كما شُكِّلت الحكومة التي أقرّها البرلمان. وعند هذه المرحلة يمكن القول إن فبراير قد أدّت مهمتها كاملة، وأن ما تلا ذلك يقع على عاتق الشعب والجهات الحاكمة، لا على عاتق فبراير.
نجحت ثورة فبراير في إسقاط نظام متخلف كان متمسكاً بعودة المجتمع الليبي إِلى العصر الحجري، وسلمت الراية أو الأمر إِلى كافة النَّاس ليواجهوا الثورة المضادة ومخلفات ثقافة همجية كان عنوانها الإقصاء والرقص على جثث أصحاب الرَّأي والعلم والمعرفة، وشعارها: «سير وﻻ تهتم يا قائد وصفيهم بالدم»، و«ما نبوش كلام لسان نبو شنقه في الميدان».
هذا ما حدث بالفعل. أمّا من يحاول تحميل ثورة فبراير وزر ما يجري اليوم من انقسامات وانفلات أمني ونهبٍ للمال العام، فضلاً عن التدخلات الخارجية السلبية والصراعات المسلحة التي تندلع بين الحين والآخر، فإنه يخلط بين الأمور، ويتجاهل الثورة المضادّة، ويتغاضى عن المؤامرات الخارجية، كما يتناسى الإرث الثقيل الذي خلّفه نظام متخلّف حكم البلاد بعشوائية وفوضوية لم يشهد لهما التاريخ مثيلاً.
ومَن يقول إن فبراير كانت نكبةً لا ثورة، يجافي الحقيقة ولا يلم بالواقع. فأنا أؤمن أن فبراير كانت ثورةً حتميةً، تأخر اندلاعها طويلاً، إذ كان من الواجب — في تقديري — مواجهة معمر القذافي والوقوف في وجهه منذ اليوم الأول لانقلابه في الأول من سبتمبر عام 1969م، حين استولى على السلطة مجموعة من الضباط في جنح الظلام، واختطفوا الدولة بإرادةٍ منفردة، فغيّبوا صوت الشعب وأقصوا إرادته.
لم تكن فبراير نكبةً كما يروّج لها البعض، بل كانت لحظة فخرٍ واعتزاز، ومحطةً فارقةً في تاريخ الوطن، استعاد فيها الليبيون صوتهم وإرادتهم، وسعوا إلى استرداد عزّتهم وكرامتهم التي أُهدرت على أيدي من استولوا على الحكم بقوة السلاح في سبتمبر 1969م.
لقد مثّلت فبراير تعبيراً صادقاً عن إرادة شعبٍ ضاق ذرعاً بالاستبداد، وتطلّع إلى الحرية وبناء دولةٍ دستوريةٍ تقوم على سيادة القانون، وترتكز إلى قيم العدالة والمواطنة والمساواة، وتكفل الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.
وإذا كانت الثورات تمرّ بمخاضٍ عسيرٍ وتواجه تحدياتٍ جساماً، فإن ذلك لا ينتقص من عدالتها ولا من نبالة أهدافها، فالثورات تُقاس بمبادئها الكبرى، وبما تزرعه في وجدان الشعوب من وعيٍ ورفضٍ للطغيان، لا بما يعترض طريقها من عثرات. وفبراير ستبقى في الذاكرة الوطنية رمزاً للإرادة الحرة، ودليلاً على أن الشعوب، مهما طال صبرها، لا تقبل أن تُصادر حريتها إلى الأبد.
هناك ثورة مضادّة واجهت ثورة فبراير، ولا تزال تنازعها المشهد وتتقاطع معها حتى اللحظة، دون أدنى شك. كذلك، يسعى نفر من أتباع نظام معمر القذافي إلى تصدير صورةٍ مصطنعةٍ للرأي العام، تزعم أنّ الليبيين يحنّون إلى زمن القذافي، وأن فبراير كانت نكبةً حلّت بالوطن وانتهكت سيادته.
غير أن هذه الرواية لا يقرّها الواقع، ولا تعزّزها استطلاعات الرأي العام، بل تبدو نتاج إعلامٍ مُضلِّلٍ وجيوشٍ إلكترونيةٍ مُسخَّرةٍ ومموَّلة، تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي وتزييف الحقائق، خدمةً لأجنداتٍ بعينها ومحاولةً لإعادة إنتاج سرديةٍ تتعارض مع تطلعات الليبيين إلى الحرية والدولة الدستورية.
أخيراً، أجد نفسي مضطراً لأن أختم كلمتي بما ختمت به مقالتي في الذكرى الرابعة عشرة لفبراير، فأقول:
«إنّ ليبيا اليوم تنتظر منا جميعاً تصحيح المسار، ومعالجة الأخطاء، واستكمال المسير نحو النصر الكامل، والتغلب على الفتن والفرقة، وتجاوز كل العراقيل والعقبات والمشكلات التي تعترض طريقنا. كما تنتظر منا أن نُدرك أنّ التاريخ سيحاسبنا إن لم نُحسن النهايات كما أحسنّا البدايات».
ختاماً، ستنتصر فبراير حتماً، طال الزمن أم قصر… والعبرة لمن يعتبر.
كل عام وحبُّنا للوطن أكبر، وكل عام والوطن بخير وسلام.














