حساء وفستان طويل

حساء وفستان طويل

هيثم الأمين

أأنت بخير؟

أمازال يؤلمك عشاؤنا الأخير؟!

لستِ وحدكِ؛

فربّما، أنا، أيضا، ما كنتُ أريدُ ذلك!

قبل العشاء،

لسبب أجهله كانت يداك ترتعشان

فدلقت الحساء كلّه على فستانك الطّويل!

ولأنّك أتيتِ على عجل وستغادرينْ

لم تحملي معك إلّا حقيبة يدكِ،

علبة الشّوكولاتة التي أفضّلها

وابتسامتك الصّغيرة

وأنا كنت ألحّ عليك أن تبقيْ لتناول العشاء

وربّما، أغرتك فكرة تناول عشاء يعدّه رجل وحيد

ثمّ يتناوله مع حزنه وهما يشاهدان التّلفاز!

طالبتك أن تستريحي

لكنّكِ كنت تصرّين على إعداد الطّاولة معي

وكانت، ربّما، يداك ترتعشان

أو، ربّما، خذلك كعب حذائك العالي

فدلقت كلّ الحساء على فستانك الطّويل!

أتذكرين؟!!

كنّا نضحك كما المجانين

وأنت تجرّبين بناطيلي واحدا، واحدا

وتتذمّرين من جسدك البدين!

كلّ بناطيلي كانت ضيّقة

وكلّ شراشفي كانت صغيرة

وأعلم أنّك كنت تبكينْ

وكنتِ، سرّا، تقسمين أنّك ستنتقمين من هذا الجسد البدين!

غسّالة الملابس كانت سعيدة

وهي تلوك فستانك الطّويل

وأنت كسائحة،

كُنتِ تتورّدين من الحرج على شواطئي

حتّى أنّك كُنتِ تتلعثمين كثيرا

فتناديني: “حليبي” بدل “حبيبي

ولتقولي: “صحن” تقولين “حضن

وكنّا نضحك كما المجانين.

كنتِ تتورّدين أكثر وتتورّدين

وأنا.. كنت أحتسي كلّ ضحكاتكِ

وأسكرُ

وأشرب كلّ بياضك المتورّدِ

وأثملُ

في ذاك العشاء،

كان الضّوء حليفي

وعطرك الخفيف كان، أيضا، حليفي

وانت تمسحين عن شفتيك “الصّالصة

وتدّعين أنّ طيق “السباقيتي” الذي أعددته

لذيذ جدّا

وأنا همست لكِ،

مازحا،

وعيناي تحدّقان في طبق البرتقال

شفتاك مع “الصّالصة” ألذّ وأشهى

وأظنّك كنت تدركين

أنّي لم أكُ يوما جادّا كما تلك اللحظة!

ولهذا السّبب

أظنّك قد ابتسمت تلك الابتسامة الخفيفة

وغيّرتِ الموضوع

في مطبخي الصّغير،

ذاك المطبخ الذي لا يتّسع إلّا لرجل يعيش مع وحدته وحزنه

كنّا معا!

أنا كنت أغسل المواعين

وأنت دخلت، لتوّك، لتعدّي لنا الشّايْ !

ووقفتُ خلفك، تماما، لأرى،

من باب الفضول،

كيف تعدّ امرأة  الشّايْ لرجل يحبّها؟

ولا أدري كيف

صارت شفتاي عصفورة

وحطّت على كتفك العاري؟ !

ربّما، لم تنتبهي لعصفورتي الصّغيرة

وتركتك هناك

وهرولت نحو غسّالة الملابس

وكان غاضبا جدّا

فستانك الطّويل

وأنا أعلّقه على حبل الغسيل

ولا أدري

أكان غاضبا منكِ

لأنّك تركته للغسّالة لتُزيلك منه

أم كان غاضبا من عصفورتي الصّغيرة التي تركتها على كتفك العاري؟!

كان حلوا الشّاي رغم صمتك الثّقيل

وكنت تراقبين الوقت على شاشة هاتفك وتتأفّفين

بينما فستانك المبلول، من الشّرفة، كان يراقبني

وأنا أتابع رقصة ركبتيك العاريتين

دون أن أخفي انتصاب الضّوء في عيوني !

بعدها، تبادلنا الكثير من الحزن

ومن الوحدة

وكنتِ تبتسمينْ

كلّما نطّ أرنب أبيض من بين شفتيّ

وركض في بياضك!

وصمتّ طويلا والأرانب الحمراء

تنطّ من بين شفتيّ وتدغدغ بياضك

ولكنّ عينيك كانتا تطالباني بمزيد من الأرانب الحمراء !

ثمّ ركضنا كطفلين نحو النّهر

رغم صراخ فستانك الطّويل،

رغم الرّجل الذي كان يقف في عينيك و يشتمني

ورغم كوب الشّاي الذي اندلق على بنطالي!

كان النّهر ثائرا

وكبرنا على ضفّته كحريقين

فالتهمنا كلّ الأشجار وكلّ العشبْ

وطيّرنا كل العصافير

حتّى صار النّهر أحمر من دماء السّناجب

وعمّدتِ القدّيس قي النّهر الأحمر

وكان فستانك الطّويل يبكي في الشّرفة

وكان بنطالي، قربنا، يلهث ككلب ويضحك

كنتُ أعانق سحابة بيضاء، في حلم

حين تسلّلت من وحدتي إلى وحدتك

وحملتِ معك حزنين

بينما، أنا

مازلت أرنّ عليك

لأسألك:

أأنت بخير؟

أمازال يؤلمك عشاؤنا الأخير؟

ولا أحد يجيبْ

ومازلت كلّما دخلت مطبخي الصّغير

مع حزني ووحدتي

أشكر جزيل الشّكر الحساء الذي اندلق كاملا على فستانك الطّويل.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :