- رائد قديح
لم آتِ إلى هنا لأناقش أزمة سياسية بالمعنى التقليدي والمكرر، بل لأجابه عملية “تفكيك بنيوي” للهوية الجامعة، يجري تمريرها بوعي مشوه وممنهج.
_ إن أخطر ما يواجه الحالة الفلسطينية اليوم هو انتقال معول الهدم من “الفعل الاستعماري الخارجي” إلى “الفناء الداخلي لسياسات التفتيت”، حيث تمارس الذات الوطنية انتحاراً ذاتياً مدفوع الأجر، وتبدد رصيد تضحياتها التاريخية بلا ثمن.
_ ما نعيشه اليوم هو “إزاحة للمقدس الكلي” (الوطن) لحساب “المقدسات الصغرى” (الحزب، والجغرافيا، والعشيرة)، في عملية إعادة صياغة قسرية للوعي الفلسطيني حولت التنوع الطبيعي إلى خنادق متواجهة و متناحرة.
لقد تحولت الجغرافيا (غزة، الضفة، الـ48، والشتات) إلى هويات فرعية متصارعة، تقتات على نفي الآخر، و تستعير الأدوات الإقصائية ذاتها التي طالما مارسها الاحتلال ضدنا.
_ المفارقة المأساوية هنا، أن هذا التفتيت لا ينشأ من القاع الشعبي، بل يتم إنتاجه وضخه بوعي ومنهجية من قبل نخب وشخصيات وازنة، تحولت وظيفتها من حراسة الهوية التاريخية إلى حراسة امتيازاتها الحزبية والمصالح الضيقة.
_ أما المظهر الأكثر خطورة لهذا التردي، فهو مأسسة “خطاب التخوين” كآلية وحيدة وأخيرة لإدارة الخلاف.
لقد نجحت فصائل الأيديولوجيا، مستعينة بمنصات وأدوات مشبوهة، في تحويل النقد من أداة تقويم وتصويب إلى “جريمة وجودية” تستوجب العزل الأخلاقي والسياسي.
إن تحويل “الشريك في الوطن” إلى “عميل ومندس” لمجرد أنه يمارس وعيه النقدي، هو عملية “إبادة معنوية” للمجتمع بأسره. نتيجتها الحتمية كانت تشتيت الحاضنة العربية، وتحويل السردية الفلسطينية في الوعي العربي من قصة تحرر ملهمة إلى مشهد من التناحر العدمي المنفر.
_ أمام هذا الانحدار الحر، يصبح صمت النخبة الثقافية والإعلامية والوطنية سلبي جدًا ويرتقي إلى مرتبة التواطؤ الكامل.
إن دور المثقف الحقيقي اليوم ليس البكاء على أطلال الوحدة المفقودة، بل ممارسة “قطع معرفي وأخلاقي” حاسم مع هذه المنظومة المأزومة.
_ المطلوب اليوم، وبلا تأخير، هو تأسيس “توجه تاريخي عقلاني” يتجاوز البنى الفصائلية المتكلسة، ويعمل على صياغة “عقد اجتماعي وسياسي جديد”، يقوم على مأسسة الاختلاف، وتجريم التخوين، وإعادة بناء الهوية الجامعة على قاعدتي المواطنة والتحرر.
_ المسألة لم تعد تحتمل المناورة أو تدوير الزوايا؛ فالاستمرار في هذا النزيف الذاتي يعني حرفياً الانسحاق تحت شروط التخلف والغباء السياسي، وضياع القضية برمتها من بوابة العجز الداخلي، لا القوة الخارجية.














