ستينية قرطاج بين نوستالجيا الذاكرة ونشوى الوشائج

ستينية قرطاج بين نوستالجيا الذاكرة ونشوى الوشائج

متابعة نيفين الهوني/ تونس ــ خاص

في محاولة لتكوين صورة مصغرة عن مسار الأغنية العربية خلال العقود الأخيرة وعلى ركح المسرح الأثري بقرطاج كانت ستينة مهرجان قرطاج الدولي لهذا العام 2026 حيث ضجت حجارة التاريخ بأصوات الموسيقى فمن الطرب الكلاسيكي إلى الأغنية العاطفية ومن ذاكرة نجوم الزمن الذهبي إلى تجارب الجيل الجديد و من الموسيقى التونسية إلى أصوات عربية وعالمية جاءت إلى قرطاج لتلتقي بجمهور اعتاد أن يتعامل مع هذا المسرح لكونه أكثر من فضاء للحفلات حيث امتدت الدورة منتصف يوليو إلى أواخر أغسطس وضمت حوالي 20 سهرة فنية بينها 19 حفلا موسيقيا وعرضا مسرحيا واحدا وقد ضم البرنامج العام كانت البرمجة موزعة بين 13 موعدا عربيا وتونسيا و7 عروض ذات طابع دولي لكن القيمة الفعلية لهذه الدورة لم تكن في عدد الأسماء المشاركة وحده وإنما في الطريقة التي أعادت بها هذه الأسماء طرح سؤال قديم هل يستطيع المسرح العريق أن يجمع أجيالا مختلفة من الجمهور حول الأغنية نفسها ؟ والإجابة جاءت في أكثر من ليلة من المدرجات نفسها وبأكثر من شكل وطريقة

الاختتام عرس على الركح الأثري واختبار لذاكرة الجمهور

 فماجدة الرومي في الختام الذي تحول إلى عرس تلك  الفنانة اللبنانية التي عادت إلى قرطاج بعد نحو ثماني سنوات لم تأتي إلى المسرح لأنها فنانة تستحق او لتاريخها العريق فقط لكن لأن تاريخها ارتبط بذاكرة المكان والجمهور التونسي لأكثر من أربعة عقود فقبل ظهورها أعادت شاشات المسرح الجمهور إلى عام 1980 عبر صورة وملصق قديم لماجدة في بداياتها فتحول الحفل الذي ضم أغنيات لها بين قديمة وحديثة إلى رحلة عبر قرابة 40 سنة من عمرها الفني ثم عندما ظهرت قالت: أعتبر هذا  الحفل عرسا وفي العرس نغني جميعا  فلنغن للحب والسلام من هنا من على ركح قرطاج ..ثم تمنت الخير والازدهار لتونس وشعب تونس  بشكل راقٍ يليق  بالصورة الإنسانية التي صاحبتها طوال عمرها  الفني

وتغنت ماجدة بكلمات وعيناك ليال صيفية وعم يسألوني ولا تسأل  واعتزلت الغرام وكن صديقي و مطرحك بقلبي قبل أن تفتح نافذة تونسية خاصة من خلال لاموني اللي غاروا مني  للفنان الهادي الجويني وكلمات الشاعر الليبي الفذ بشير فهمي افحيمة وهي ترتدي الشاشية التونسية وتحمل الياسمين وهكذا انتهى حفل الستينية تقريبا كما بدأ بالرهان على الذاكرة بعيون تتطلع إلى المستقبل المشرق .

 من الشاشية إلى البوب.. قرطاج يلبس 60 عاما من الموسيقى وبرنامج يريد أن يستعيد قرطاج

فمن الفنان التونسي  صابر الرباعي في الافتتاح إلى الفنانة اللبنانية  ماجدة الرومي في الاختتام بدأت برنامج يحاول استعادة قرطاج الذي كان  فالدورة بدأت بصابر الرباعي في عرض «تحت الياسمين» ثم توالت السهرات والحفلات والاسماء فجاء اللشاب خالد ثم  The Jacksons ثم  نوردو ثم  الأوركسترا السمفوني التونسي ثم أنجليك كيدجو ثم  سهرة تونسية للاحتفاء بالتراث الوطني ثم عرض  القرهمانة ثم الفنانة  يسرى محنوش  ثم الفلامنكو الاسباني ثم الفنان سامي يوسف ثم الفنان ريان والذي ذهب ريع حفله إلى مرضى السرطان في تونس ثم  عرض روندو فينيزيانو الإيطالي ثم الفنانة ميادة الحناوي والفنان محمد خيري ثم الفنان  تامر عاشور ثم فولكلور من العالم بمشاركة دول متعددة وتونس والصين وليبيا ومصر والجزائر واندونيسيا ثم الفنانة  نبيهة كراولي ثم الفنانة إليسا ثم الفنانة أمينة فاخت ثم الختام الفنانة ماجدة الرومي فكانت أبرز مالفت الإنتباه هذا العام هو  اعادة أسماء كبيرة إلى المسرح بعد سنوات من الغياب إلى جانب تقديم أسماء للمرة الأولى أمام جمهور قرطاج وبذلك بدت الستينية أقرب إلى محاولة لاستعادة «ذاكرة المهرجان» وليس فقط مجرد إعداد قائمة لحفلات جماهيرية.

جمهور تامر عاشور ذاكرة طازجة على تقف على حجارة تاريخية

بدأ حفل تامر عاشور قبل أن يظهر على الركح فالجمهور الذي جاء قبل موعده جلس ينتظر قدومه لساعات وحين دخل الفنان تامر عاشور امتحان قرطاج للمرة الأولى لم يكن الأمر سهلا فالفنان الذي جاء إلى تونس وهو يعرف أن لديه قاعدة جماهيرية واسعة اكتشف أن الجمهور التونسي لم يكن ينتظر فقط من أجل أغنياته القديمة التي يحفظها عن ظهر قلب لكنه أيضا انتظر  من أجل  أغنيات ألبومه الجديد (مراية الحب) الذي صدر قبل الحفل بأسبوعين تقريبا وقد تفاجىء الفنان بالجمهور التونسي وحفظه للأغاني حتى أنه خاطبه : (لحقتوا امتى تحفظوها )

وخلال الحفل غنى تسلم وياه وقصر بعيد وأولاد الحلال وهيجيلي موجوع إلى جانب أعمال من ألبومه الجديد كما قدم الله أعلم التي لحنها لفضل شاكر و يا ريتك فاهمني للفنانة أنغام ضمن مساحة استعاد فيها بعض الأغنيات التي كتبها أو لحنها لآخرين وقد خاطب الجمهور مرة أخرى بقوله:

ينفع أغني هنا كل يوم؟ وقد قدم حوالي 28 أغنية من أصل 87 أغنية لديه خلال ساعتين من الإمتاع الوجداني .

الجمهور يقول لميادة الحناوي 21 عاما من الغياب لا تكفي لمحو ذاكرتنا معك

في هذه السهرة الاستثنائية كان المسرح الأثري على موعد مع عودة أخرى أكثر ارتباطا بالزمن فالفنانة ميادة الحناوي التي عادت إلى قرطاج بعد 21 عاما من آخر مشاركة لها عام 2005  لم تكن وحدها فقد بدأ سهرتها الفنان السوري محمد خيري الذي قدم القدود الحلبية والمواويل والأغنية الطربية في ساعة كاملة من الإبداع والامتاع و استعادة للمدرسة السورية التي كان معلمه صباح فخري أحد أبرز رموزها على مسرح قرطاج ثم ظهرت الفنانة ميادة لتبدأ بـأنا مخلصالك قبل أن تتنقل بين حبينا واتحبينا وهي الليالي كده والشمس ودوا عيني والحب اللي كان وفاتت سنة وصولا إلى أنا بعشقك التي رددها الجمهور معها وهو ما دفع التغطيات إلى وصف الأغنية بأنها نشيد الحب الذي احتفظ بمكانه رغم تغير الزمن. وعلى الرغم من أن صوت ميادة لم يعد بالقوة نفسها التي عرفها الجمهور في ذروة مسيرتها وهذا ما قاله ومع ذلك لم يبدو الجمهور مستعدا لتحويل تلك الملاحظة إلى حكم على قيمة الفنانة فقد ظل الغناء الجماعي والتصفيق حاضرين امتنانا لما صنعته الأغنية نفسها في الماضي.

The Jacksons..  مايكل جاكسون يعود إلى تونس من باب العائلة

في خروج من الدائرة العربية في مهرجان قرطاج  إلى المسرح العالمي حضرت  فرقة The Jacksons الأميركية في  توقيت يتزامن  مع زيارة مايكل جاكسون إلى تونس

جاء العرض في سياق استعادة الذكرى مع أجيال جديدة فحملت الفرقة إرث العائلة الموسيقية التي ساهمت في تغيير تاريخ موسيقى البوب إلى قرطاج مرة أخرى

لكن الأهم أن الحفل لم يحاول تقديم مايكل جاكسون نفسه بل العائلة التي صعدت إلى المسرح حاملة تاريخ المجموعة وأغانيها وروحها الاستعراضية فالكوريغرافيا و الإضاءة والفيديوهات التي عرضت كخلفية في الشاشات الكبرى استعادت البدايات وأيام الشباب أما الإيقاعات التي مزجت البوب والسول والجاز والبلوز والإيقاع القوي كلها صنعت عرضا خياليا جمع  التصفيق والرقص والتفاعل مع الحركات والإيقاعات  في واحدة من الليالي التي بدت فيها موسيقى قرطاج العالم بأسره

من ليبيا إلى قرطاج.. أمينة فاخت تعيد تشكيل جغرافيا الأغنية

أما أمينة فاخت فقد عادت إلى قرطاج بعد ثماني سنوات لتقدم واحدة من أكثر السهرات التونسية اعتمادا على الحضور الركحي فبدأت السهرة بلوحة راقصة من تصميم ابنتها ملكة عويج قبل أن تتولى الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة يوسف بلهاني بمشاركة موسيقيين من الجزائر بناء الجسر الموسيقي نحو ظهورها لتغني اول أغانيها على ركح قرطاج في تلك السهرة وهي أغنية ليبية من كلمات وزير الثقافة الليبي الشاعر سالم العالم وألحان الفنان الجراح الليبي الراحل تامر العلواني مازال بدري لتتوالى الأغنيات بعد ذلك فمن سلطان حبك وعالجبين عصابة ولا مرة ثم  انتقلت إلى آهو جاني لمحمد الأسود والأغنية الليبية الثانية لساحر المحكية الليبي الشاعر محمد الدنقلي وألحان الفنان الليبي الراحل الجراح تامر العلواني لأنك تشبه السكر ثم  وأنت توعد وتخلف لأحمد الماجري ثم أختتمت بالتحية لكل من شاركوها العرض والسهرة والفرقة والعازفين ثم الشعراء الليبيين وأهدت لروح الفنان تامر العلواني تحياتها ثم أعتذر للفنان الليبي محمد الوافي بسبب عدم تمكنها من غناء أغنيته والتي كان من المقرر غنائها في الحفل لتكون الحصيلة 3 أغاني جديدة كلمات وألحان وإنتاج ليبي وتميزت الحفل بالتواصل والتفاعل بينها وبين جمهورها الذي خاطبته عدة مرات حتى أن الديفا قالت في لحظة فارقة للجمهور :

أنتو الحب… نحب طاقة الحب و نحبكم برشا

وصارت قرطاج إمرأة نبيهة كراولي تغني المرأة والهوية التونسية

وحين جاء دور نبيهة كراولي في سهرة مرتبطة بالعيد الوطني للمرأة التونسية كان الحضور النسائي لافتا للنظر واختارت كراولي أن تجعل من المرأة والهوية التونسية محورا للعرض فافتتحت السهرة بكلمات كتبتها ابنتها سلمى كراولي حول أدوار المرأة والصعوبات التي تواجهها وصمودها ونجاحاتها قبل أن تدخل إلى رصيدها الغنائي بمرافقة المايسترو خالد بن عيسى وتتنقل  بين أغنياتها فمن متشوقة إلى  النوارة العاشقة أو تناديني وناديك ثم كان قلبي يطاوعني ومحلاها إلى وايجا انقلك وشفتك مرة و هز عيونك و واش والأيام والمكتوب ومبروكة و قالولي جاي ويا لالالي  وهاي طلت بمشاركة جوقة الأصوات المتفاعلة بشكل هارموني والمتماهية مع العرض النسوي التونسي المحلي .

الجمهور.. المؤشر الأكثر صدقا على نجاح الدورة

إذا كانت الأرقام والبرامج والتصريحات تمثل الوجه الرسمي للمهرجان فإن المقاطع المصورة وردود الفعل المتداولة تقدم وجها آخر للمتداول والمتحدث عنه عند النخبة .

ففي حفلة تامر عاشور، ظهرت قوة التفاعل في حفظ الجمهور لأغانٍ حديثة لم يمض على صدورها سوى أسبوعين وفي حفلة ميادة الحناوي كانت أنا بعشقك اختبارا ناجحا لذاكرة أجيال كاملة ومع The Jacksons ظهرت لغة أخرى لا تحتاج إلى ترجمة لغة ايقاعية ضمت الرقص والتصفيق والحركة وفي حفلتي نبيهة كراولي وأيضا امينة فاخت  كان الغناء الجماعي مؤشرا على أن الأغنية التونسية التراثية لا تزال قادرة على عبور الأجيال وصحيح أن ميادة الحناوي وماجدة الرومي وThe Jacksons وأمينة فاخت دخلوا من بوابة الذاكرة لكن تامر عاشور أثبت أن الجمهور قادر على استقبال الجديد بالسرعة نفسها فيما حولت  نبيهة كراولي المناسبة الوطنية إلى مشروع فني وثقافي متكامل  وقدمت أمينة فاخت نموذجا آخر يقوم على الجمع بين الأغنية والاستعراض والتجديد و البرنامج نفسه جمع بين صابر الرباعي والشاب خالد وأنجليك كيدجو وسامي يوسف وإليسا مرورا بـThe Jacksons وروندو فينيزيانو والعروض العالمية الأخرى وبهذا المعنى لم تكن ستينية قرطاج احتفالا بستة عقود فقط وإنما اختبارا لمكانة المهرجان في زمن تغيرت فيه علاقة الجمهور بالموسيقى وتغيرت فيه طرق اكتشاف الأغنية واستهلاكها وانتشارها. وما قالته الفنانة ماجدة الرومي في الاختتام عن  إن الحفل ليس حفلا وإنما عرس اختصر  ما حاولت الدورة كلها أن تقوله: أن قرطاج لا يعيش فقط بما يقدمه الفنانون على المسرح بل بما يتراكم بين الفنان والجمهور من تفاعل ومشاركة كأعراسنا و بما يبقى من ذكريات لدينا بعد انطفاء الأضواء.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :