محمد طايل
إلى الشاعر الفلسطيني: المتوكل طه.
تزامنًا مع اليومِ الدّولِيّ لإحياء ذكرى “الهولوكوست“
– – – – – – – – – – – – – – – –
-1-
خَيْمَتِي ذَات سَقْفٍ يُفاوضُ أمْطَارَهُ
أنْ تُهذِّبَ شَهْوَتَهَا،
وتَمرَّ برفْقٍ خِلالَ فُتيحَاتِهِ،
سَاقِطاتٍ عَلَى كَفِّيَ الرَّاعِشَةْ
آهِ لَوْ أنَّ كَفِّيَ طائِرةٌ رائِشَةْ
لصعدتُ؛
عَلانِيةً: وَالِدِي ماتَ مِنْ رَجْفَةٍ فِي العراءِ،
واُمِّي تُخبئُنا خلفَ أضْلُعِها،
هكذَا سأقُولُ إلى الغيمةِ الطائِشَةْ
-2-
تَعْزِفُ الجارةُ الآنَ لَحْنًا شَجيًّا،
إذَا هِيَ هزَّتْ بغربالِها القَمْحَ،
لَحْنًا بَريئًا بِلا عازِفَةْ
يقَالُ إذَا مَا سَمِعْتَ هواتِفَهُ،
سوفَ تشهدُ صَوتَ الجَنينِ،
الذِي لم يَصِرْ بعدُ فِي فَمِنَا أرْغِفَةْ
ذَاكَ صوتٌ يُطمئِنُنِي،
أنَّنِي سأنامُ بِلا مَوْجَةٍ فِي عصارَةِ جَوْفِي،
تضجُّ؛ فتزعِجُ أحلامَ إخوتِيَ المرْهَفَةْ
-3 –
أشْعَلَ اللَّيلُ قِنْدِيلَهُ فوقَ خَيْمَتِنِا،
لِيَ ظِلٌّ يُلاحِظُهُ العابِرونَ،
مَلاحَظةَ اللَّحْنِ مِنْ أطْرَشِ
قِيلَ: يَبْدُو كَوَحْشٍ،
وقِيلَ: كَأوْدَع ما خَلَقَ اللهُ،
لَمْ يَكْذِبِ الواصِفون؛
أنَا أتوحَّشُ حِينًا وأرْهَفُ حِينًا،
وكلٌّ بِنَيَّةِ آَخَرِهِ لِي يَشِي
يَدِي تتمثَّلُ أجْنِحةً فِي مَسارحِ ظِلِّي،
كَمَا أنْ رأسِيَ تبدُو كغاباتٍ اشْتَجَرَتْ،
كُلَّمَا كلَّمَتْها يَدِي..
لَا أخافُ توحُّشِيَ الآنَ؛
إنِّي أُربِّيهِ للعالَمِ الأوْحَشِ
-4-
الجدارُ مِنَ النَّاظِرينَ إليهِ سَيسْخَرْ
شَاهِقٌ شَامِخٌ مِنْ عُيونِيَ أقَصَرْ
يتلوَّنُ بالشَّمْسِ كُلَّ صَباحٍ،
يُمرِّنَ أطيارَنَا أنْ تُربِّيَ عَضْلاتِ أرْياشِها،
يُجْبِرُ الغيمَ فِي حائِطِ الأفْقِ أنْ يتسمَّرْ
ذَاتَ يومٍ أجَابَ أبِي عَنْ سؤالٍ،
بجُرْحِ الهَواءِ تخثَّرْ
الجدارُ؟ أجَلْ؛
هو يَحرُسُ مِنَّا خَلائِقَ مذعورةً،
مِنْ حناجِرِنا،
إنْ نمَتْ،
وتشهَّتْ عَلَى كَتِفَيْهِ تُكبِّرْ
فسألتُ إذا كانَ حارسَنَا،
مَنْ إذًا سوف سيحرسُنَا مِنْهُ يا أبَتِي؟
مَنْ سيحمِي براءَتَنَا مِنْهُ مَن؟
إنَّ حُرِّيَّةَ العيْنِ أنْ تتشمَّمَ لونَ السَّماواتِ،
لكنَّها مِنْ ذؤابَتِهِ تَتَكسَّرْ
غيرَ أنَّي أريدُ الخروجَ إلى العالَمِ الحُرِّ…
قَال مُقاطِعَنِي: سوف تخرجُ يومًا،
إلى ذلكَ الحينِ مرِّنْ عيونَكَ أنْ تتحسَّسَ قامَتَهُ،
تَعْلُ إنْ يعلُ؛ إيَّاكَ تَخْسَرْ
-5-
قَالَ لِي صَاحِبِي سَوفَ أغدو طَبيبًا،
لِكَيْ أطرُدَ البردَ مِنْ جَسَدِ الرِّيحِ،
سَوفَ أعالِجُ ضَعفَ المناعَةِ عِندَ جُيوشِ البِلادِ،
وأصلِحُ هذَا المخيَّمَ دَارًا فَدارَا
وقَالَ لَهُ آخَرٌ: سوفَ أملِكَ مقدرةَ الطَّيرانِ،
لِأحْملَ هذِي البيوتَ إلى غَيْمةٍ،
وأوشِّحَها عَلمَ الوطنِ المستبَاحِ سِوارَا
لَمْ أُمرِّرْ مُفكِّرَتِي الواقعيّةَ مِنْ بَابِ قَلْبِي،
تكلَّمْتُ بالصُّمْتِ،
وَحْشِي تَوارَى
هل يحقُّ لَنَا أن نُجرِّبَ هذي الحياةَ،
كمرْكَبَةٍ فِي البِحارِ،
وليسَ كمرْكَبَةٍ لَم تَزَلْ وَمْضَةً فِي خواطِرِ ملَّاحِها،
هَلْ يحقُّ لَنَا أن نُجرِّبَ شَيبتَنا فِي الثَّمانِينَ من عُمْرِنا،
أمْ تُرانا وِلْدنا شيوخًا،
ونَمْضِي إلى أنْ نموتَ صِغارا
-6-
وكَعادَةِ جَدِّيَ فِي اللَّيلِ،
جَدِّي الحكِيم كَوحْيِ السَّماواتِ،
جدِّي النَسِيّ كَنَهْرٍ يُبدِّلُ قشرتَهُ،
ثمَّ طَقْسٌ يمارِسُهُ كُلَّ ليلٍ أمَامَ الجميعِ،
يُلمِّعُ مِفْتاحَ مَنْزلِهِ المستحيلِ،
أراهُ مُحاطًا بأنْسِجَةٍ مِنْ حَريرٍ،
بَدا ذَهبيًّا،
يُمشِّطُ حافتَهُ بأصابِعِهِ،
ويُقبِّلُهُ مِثل طفلٍ رَضيع،
يمرّر مفتاحَهُ فِي أصابِعِنا،
ويَقصُّ بِصوتِ خريرِ المياهِ:
“ألَا قَسمًا يَا صِغارُ!
أتدرونَ أنَّيَ حِين أقرِّبُ أذْنيَ مِنْهُ
يعودُ لَها صوتُ خطوةِ أمِّيَ وهْيَ علَى دَرجِ البيتِ تصعدُ…”
أخطفُه مِنْ يَديهِ،
أحاولُ… لكنَّنِي لَا أحسٌّ بشيءٍ،
وأكذبُ حينَ أقوُلُ سمعتُ…
فَقَطْ كَيْ أراهَ سَعيدًا فيبتسمُ…
الآنَ سوفَ ننامُ جَميعًا ببيتٍ صَدِيٍّ
بِذاكِرةِ الوقْتِ
لكنَّ مِفتاحَهُ ليسَ فِي روحِهِ صَدأٌ،
المفاتِيحُ تحفظُ وجهَ منازِلِها،
تتلمَّسُ رائِحةَ القلْبِ،
حِينَ تَفرُّ عواطِفُهُ مِنْ معاطِفِهِ،
والمفاتيحُ تحملُ فِي رُوحِها طُرُقَ البيتِ،
لكنِّها سوفَ تغدو وِسامًا -معَ الوقتِ–
فِي بَذلاتِ المنافِي
-7-
أمسِ شَيَّدْتُ طَائرَةً وَرَقِيَّةْ
سَرَحَتْ عَيْنِيَ المستنيرةُ فِي خَيْطِ مِيزانِها،
سَرَحَتْ فِي بَراعتِيَ الهَنْدَسِيَّةْ
لَمْ تَكُنْ لِتسوقَ الرّياحَ،
بِغَيْرِ تَساوِي المسافَةِ،
بين ارْتِكازِ العصيِّ وبين جَناحيْ طَليعَتِها،
المساوَاةُ يَا أصْدقاءُ جَريمَةُ مَنْ يحلمُونَ،
بِحَمْلِ الهَشاشَةِ فَوقَ عُروشِ الرِّياحِ العصيّةْ
السَّماءُ تُحدِّقُ،
طائِرةٌ تتصاعدُ راقِصةً،
أسْوَدٌ خَيطُها يَتمَطَّى كقطّ الظَّهيرةِ
إنَّ السَّماءَ تحدِّقُ،
إنَّ الصِّدامَ وَشيكٌ،
أتلكَ السَّماءُ مُجرَّدُ سَقْفٍ لَنَا،
أمْ غِطاءٌ لسَجْنٍ مَهِيبٍ مِنَ الأبَدِيَّةْ
بَغْتةً
قَدْ شَعرتُ بِمرْعَشَةِ الخيطِ،
أنْزَلْتُهَا إثْرَ فلْسَفَةٍ عَدَمِيَّةْ
رُبَّما بَالَغَتْ عَيْنُها فِي البَصِيصِ إلينا،
وأخْشَى عَليهَا الإطالَةَ،
إنَّ الإطالَةَ فِي الشَّوْفِ مِنْ ثغرةٍ فِي الأعالِي،
تُجفِّفُ نَهْرَ العُيونِ
بِرفقٍ أقلِّبُ بَكْرَتَها،
رَجَفَتْ فِي يَدَيَّ كسرْدِينَةٍ فِي شِباكٍ عَتِيَّةْ
أتُرَى مَا الذِي حدَّقَتْ فِيه،
كَيْ يُصْبِحَ الخيطُ أبْيضَ،
والعينُ مِثل عَجوزٍ رَدِيَّةْ
– ديوان: ألَّا يصدأَ: المفتاحُ يعدُ البيتَ.














