عاصفة

عاصفة

اسماء القرقني

جلستْ ترتّبُ خزانة ملابسها   ، جلبابها الأسود  يغطّي جسدَها ويطمسُ معالمَهُ ،شعرها المشعث تُحكم لفّهُ بوشاحٍ شاحبٍ كلونِ وجهِها الخالي من المساحيق ،  تحاولُ جاهدةً درْءَ تلك الصورِ التي ما انفكّت تقتحمُ  مخيلتها  ،تمزجُ  الحزنَ وألمَ الفقدِ والغضبُ وتسكبُهُ  مرّاً في حناياها  ،

نصائح جدتها الجافة و صوتُها  القاسي   مافتئ  يتردّدُ صداه في ذاكرتها السخية:

_عليكِ أن تهتمّي بأبنائك وتنسي كل شيء عداهم …حتى نفسك….

مازال يفزعها ويطرد النوم من مخدعها مشهد  اجتماع نساء العائلة وكيف قدّمْنَ لها تلك الملابسَ  .

  ، قالت لها فقيهتهن  واكبرهن سنّاً بلهجة آمرة :

 عليكِ الالتزام  باللون الأبيض طيلة  أربعة أشهر وعشراً فهذا حقُّهُ عليك ، إيّاكِ أن تلبسي غيره….،

 ارتدتها وهي ترتجفُ ،شعرت بالموت يفوح منها ويكاد يزهق أنفاسها ، كلّ شيء كان لونه أبيض ،الوشاح  ،الفستان ،حتى الجوارب ، لم  تدرك أنّ الأبيض بإمكانه أن يكون مفجعاً إلى هذه الدرجة إلا تلك الليلة..

..،واصلت ترتيب ملابسها  وهي تزدرد  ريقها بصعوبة   ،وأحداث اليوم البائس وثناياه الحزينة تكاد تبتلعها

 ، فتحت أحد الأدراج……وقعت عينها عليه….استغربت أنه مازال موجوداً  ضمن مقتنياتها ، ساورتها رغبةٌ لم تستطع مقاومتها في ارتدائه ،  شعرت برهبة ودقّ قلبها بعنف ،  لم تلبسْه سوى مرة واحدة و لم تمضِ أيام حتى أصبحت مثل هذه الاشياء محرمة عليها ،ما أجملَ لونَه الأصفرَ المبهجَ وتفاصيله الناعمة ، …اتسعت حدقتا عينيها  عندما انعكست صورتها الفاتنة أمامها في المرآة  وكأنها  ترى نفسها للمرة الأولى….  ،         ثيابها  الفضفاضة وألوانها السوداء والرمادية    صارت جزءاً منها  ،  لا  تألف جسدها  في سواها منذ  سنوات

  ،.. انتشلها صوت بكاء صغيرها من دهشتها.. ،احتضنته بحنان وهدّأت من روعه ،ربتت راحة كفه الطرية على وجهها  ،هدهدها النسيم العليل  ….

….لم تستيقظ الا بعد غروب الشمس بوقت غير قليل

  ،قامت مفزوعة ،  نزعت الفستان بسرعة ، غسلته ووضعته على حبل الغسيل واخفته جيدا  ببعض الملابس……

قالت جارتها عندما زارتها صباحاً و هي ترمقها بنظرات ملتهبة مزدحمة بالتساؤل والريبة:

_اعتقدتُ أن أختك في ضيافتك.

….صمتت قليلا ثم قالت والتهكّم يدثّر نبرات صوتها:

_الريح بعثرت كلّ شيء الليلة البارحة  ، ربّما عليك أن تزيلي آثارها ،

ركضت صوب شرفتها…شهقت…كانت كلُّ ملابسها  على الأرض….وحده الفستان الأصفر كان متشبثاً بالحبل.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :