- عتيق حيدر
في دولةٍ يُفترض أنها غنية بمواردها الطبيعية، لا يمكن التعامل مع إعلان وزير الاقتصاد بأن أكثر من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر كخبر عابر. فهذا الرقم، في جوهره، شهادة إدانة لسياسات عامة أخفقت في تحويل الثروة إلى استقرار، وفي بناء منظومة تحمي المواطن من الانزلاق نحو الفقر.
المشهد اليومي يؤكد ذلك بوضوح: غلاء متواصل في الأسعار، نقص في السيولة، تآكل في القدرة الشرائية، وقرارات متكررة بتغيير سعر الصرف دون أثر ملموس على حياة الناس. ومع اقتراب شهر رمضان، تتضاعف الأعباء في ظل غياب رقابة حقيقية على الأسواق، وكأن المواطن تُرك وحيدًا في مواجهة الأزمة.
وتزداد الصورة قتامة حين نصل إلى ملف الصحة. فالأدوية—بما فيها أدوية الأمراض المزمنة والأورام—أصبحت نادرة أو باهظة الثمن، ما يحوّل المرض إلى عبء اقتصادي خانق. وفي دولةٍ تحترم نفسها، لا يُترك حق العلاج رهينة السوق أو التقلبات الإدارية.
وفي قلب هذا الواقع، يقف المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الوطن، ليتقاضى مرتبًا لا يتجاوز 100 دولار، رقم لا يضمن كرامة، ولا يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. هنا لا نتحدث عن خلل مالي فحسب، بل عن خلل عميق في مفهوم العدالة الاجتماعية ودور الدولة تجاه مواطنيها.
في المقابل، يستمر الإنفاق العام بلا مراجعة جادة: مرتبات وامتيازات فلكية، تمثيل خارجي متضخم بأعداد وتكاليف لا تمتلكها حتى دول كبرى، ومزايا مفتوحة لكبار المسؤولين. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين دور البرلمان من كل ذلك؟ أليس هو الجهة المفترض بها الرقابة، وإقرار الميزانيات، ومساءلة الحكومة عن أوجه الصرف وأولوياتها؟
الأخطر من ذلك هو غياب الشفافية. فلا المواطن يعرف على وجه الدقة كيف تُدار الماليات العامة، ولا تُنشر تفاصيل الإنفاق، ولا تُعرض نتائج واضحة للسياسات الاقتصادية المتخذة. هذا الغموض يفتح الباب واسعًا أمام الهدر والفساد، ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن صمت البرلمان، أو اكتفائه بدور المتفرج، في ظل هذا الغياب للشفافية، يجعله شريكًا في المسؤولية. فلا يمكن تبرئة مؤسسة يفترض أنها تمثل الشعب، بينما تُدار شؤون الدولة خلف الأبواب المغلقة، دون أرقام واضحة أو محاسبة فعلية.
ثم تأتي قرارات ذات طابع استعراضي- كالتكفل بمصاريف الحجيج – لتفتح باب التساؤل المشروع: هل تُدار الدولة بمنطق معالجة الجذور؟ أم بمنطق تسجيل المواقف؟ وهل الأولوية اليوم للصورة، أم لحياة الناس؟
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالمطالبة بصبر المواطن، بل بإخضاع السلطة -حكومةً وبرلمانًا – لمبدأ التقشف والمساءلة والشفافية. ترشيد الإنفاق، تقليص التمثيل الخارجي، إلغاء الامتيازات غير المبررة، وتحديد مرتبات عادلة للمسؤولين، خطوات لا غنى عنها إن كان هناك حديث جاد عن إنقاذ الاقتصاد.
فالدول لا تنهار بسبب قلة الموارد، بل بسبب غياب العدالة والرقابة والشفافية.
وعندما تختل البوصلة، يبقى المواطن – دائمًا – هو من يدفع الثمن.














