- سليمة محمد بن حمادي
مضت الأيام مسرعة، وركض مسرعاً ربيع العمر دون أن نشعر بمغادرته. فالأيام كانت تشغلنا بمن نحب، قدمنا لهم أجمل سنين العمر طواعية على طبق من ذهب، وأولينا الاهتمام بهم بقلبٍ راضٍ. اهتممنا برفيق العمر، بل وتعدينا على واجباته، سواء عنوة أو مجبرين، وبتربية الأبناء وتنشئتهم وخدمتهم. فرحنا لفرحهم وتفانينا في حمل ما نستطيع عنهم من أعباء، وفرحة أفئدتهم الغالية التي دعونا الله عز وجل ولا زلنا في كل حين ألا يمسها ألم.
تغاضينا عن الاهتمام بأبسط حقوقنا لأجلهم، بل ولأجل واجبات اجتماعية أخرى. أجّلنا الكثير من حقوقنا وقلنا غداً سنحقق ما نستطيع من أحلامنا، ولا زال هذا الغد منتظراً، ولكننا لم نأتِ إليه في الوقت المناسب. واكتشفنا أن الزمن سبقنا، وأن العمر يملّ الانتظار ولا يحمل صفاتنا عندما كنا للصبر عنواناً، وأن كل من هم حولنا كبروا وشقوا حياتهم كما يبتغون. من كان بالأمس نُعلمه مخارج الحروف أصبح متحدثاً جيداً يستطيع إقناع من حوله بحواراته بالحجة الدامغة. أما نحن (كأمهات) فنحن (الكتالوج) الطبيعي الذي يدرك معاني أحاسيسه ومفرداته لأننا أمهات. ننصت دون أن ننطق. قد يدرك بعضهم أننا لا ندرك ما يصبون إليه من أحاديثهم وتصرفاتهم لأننا لم نكلف أنفسنا الدخول معهم في حوارات، لأنهم نسوا أن مرحلتنا التي نعيشها تجاوزت كل الحوارات التي في الدنيا.
والآن.. وعندما وصلنا إلى مفترق الطريق، لنتفق معاً أنه لا مجال للتأجيل. فالعمر صريح ولا مجال للمجاملة. عِش لنفسك باقي أيام العمر، ليس أنانية منك ولا كرهاً لمن تحب أو لمن هم حولك، أنت لا تقترف ذنباً ترجو الله أن يغفره لك. مارس شيئاً من حقوقك التي حلمت بها ذات يوم، مع فارق الزمن (أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً).
احتمِ بعباداتك ولا تنسَ فضل الصدقة ومد يد العون للمحتاج ومردودها النفسي المطمئن للفؤاد والمبارك في حياتك. وهذّب قلبك بالتسامح لمن أساء إليك. ما أجمل السماح ومردوده الجميل على النفس، فمن صفات الله (الغفران).
سافر مع من يعيشون قضيتك أو حتى لوحدك إن كنت تحب الوحدة. مارس هواية حالت دونها مسؤوليات جمّة كنت مشغولاً بها. اشرب قهوتك في مكان حلمت به ذات يوم دون ضجيج، واقرأ كتاباً يدعو إلى الأمل والتفاؤل إن كنت من هواة القراءة. صِل رحمك. التقِ بأصدقاء قدامى إيجابيين تاهوا منك ذات يوم في زحمة الحياة. اهتم بمظهرك والبس ما يناسبك وابتعد عن ارتداء ما يضعك في قالب الشيخوخة.
لا تنتظر من أبنائك شيئاً.. ادعُ لهم دائماً بصلاح الحال.. ولا تنتظر منهم السماح لك بالحياة. ساندهم بما تستطيع وكن بجوارهم حين يحتاجونك ولا تبخل عليهم بما تستطيع، ولكن لا تجعل وجودهم في حياتك إلغاءً لوجودك.
لا تصدق من يقولون باستسلام إن العمر راح وينتظرون يوم رحيلهم.
لا تنسَ قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً). بإمكاننا أن نجعل خريف العمر أجمل.. بقلوبنا الجميلة العاشقة للخير القريبة من الله عز وجل، المؤمنة بقدرته جل جلاله، بالعناية بأجسادنا بالطعام الصحي وممارسة الرياضة وأخذ واستشارة الطبيب بين الحين والآخر، والاهتمام الشديد بالجانب النفسي بالابتعاد عن المشاحنات والمجالس المستهجنة بالنميمة والغيبة والموضوعات السلبية.. اختر أصدقاء يشبهونك في تطلعاتك.
وتذكر جيداً: (إن لنفسك عليك حقاً)
ولا تتحسر على عمر مضى، ولا تقل إن ربيع العمر ولّى.. بإرادتنا وإيماننا بأنفسنا نستطيع أن نغزل من خريف العمر ربيعاً بديعاً.
ونجعل من ورق الورد ترياقاً
لعمر قادم أكثر إشراقاً.














