- عتيق حيدرة
في العُرف السياسي والديمغرافي لأي دولة أدركت مفهوم “السيادة المكانية”، تُعد إعادة التوزيع السكاني وتعمير الأطراف والمناطق البعيدة عن المركز مسألة أمن قومي لا تقبل التهاون. تبتكر الحكومات في شتى بقاع الأرض حِزم المزايا والحوافز، وتضخ الاستثمارات اللوجستية، وتمنح الإعفاءات الضريبية والدعم المباشر لتشجيع السكان والمستثمرين على الاستقرار في المناطق النائية. الهدف لا يتوقف عند تخفيف الضغط عن العواصم المكتظة، بل يمتد لحماية الحدود، واستغلال الموارد المهجورة، وتحقيق التوازن الديمغرافي.
تتعدد الأمثلة العالمية التي جسدت هذه الرؤية الحكيمة؛ ففي سلطنة عمان، اعتُمدت استراتيجيات تنموية قائمة على “اللامركزية والمحافظات”، حيث خُصصت ميزانيات مستقلة لتطوير المناطق البعيدة كظفار ومسندم، ودُعمت الزراعة والرعي والبنية التحتية لمنع نزوح السكان نحو العاصمة مسقط. وفي مصر، شُيدت مشروعات تنموية ضخمة للريف والظهير الصحراوي لفتح آفاق أمل جديدة خارج شريط النيل الضيق. أما عالمياً، فنجد تجارب مثل أستراليا وتركيا، اللتين اعتمدتا على تقديم حوافز مالية وتسهيلات سكنية واستثمارية ضخمة لكل من يختار الاستقرار والعمل في المناطق الداخلية غير المأهولة.
أما في واقعنا المحلي، فإن هذا المفهوم العلمي يعيش انتكاسة عكسية يُرثى لها!
نحن أمام سياسة “تهجير قسري ناعم”، لا تُصدر فيها الدولة قرارات إخلاء رسمية، بل يُمارس فيها التضييق الخدمي والإداري حتى يجد المواطن نفسه مُكرهاً على الرحيل. تبدأ الحكاية من المركزية المقيتة التي تربط أبسط التفاصيل بمسافات السفر المضنية إلى العاصمة أو الساحل، مروراً بطرق متهالكة، ولا تنتهي عند أزمات شح السيولة المصرفية، والانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص الوقود، وتدني مستويات التعليم والرعاية الصحية.
وحتى الفئات التي اختارت خيار الصبر والصمود، وتمسكت بأرض الآباء والأجداد عبر ممارسة الزراعة أو الرعي – وهما العصب الاقتصادي الحقيقي لهذه المناطق – تُركت في مواجهة مصيرها بلا أي دعم يُذكر. يُترك المزارع ليواجه الجفاف وارتفاع تكاليف الأسمدة والمعدات بمفرده، بينما تُفوت الدولة على نفسها فرصة تحويل هذه الصحاري والواحات إلى “سلة غذاء وطنية” تحقق أمننا الغذائي واستقلالنا الاقتصادي بعيداً عن التقلبات الخارجية.
إن اختزال مقومات الدولة في ثروتي “النفط والماء” فقط، وسحب الموارد والنفوذ نحو الشريط الساحلي، هو إهدار صريح لفرص استثمارية واعدة؛ بدءاً من خامات المعادن الثمينة عالية الجودة التي تزخر بها مناطقنا الداخلية، مروراً بالسياحة الصحراوية الثرية، وصولاً إلى تجارة العبور (الترانزيت) المنظمة عبر الحدود، والتي لو أُحسن استغلالها لدرّت على الخزينة العامة ملايين الدنانير من العملة الصعبة وضاعفت الدخل القومي.
عندما يضطر ابن الجنوب أو الأطراف إلى بيع أرضه أو ترك دياره متجهاً نحو العاصمة أو المدن الساحلية بحثاً عن كرامة العيش وأبسط حقوق أطفاله، فلا يصح بحال من الأحوال رميه باللوم أو اتهامه بالتقصير. اللوم كل اللوم يقع على عاتق سياسات تنموية قاصرة كرّست التهميش، وأغفلت أن حماية أطراف الوطن والتمسك بسكانها هو الخط الأول والأساسي لحماية الوطن بأكمله.














