في مهرجان الحمامات الدولي  ” جاكرندا عرض مسرحي  أم مرآة لجيل مأزوم “

في مهرجان الحمامات الدولي  ” جاكرندا عرض مسرحي  أم مرآة لجيل مأزوم “

فسانيا | نيفين الهوني تونس  خاص

في بعض العروض المسرحية لا ندخل القاعة لكي نشاهد حكاية وإنما ندخلها كما يدخل المرء غرفة قديمة في بيت تركه أهله منذ سنوات فيجد أشياءه معلقة في مكانها ووجوه الذين غابوا ما زالت تسكن المرايا هكذا بدت جاكرندا لنزار السعيدي  والتي حصدت في الدورة الثالثة في المهرجان الوطني للمسرح التونسي مواسم الإبداع ثلاث جوائز هي أفضل نص لعبد الحليم المسعودي وأفضل إخراج لنزار السعيدي وأفضل سينوغرافيا ثم جاءت أيام قرطاج المسرحية في دورتها السادسة والعشرين لتمنحها التانيت البرونزي ضمن المسابقة الرسمية التي تنافست فيها 12 مسرحية من تونس وفلسطين والجزائر والمغرب والعراق ولبنان ومصر والإمارات والأردن والكوت ديفوار والسنغال ..

جاكرندا هذه المسرحية التي شاهدناها مؤخرا على ركح مسرح الحمامات ضمن الدورة ال60 لمهرجان الحمامات الدولي ضمن العروض المسرحية المختارة مع العروض الفنية الاخرى والذي اقيم تحت شعار (ذاكرة تعيش) في لحظتها الأولى لكأنها لا تروي حكاية موظفين يعملون في مركز اتصال بل تنصت إلى جيل كامل وهو يتحدث كثيرا ولا يقول شيئا فالنص الذي كتبه عبد الحليم المسعودي واخراجه نزار السعيدي وانتجته مؤسسة المسرح الوطني التونسي اختار العمل في مركز الاتصال فضاء له مفارقته القاسية فالمكان الذي يفترض أن يصنع التواصل يتحول إلى جزيرة من العزلة فكلما ارتفعت أصوات العاملين فيه كبرت المسافة بينهم وبين أنفسهم فالأرقام والتعليمات والمؤشرات وألاداءات والزبائن والهواتف التي لا تصمت والسلطة التي لا تحتاج دائما إلى وجه كي تمارس حضورها  السيء حولت المنظومة نفسها إلى وجه آخر من وجوه الفساد فقد تولت المهمة وحولت الإنسان شيئا فشيئا إلى رقم في جدول وإلى صوت ينبغي أن يقول ما يُطلب منه قوله أو أن يقول شيئا آخرولعل هذا هو الباب الحقيقي الذي تدخل منه جاكرندا إلى أسئلة الإنسان العربي المعاصر بصفة عامة والتونسي على وجه الخصوص فماذا يبقى من الإنسان حين يصبح العمل سجنا لا جدران له وماذا يبقى من الحلم حين يتحول المستقبل إلى موعد مؤجل وكيف يمكن لجيل أن يبدأ حياته وهو يحمل فوق كتفيه ماضيا لم يجد بعد طريقه إلى الخلاص .

هذه هي مسرحية جاكرندا الذي لم يكن اختيار اسمها في العرض بريئا فالشجرة التي تحمل في الذاكرة التونسية لونها البنفسجي وامتدادها نحو السماء تقف هنا في مواجهة فضاء مغلق تحكمه الشاشات والسماعات والأرقام وكأن الطبيعة جاءت لتذكر الإنسان بما فقده حين ابتعد عن جذوره فالجاكرندا شجرة لها جذور وأغصان وذاكرة أما مركز الاتصال فآلة بلا ذاكرة تريد من الإنسان أن يعمل فقط ومن هذه المسافة الصغيرة بين الشجرة والآلة يولد المعنى الكبير للعرض ثم تأتي المقبرة لتفتح بابا آخر فحين يكون مركز العمل ملاصقا لفضاء الموت لا يعود الأمر مجرد اختيار مكاني وإنما يصبح المكان نفسه شخصية من شخصيات المسرحية والأحياء يعملون فوق آثار الموتى ويتحدثون ويضحكون ويتشاجرون ويحلمون لكن الماضي يظل تحت أقدامهم مثل ظل لا يمكن سحقه ومن هنا تبدو جاكرندا وكأنها تستجوب ذاكرة جماعية مأزومة أكثر مما تحكي سيرة أفراد وفي قلب هذا الخراب يبرز هارون هاملت شكسبير لكنه خرج من القصر القديم ومشى طويلا حتى وصل إلى تونس وتغير السؤال لم يعد أكون أو لا أكون!  بل صار السؤال كيف أكون ؟

كيف يستعيد الإنسان صوته حين تكون كل الأصوات المحيطة به قد تدربت على الصمت وكيف يستطيع أن يخرج من الماضي من دون أن ينكره والسلطة أيضا تحولت إلى أسلوب حياة فأصبح الموظف يراقب نفسه والمدير يراقب الأرقام والنظام الذي يجعل الجميع يشاركون في صناعة القفص الذي يسكنونه حتى اسم المقر التانيت كول سنتر هذا الاسم الذي يجمع بين رمز أمازيغي مغاربي وتحديدا تونسي قديم وبين منطق تجاري حديث يبدو كأنه قفص آخر على شكل سؤال صغيرعن وطن دخل السوق من دون أن يخلع ذاكرته وفي هذا العالم تصبح اللغة نفسها موضع امتحان فالشخصيات تتكلم باللهجة التونسية القريبة من نبض الشارع لكن خلف كلامها تقف لغة أخرى لغة المؤسسة لغة المؤشرات والنتائج والتعليمات لغة تقول للإنسان ماذا يفعل وكيف يتحدث ومتى يصمت!! إلى أن يصل في النهاية العرض إلى قطع اللسان فلا يعود الصمت مجرد غياب للكلام إنه جسد الكلام حين يعجز عن إنقاذ صاحبه فلربما يكون قطع اللسان هزيمة كاملة ولربما يكون رفضا أخيرا للغة التي لم تعد تشبه أصحابها وهنا يترك السعيدي المتفرج وحيدا أمام السؤال هل الصمت موت أم حياة أخرى بمعني هل يضطر الإنسان أحيانا إلى إسكات اللغة القديمة حتى يجد لغة جديدة لنفسه ولما وجد الجمهور نفسه أمام انعكاسه في مرآة الحكاية ونظر إلى الشخصيات فوجد  شيئا منه في هارون وشيئا من ألفة وشيئا من ذلك التعب الذي لا اسم له والذي يرافق جيلا كاملا وهو يحاول أن يعيش في بلد يحبه ويعجز أحيانا عن العثور على الطريق إليه.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :