ليبيا، بلادٌ تغلي بالعنف المنزلي: جرائم تهز الوجدان ودولة غائبة عن حماية أبنائها

ليبيا، بلادٌ تغلي بالعنف المنزلي: جرائم تهز الوجدان ودولة غائبة عن حماية أبنائها

تقرير : منى توكا.

  في الأشهر الأخيرة، شهدت ليبيا سلسلة من الوقائع الخطيرة التي طالت أطفالًا داخل أسرهم، وأظهرت حجم التهديد الذي يمكن أن يتسلل من داخل المنزل نفسه.

ففي واحدة من أكثر الحوادث قسوة، عُثر في منطقة الهواري على جثت سبعة أطفال داخل مركبة والدهم، بعد أن أظهرت التحقيقات الأولية قيام الأب بإطلاق النار عليهم واحدًا تلو الآخر، قبل أن يقدم على الانتحار. كما تبين وجود آثار تعذيب على أحد الأطفال، وسط معلومات تشير إلى أن الأب كان يعيش منعزلًا مع أطفاله ويعاني من اضطرابات سلوكية غير معالجة.

وفي واقعة أخرى أثارت صدمة واسعة، تعرضت طفلة للحرق المتعمّد على يد عمّتها خلال فترة إقامتها عندها، بعد انتقالها من منزل أسرتها إثر وفاة والدها وزواج والدتها. وكشفت التحقيقات عن وجود إصابات متكررة وآثار تعذيب قديم وجديد، في وقت كانت فيه الطفلة دون حماية قانونية أو اجتماعية كافية رغم ظهور مؤشرات الخطر.

كما شهدت مصراتة وفاة الطفل إسماعيل دنف نتيجة تعرضه للتعذيب من قبل والده. وكشفت هذه الجريمة عن غياب أنظمة الإبلاغ المبكر، إذ عاش الطفل تحت التعنيف لفترة دون تدخل من المحيطين.

وإلى جانب هذه الحالات، سُجلت جرائم أخرى حاول فيها الجُناة تغليف العنف بسرديات “السقوط العرضي” أو “الانضباط”، لكن الفحوص الطبية أثبتت تعرض الضحايا لضرب مبرح وصدمات متكررة، ما أدى إلى فتح تحقيقات انتهت إلى اعترافات من بعض الجناة.

وتكشف هذه الحوادث عن واقع يتسم بتكرار الأنماط نفسها: طفل بلا حماية، أسرة مغلقة على نفسها، غياب مؤسسات قادرة على رصد الخطر، ودوائر من الصمت تجعل الجريمة تُكتشف بعد أن تكون قد وقعت بالفعل.

نساء ليبيا في الصفوف الأمامية لحماية الطفولة.

تؤكد الحقوقية نجاح الدامي، رئيسة مجلس إدارة منظمة لمسة ود لحماية المرأة والطفل أنّ المجتمع الليبي يعيش حالة “انكشاف أخلاقي وقانوني” تجاه الأطفال، وتقول في تصريحها:”لقد بدأت أولًا باستنكار هذا العمل الإجرامي بشكل صارم من جانب ‘لمسة ود’، ثم وجهت نداءً لزميلاتي المحاميات للانتباه إلى محضري التنفيذ الذين يعرقلون تنفيذ أحكام تسليم المحضونين إلى أمهاتهم، وأيضًا تمكين المرأة من بيت الزوجية وتنفيذ أحكام النفقة. ما شهدته بنفسي يفوق التصور، إذ يتقاضى بعض المحضرين رشاوىً من الزوج لعرقلة الأم عن تسلم أطفالها، وهذا حدث مرارًا في قضايا مؤخرًا، حيث انتظرت الأم 6 سنوات لتنفيذ حكم استلام المحضونين.

معظم أنواع العنف غير المباشر ضد الأطفال تأتي من حرمانهم من النفقة، نتيجة عدم إعلان بعض المحضرين للحكم أو تأخيره. نحن نتعامل قانونيًا، أحيانًا نهدد بالتبليغ، وأحيانًا نستبدل المحضر بمحضر خاص مقابل أجر مادي لضمان التنفيذ.

هناك حالات عنف نتيجة زواج المواطنات الليبيات بأجانب وهروب الزوج، تاركًا الأطفال بلا أوراق تمكنهم من العيش بصورة طبيعية، فلا هم مواطنون، ولا أجانب بشكل كامل. نحن نقدم طلبات للجهات المختصة لضمان الإقامة الدائمة لهؤلاء الأطفال، والمساواة مع الطلاب الليبيين في المنح الدراسية، والوصول للسلع التموينية، واستحقاق ميراث أمهاتهم ورواتبهن بعد الوفاة.

نحن نعمل على رفع الثقافة القانونية للمرأة، لتعرف حقوقها وواجباتها، ونشجعها على المطالبة بحقوقها. حاليًا نعقد ندوات لتعليم المرأة كيفية إعداد طلب النفقة وتمكينها من بيت الزوجية بنفسها، دون الحاجة لدفع أتعاب باهظة للمحامين.

كما نحرص على حماية الطفل من خلال ندوات خاصة بمنع الأطفال من حيازة أو استعمال أسلحة كالسكين، إذ لاحظنا بعض الأمهات يشجعن أطفالهن على حمل السلاح تحت ذريعة الدفاع عن النفس. أنا أؤمن أن من يحمل السكين يحمل جريمة محتملة، لأن لحظة انفعال واحدة قد تتحول إلى كارثة. غالبًا ما نختم بتوصيات تشمل دور الأخت والأم والأب في مناهضة العنف ومنع الانحدار نحو الإجرام.”

الأبعاد الاجتماعية والنفسية للعنف.

بهيجة الأخضر، أخصائية اجتماعية، تقول:”غالبًا ما تصب الأسر غضبها المكبوت على الأطفال بسبب ضغوط نفسية، أو مادية، أو توتر مستمر بين الزوجين. العنف يشمل الضرب، الإهانة، الإهمال، العقاب القاسي، والحرمان العاطفي. الأطفال الذين يعيشون في بيئة محرومة نفسيًا وماديًا تختلف حياتهم تمامًا عن الأطفال في بيئة مستقرة، فهم أكثر عرضة للخوف، الانطواء، العدوانية، صعوبات التعلم، وحتى الإدمان في المستقبل.

دور الأخصائي الاجتماعي لا يقتصر على رصد العنف، بل يشمل دعم الأسرة والطفل، وتقديم آليات للتعامل مع الأزمات اليومية. نقدم برامج توجيهية، مجموعات علاجية للأمهات والأطفال، ونرشدهم لتعلم أساليب تواصل وحل صراعات دون عنف. العقاب الجسدي لا يحل المشكلة، بل يزيدها سوءًا، ويترك أثرًا نفسيًا يمتد طوال الحياة.

من المهم أيضًا أن نعمل على بناء شبكات دعم محلية للمساعدة في الأزمات، وأن يشارك المجتمع في حماية الأطفال، لا أن يكتفي بالصمت والتفرج، لأن غياب الرقابة المجتمعية يضاعف خطر العنف ويؤخر التدخل الوقائي.”

تودد الأخضر، أخصائية نفسية، تقول:”العنف ضد الأطفال غالبًا انعكاس لمعاناة أحد الوالدين، أو تاريخ شخصي مليء بالصدمات، أو اضطرابات نفسية غير معالجة. الأطفال الذين يتعرضون للعنف يصبحون أكثر عرضة للاكتئاب، القلق، صعوبات التعلم، والسلوك العدواني تجاه الآخرين.

دور الأخصائي النفسي في المدرسة والمجتمع أساسي لملاحظة الطفل المنعزل أو العدواني، وتقديم الدعم النفسي الملائم من خلال جلسات فردية وجماعية لتقوية الثقة بالنفس، وتعليم الطفل استراتيجيات إدارة الغضب، وحل النزاعات دون عنف.

التدخل المبكر للأهل مهم للغاية، إذ يساعد على فهم الطفل، توفير بيئة آمنة، وتعليم مهارات التواصل الصحيحة. كما أن نشر الوعي المجتمعي حول تأثير العنف على الصحة النفسية للأطفال يمكن أن يخفف من الجرائم المستقبلية، لأن معالجة الطفل بمفرده دون معالجة البيئة المحيطة به غير فعالة.”

المنظور الشرعي والتربوي.

الشيخ عيسى المنوني، يضيف:

تبرير العنف غالبًا يعكس نقصًا في المهارات التربوية، أو تأثيرًا بنماذج سلبية موروثة، أو ضغوطًا نفسية واجتماعية، وليس اقتناعًا بجدواه التربوية. العنف له آثار سلبية عميقة على الصحة النفسية والسلوكية للطفل، وقد يؤدي إلى مشاكل طويلة الأمد مثل الانطواء، العدوانية، صعوبة التكيف مع المجتمع، وحتى الانحراف الإجرامي.

من منظور تربوي، كل فعل عنف ضد الطفل ينقل رسالة خاطئة بأن القوة وسيلة للتحكم والسيطرة، وهو ما يربك الطفل ويكرّس العنف في ذهنه. على المجتمع أن يكون شريكًا في حماية الأطفال، بملاحظة أي سلوك عنيف والتدخل الفوري، والتعليم الديني والتربوي الذي يحث على الرحمة والرفق.

الإسلام يحرم كل أشكال العنف الجسدي والنفسي على الطفل، ويحث على الرحمة، الحماية، ورعاية النشء. ليس هناك تربية صحيحة دون تعليم الوالدين والأطفال أساليب التفاهم والحد من النزاعات بالعقل والحوار. حماية الطفل مسؤولية فردية واجتماعية، وإذا فشلنا في ذلك، فإننا نهدر أجيالًا كاملة من الفرص والقيم.”

د. سلمى مسعود، صحفية وناشطة حقوقية، تقول:”لا يمكن النظر إلى جرائم قتل الأطفال في ليبيا باعتبارها أحداثًا فردية أو اندفاعات لحظة غضب. ما يحدث يكشف عن طبقات أعمق من الأزمات التي يعيشها المجتمع الليبي اليوم، حيث تتقاطع الضغوط النفسية، الانهيار القيمي، وغياب منظومات الحماية القانونية والاجتماعية.

على المستوى الاجتماعي، ضعف الرقابة المجتمعية وتراجع دور المؤسسات يجعل المنزل، المكان المفترض أن يكون الأكثر أمانًا، ساحة جريمة مكتملة الأركان. كثير من الانتهاكات تمرّ بصمت، خوفًا من الفضيحة أو تبريرًا بـ’شؤون أسرية’ لا يجب التدخل فيها.

من الناحية النفسية، هذه الجرائم هي نتيجة تراكم الصدمات والحروب، مقابل غياب شبه كامل لخدمات الصحة النفسية، واستمرار وصمة العلاج النفسي التي تمنع كشف الخطر قبل وقوعه. كم من الأشخاص يعانون اضطرابات حادة دون تشخيص أو متابعة؟ وكم من طفل لا يجد من يلاحظ علامات الخطر قبل أن تتحول إلى مأساة؟

حقوقيًا، تكشف هذه الجرائم ثغرات خطيرة في قوانين حماية الطفل، وضعف آليات التبليغ والتدخل المبكر، وغياب مراكز إيواء ورعاية فعالة. القانون الذي لا يُنفذ يتحول إلى حبر على ورق، والطفل الذي لا يجد من يحميه يتحول إلى رقم آخر في سجل جرائم العنف الأسري.

اليوم، لا نحتاج فقط إلى استنكار الجريمة بعد وقوعها، بل إلى مواجهة شجاعة لسؤال جوهري: من يحمي الأطفال في ليبيا؟ الإجابة تبدأ بإصلاح جذري لمنظومة الحماية، توسيع خدمات الدعم النفسي، كسر جدار الصمت حول العنف الأسري، وتعزيز دور الإعلام والمجتمع المدني في كشف الانتهاكات قبل فوات الأوان.

كل يوم نُفجع بأخبار مؤلمة: أخ يقتل أخاه، أب يقتل أبناءه، عمّة تعنف ابنة أخيها، أو أم وأب يعنفان أطفالهم بلا رحمة. ما بين الإدمان، الغياب التام للردع، وتستر الأسر على أبنائها المدمنين، تضيع أرواح بلا ذنب. مواجهة الحقيقة هي الطريق الوحيد للحماية.”

ليلى المجبري، مستشارة قانونية وناشطة اجتماعية، تقول:”إن ما نشهده اليوم من تزايد لجرائم العنف الأسري ضد الأطفال في ليبيا، يكشف عن هشاشة المنظومة القانونية والاجتماعية التي من المفترض أن تحميهم. القانون الحالي، وإن تضمن بعض المواد المتعلقة بحماية الطفل، إلا أنه يفتقد إلى الشمولية والآليات التنفيذية الفعلية. الأطفال يبقون في كثير من الحالات عرضة للأذى بسبب التأخير في تنفيذ الأحكام، أو نتيجة تدخلات متكررة من محضري التنفيذ الذين قد يعرقلون أو يؤجلون تطبيق أحكام الحضانة أو النفقة.

المشكلة ليست في النصوص القانونية وحدها، بل في غياب إرادة حقيقية لتطبيقها، وغياب الرقابة والمتابعة من السلطات القضائية والإدارية. كما أن ضعف التنسيق بين المؤسسات الاجتماعية والقضائية يعمّق من معاناة الأطفال ويجعل البيوت ميدانًا مفتوحًا للعنف دون ردع.

نحن بحاجة ماسة إلى قانون شامل لحماية الطفل، يحدد جميع أشكال العنف النفسي والجسدي والإهمال، ويضع آليات تدخل فورية وسريعة قبل تفاقم الأذى. كذلك، من الضروري إنشاء مراكز متخصصة لإيواء الأطفال المعرضين للخطر، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم ولأسرهم.

وأخيرًا، لا يمكننا أن نغفل دور المجتمع المدني في مراقبة تطبيق القانون والتوعية بحقوق الطفل، فالغياب المتكرر للرقابة المجتمعية يجعل الطفل عرضة للانتهاك المستمر، ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب. حماية الطفل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والقانون.”

غياب الوعي، السبب الخفي وراء صمت البلاغات.

بينما تتوالى الجرائم ضد الأطفال في ليبيا، تكشف العقيدة رجعة، رئيسة قسم حماية الطفل والأسرة بمديرية أمن سبها، أن الكثير من الانتهاكات تمرّ دون رصد أو تدخل بسبب قلة معرفة الأهالي بوجود القسم نفسه وطرق الوصول إليه.

العديد من الأسر لا تعرف أننا هنا، ولا يدركون أن هناك جهة مختصة تستقبل البلاغات عن العنف أو الإهمال الأسري. قلة الوعي هذه تجعل الكثير من القضايا تبقى مخفية، والأطفال يدفعون الثمن الأكبر. في بعض الأحيان نتلقى إشارات متأخرة أو بلاغات بعد وقوع أضرار كبيرة، في حين كان بالإمكان التدخل المبكر لحمايتهم.”

تشير العقيدة إلى أن وجود القسم داخل مركز الشرطة قد يكون سببًا آخر لعدم الإقبال على التبليغ، حيث يشعر الأهالي بالخوف أو التردد من الذهاب إلى مقر الشرطة. تقترح أن يُنقل القسم إلى جهة مستقلة، مثل الشؤون الاجتماعية، بحيث يكون أكثر قربًا للناس وأكثر قدرة على تقديم خدمات الدعم المباشر للأطفال وأسرهم.

“نحن بحاجة أيضًا إلى برامج توعوية شاملة، ندوات وورش عمل للتعريف بالقسم وخدماته، ولتعليم الأهالي حقوق أطفالهم وكيفية الإبلاغ عن أي تجاوز أو عنف. المعرفة هي الخطوة الأولى نحو حماية الأطفال، وبغيرها لن يكون هناك تحسن ملموس في واقع العنف الأسري.”

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :