ما بين القدر والاختيار كيف تواجه المتأخرات في الزواج وصمة المجتمع؟

ما بين القدر والاختيار كيف تواجه المتأخرات في الزواج وصمة المجتمع؟

  قصص وتجارب نساء ليبيات تثبت أن العمر والوصمة لا يمنعان المرأة من بناء حياة مستقلة وناجحة

تقرير : حواء وديع

  الزواج رباط روحي واجتماعي وأسري تقدسه كل الأديان وتحدثت عنه وهو السبيل الشرعي لتكوين الأسر واستمرار البشرية، لكن في مجتمعاتنا لا يُنظر إلى الزواج بوصفه خيارا  شخصيا فقط، بل يتحول إلى معيار اجتماعي صارم تقاس به قيمة المرأة ومكانتها، هناك من لا يحالفهم الحظ في إيجاد الشريك المناسب وهناك من حالت الظروف دون إكمال نصف دينهم كما يروق للمجتمعات العربية توصيف الزواج، غير أن هذا التأخر لا يُقرأ دائما كمسار حياتي طبيعي بل يُحمّل بأحكام قاسية ونظرات مشحونة بالشفقة أو الإدانة.

وفي المجتمعات الليبيّة على وجه الخصوص لا يفارق هاجس البحث عن زوج معظم الفتيات ليس بدافع الرغبة وحدها بل خوفا من لقب ( عانس )ذلك اللقب الثقيل الذي يُطلق على النساء ممن فاتهم قطار الزواج ويتحول من توصيف زمني إلى وصم اجتماعي ونفسي يلاحقهن في المجالس والهمسات ونظرات المحيط.

وبين القدر والاختيار وبين الرغبة والضغط الاجتماعي تعيش فتيات كثيرات صراعا صامتا مع الذات والمجتمع يبذلن قصارى جهدهن لتجاوز هذا التصنيف بعضهن بالمقاومة وأخريات بالتنازل ، بينما اختارت أخريات التكيف مع واقع لم يخترنه بالكامل.

وفي خضم كل هذه المحاولات تكشف قصص هذا التقرير حكايات مختلفة وتجارب إنسانية تُروى لأول مرة عن نساء لم يخترن العزلة لكنهن وضعن فيها بحكم الأعراف وعن تأخر في الزواج تحوّل من مسألة شخصية إلى قضية نفسية واجتماعية عميقة.

قبول القدر وتجاوز لقب عانس.

هنية فتاة تجاوزت العقد الخامس من عمرها تقول أعتقد أن الزواج قسمة ونصيب كنا نحلم بالارتباط والزواج وإنجاب أطفال، عشت قصص حب لم يكتب لي فيها النجاح وعشت تجارب خطوبة انتهت إحداها بخلاف والأخرى قتل فيها خطيبي في إحدى الحروب اختفى ثم سمعت أنه وجد مقتولًا حزنت عليه كثيرًا لكنها مشيئة الله، وتضيف ، تيقنتُ تماما أنه لا نصيب لي في الارتباط أو تكوين أسرة ، وتقبلت فكرة أن الزواج قسمة ونصيب تماما كالموت، والخيار ليس بيدي. مؤكدة أنها لم ترفض الارتباط وبذلت جهدها للحصول عليه ، لكن كان صعب المنال بالنسبة لها .

وتتابع هنية ، تربيت في بيت داعم، لم أشعر أنني عالة على أحد تزوج إخوتي وأخواتي وأنجبوا أبناء وبنات، أصبحت خالة وعمة مدللة لم أعد أهتم للقب الثقيل الذي كنت أحمله سنوات خوفا من وصفي بالعانس.

البحث عن شريك رغم الخيبة.

لسعادة معلمة اللغة العربية رأي آخر تقول ، رافقني هاجس البحث عن زوج طيلة حياتي وكانت أمي -رحمها الله- تقول لي إن كل شهادات العالم لن تساوي شيئا بدون رجل في حياتي ، وتابعت أذكر عندما بلغت الثانية عشر كان كل شيء جاهزا لكنني لم أجرؤ على الحديث عن فارس الأحلام إلا خلسة بيني وبين أخواتي أو بنات الجيران أكملت دراستي واخترت تخصص اللغة العربية لأكون معلمة، فقد كنت أعتقد أن حظوظ المعلمات في الزواج أفضل من بقية التخصصات، عندما وصلت للعشرين شعرت بالقلق لم يتقدم أحد لخطبتي بينما من هن في عمري منهن من أصبحت أمًا في سن الواحدة والعشرين كنت أستغرب لماذا لم يتقدم أحد لخطبتي رغم أن كل المواصفات تنطبق علي.

الحرج والوحدة النفسية.

تضيف سعادة،  الحقيقة لا يوجد أي مبرر لعدم زواجي وأنا الآن على مشارف الخمسين من عمري ما زلت أبحث عن شريك وأشعر بالحرج وأطلب دعوات العجائز أقضي الليل وأنا أتوسل لله أن يمنحني رفيقا جيدا.

تضيف سعادة ، كلما كبرت زادت شروطي تعقيدا ، سكتت قليلا وأكملت حديثها قائلة ، أمي قبل وفاتها قاطعت الخروج للجارات معظمهن قد استطاعن تزويج بناتهن وبقيت أنا العانس الوحيدة التي يتندر عليها الجميع وكأنها مجرمة .  وبعد هذه السنوات أصبحت أبحث عن شريك فقط للحصول على شيء من التقدير والحرية.

الطموح والدكتورة العانس.

الدكتورة سلوى تجاوزت الستين تقول سرقتني الدراسة والعمل وانشغلت عن التفكير في الزواج كنت متفوقة وطموحة جدا مع كل خاطب كنت أطمح أن يكون القادم أفضل حصلت على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، بعد حصولي على الدكتوراه قلت لنفسي لن أتزوج شخصًا أقل مني علما وفكرا  وثقافة ،  انتظرت كثيرا، القادمون لم يكونوا يشبهونه. وضعت حياتي المهنية والاجتماعية فوق أي ارتباط. الزوج الذي لا يضيف لحياتي لا أريده، لقب الدكتورة العانس لم يعد يزعجني ، بل وأصبحت أفكر في العيش في معزل عن كل ما يسبب لي الألم.

الخوف من فوات العمر والقبول بالقليل.

فاطمة من سبها تقول إن خوفها من أن يفوتها قطار الزواج دفعها للقبول برجل عاطل عن العمل وفرض عليها شروطًا صعبة، التحكم في راتبها والسكن في منزلها الموروث ، وشعرت أن القلق والخوف من نظرة المجتمع كان أقوى من رغبتها في الحرية والاستقلالية الأمر الذي جعلها توافق على الزواج رغم استغلال الشريك وتحاول جاهدة المحافظة على استمرارية هذا الزواج خوفا من لقب آخر توصم به.

من حلم الاستقرار إلى واقع الطلاق.

زينب من إحدى بلديات الشاطئ  تبلغ العقد الرابع من عمرها ، تقول إنها تزوجت رجلا أصغر سنا لكنها سرعان ما اكتشفت أنه غير قادر على تحمل مسؤولية الأسرة ، العلاقة بينهما كانت محكومة بالإحباط والفشل المبكر. تقول إن الطلاق لم يكن سهلا وإنها شعرت بأن كل جهودها وأحلامها انتهت بسرعة لقد كانت تأمل في بناء حياة مستقرة لكنها وجدت نفسها في مواجهة الواقع القاسي  وأصبحت توصم بالمطلقة بدلا من العانس.

الاستقلالية والكرامة فوق كل اعتبار.

خلود في العقد الرابع من عمرها ،تقول إنها لم تتزوج لكنها لم تشعر أن قطار الزواج قد فاتها ، هي  تعرف قيمة نفسها جيدا ولا ترغب في الارتباط برجل لا يضيف لحياتها أي معنى أو استقرار فضلت البقاء عزباء طوال عمرها ولم تتنازل عن كرامتها أو استقلالها لأي سبب اجتماعي،  وتؤكد أن الحرية والقدرة على اتخاذ القرار بنفسها أهم من أي زواج بلا معنى.

تأخر الزواج ونظرات الشفقة المستمرة.

كوثر فتاة في منتصف الثلاثينيات تواجه تأخر الزواج بألم نفسي عميق.

 تقول كوثر الناس دائما تنظر إليّ بنظرة الشفقة كأنني مسكينة لم يحالفني النصيب رغم أنني مكتفية بنفسي مستقلة وناجحة في حياتي العملية والشخصية ، وتضيف لم يتقدم لي أحد منذ فترة طويلة ولم أرفض أي شخص حاول الارتباط بي لكن الحظ لم يحالفني أبدا.

توضح كوثر أن هذه النظرات لم تعد مجرد إحساس عابر بل أصبحت عبئًا دائمًا يلاحقها في كل مناسبة اجتماعية أو لقاء عائلي، حيث تشعر أن الجميع يراقبها ويتحدث عنها بصمت، وكأنها امرأة فشلت في حياتها لمجرد أنها لم تَتزَوَّج بعد.

رغم هذا الضغط الاجتماعي والنظرات التي تعيد إنتاج وصمة العانس ،  تؤكد كوثر أنها لم تفقد ثقتها بنفسها، وأنها مستمرة في بناء حياتها الشخصية والمهنية، وتقول أعرف قيمتي وأحترم نفسي، ولن أسمح لأي نظرة شفقة أن تحدد من أكون أو تقرر مستقبلي.

وعي المرأة الليبية يتخطى وصمة الزواج.

عائشة بن يحمد الأخصائية الاجتماعية تقول المرأة الليبية أصبحت أكثر وعيا وتقديرا لذاتها لم تعد تخضع لضغط المجتمع ، بل والعديد من الفتيات اللاتي تجاوزن مرحلة الشباب المبكر يرفضن زواجا لا يناسبهن رغم ضغوط المحيط أو هاجس قطار الزواج. الفتيات يعينهن وعيهن بنفسهن ويضعن حدودا لما يرضيهن وما لا يرضيهن، يخترن الاستقلالية بدلا من خوض تجربة زواج غير متكافئة، وتقول إن هذا الوعي الجديد يتيح للمرأة التركيز على تحقيق الذات والنجاح الأكاديمي والمهني والاجتماعي دون أن يكون الزواج معيار تقييمها الأساسي.

ضمانات قانونية للمرأة غير المتزوجة والمتقدمة في العمر.

أكد المستشار القانوني عقيلة المحجوب أن القانون الليبي يمنح المرأة غير المتزوجة وخاصة المتقدمة في العمر حقوق حماية ومالية تضمن لها العيش بكرامة واستقلالية.

 الدولة تُعتبر وليا لمن لا ولي له ، و يشمل النساء اللواتي لم يتزوجن أو فقدن أسرهن ولم يكن لهن معيل شرعي هذا الحق منصوص عليه في الفقرة 5 من المادة 11 من القانون رقم 1980/13 بشأن الضمان الاجتماعي حيث كفل  للمرأة غير المتزوجة الحق في الحصول على معاش ضماني ودعم حكومي مباشر يوفر للمرأة استقلالا جزئيا ويمنع إجبارها على القبول بأي علاقة زواج لا تراها مناسبة ويكفل لها العيش دون وصمة اجتماعية أو حرمان اقتصادي.

الزواج في ميزان الشرع بين الترغيب والاختيار.

ويوضح عدد من أهل العلم أن الإسلام يحث على الزواج ويُرغّب فيه باعتباره سنة من سنن الحياة ووسيلة للعفاف والاستقرار، لكنه لا يجعله فرضا مرتبطا بسنّ محددة، ولا يربط قيمة الإنسان أو المرأة على وجه الخصوص بمدى تعجيلها بالزواج أو تأخرها عنه.

ويؤكد الفقهاء أن دعوة الإسلام إلى الزواج المبكر جاءت من باب التيسير والحماية من الفتن، لا من باب الإلزام أو الضغط الاجتماعي.

وفيما يخص الفتيات المتقدمات في السن، يوضح الرأي الشرعي أن تأخر الزواج لا يُعد عيبا ولا نقصا في الدين أو الخُلُق، ولا يجوز شرعا وصم المرأة أو التقليل من شأنها بسبب عدم زواجها . ويؤكد أن الزواج  قسمة ونصيب، وقد تتأخر الأقدار لحِكَم لا يعلمها إلا الله.

كما يرفض الشرع إجبار الفتاة على القبول بزواج لا تريده خوفًا من فوات العمر أو ضغط المجتمع، ويؤكد أن رضاها شرط أساسي لصحة الزواج، وأن الصبر والرضا بالقضاء لا يتعارضان مع السعي المشروع، لكنهما لا يبرران التنازل أو القبول بعلاقة غير متكافئة.

ويشدد العلماء على أن قيمة المرأة في الإسلام محفوظة بإنسانيتها وتقواها وعملها، سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، وأن النظرة السلبية للفتيات المتأخرات في الزواج هي نظرة اجتماعية خاطئة لا سند لها من الدين، بل تتعارض مع مقاصده في حفظ النفس والكرامة والاستقرار النفسي.

في النهاية لا يقف الألم عند باب العمر ولا تُختزل قيمة المرأة في خاتم أو لقب اجتماعي ، فبين الزواج بوصفه قسمة ونصيب، وبين الأعراف التي حولته إلى معيار للحكم على النساء، تبقى المتأخرات في الزواج عالقات بين ما هو قدر مكتوب وما هو ضغط اجتماعي مفروض ، فليست كل عزوبية خسارة ولا كل زواج نجاة، كما أن الألم لا يُقاس بالعمر ولا يُلغيه لقب أو حالة اجتماعية ، وفي عالم ما زال ينظر للمرأة من نافذة واحدة، تواصل كثيرات معركتهن الصامتة من أجل حق بسيط، أن يُعترف بهن كإنسان كامل، لا كمشروع زواج مؤجل، وأن يتركن ليعشن اختياراتهن دون شفقة، ودون إدانة، ودون خوف من قطار قد لا يكون قد فاتهن  أصلا.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :