هل في تعيينات؟ كيف صنعت الدولة الليبية أجيالاً تنتظر الوظيفة؟

هل في تعيينات؟ كيف صنعت الدولة الليبية أجيالاً تنتظر الوظيفة؟

  • محمود فزاء.

كل عام، يتخرج آلاف الشباب الليبي من الجامعات ليواجهوا سؤالاً واحداً يتكرر في كل بيت: ((هل في تعيينات؟ ))في غالب الأمر لا أحد يسأل: أين أجد عملًا؟ السؤال السائد هو: متى يأتي قرار التعيين؟ فالوظيفة هنا لا تُبنى بالسعي، بل تُنتظر من نافذة إدارية قد لا تُفتح أصلًا. وبين ملفات تتراكم في الأدراج، وأسماء سبقت غيرها إلى القوائم، يبقى آلاف الخريجين في قائمة انتظار لا يعرفون متى تنتهي. ثقافة لا تُصنع من فراغ وبعد التعيين سيضطر كثير منهم للعمل بالسُخرة إلى حين “الإفراج”، والإفراج في غالب الأمر يتأخر سنين عديدة. هذه ليست أزمة سوق عمل عابرة، بل قناعة راسخة توارثتها أجيال: إن الوظيفة الحقيقية هي الوظيفة الحكومية وحدها، وأن ما عداها عمل مؤقت لا يضمن مستقبلًا. هذه القناعة لم تُولد من عدم، بل صنعتها عقود من دولة ريعية اعتادت توزيع الوظائف كما توزّع عائدات النفط، فتحوّل المواطن تدريجيًا من صانع للثروة إلى منتظر لحصته منها. حين تعجز الدولة عن الوفاء بوعدها المفارقة أن الجهة نفسها التي رسّخت في الوجدان الشعبي فكرة أن التعيين هو الطريق الوحيد للاستقرار، هي ذاتها العاجزة اليوم عن استيعاب من صدّقوا هذه الفكرة. فحين يتحول جهاز الدولة إلى رب العمل شبه الوحيد، وتُقاس التنمية بعدد الموظفين لا بعدد المشاريع القائمة، يصبح الانسداد نتيجة حتمية لا استثناءً عارضًا. الاعتماد شبه الكلي على التعيين ليس مجرد قصور في سياسة التوظيف، بل مؤشر على فشل أعمق: عجز الدولة عن بناء اقتصاد ينتج فرص العمل بدل أن يستوردها من موازنة نفطية متقلبة. حين تصبح الحرفة عيبًا لم يقتصر الضرر على انتظار التعيين وحده؛ فالذاكرة الشعبية الليبية رسّخت أيضًا ثقافة موازية لا تقل خطورة: تحقير المهن اليدوية والحرفية. النجارة والحدادة والسباكة وصيانة السيارات وغيرها من المهن التي تبني الاقتصادات الحقيقية، ظلت لعقود حكرًا على العمالة الأجنبية بشكل شبه كامل، ولم يزاولها إلا عدد ضئيل من الشباب الليبي، لا لعجز في القدرة، بل لأن المجتمع نفسه صنّف هذه المهن في خانة ((العيب )) مقارنة بمقعد وظيفي حكومي. والنتيجة أن فرصاً حقيقية كثيرة ضاعت على جيل كامل ظل ينتظر سراب التعيين بدل أن يبني مهارة تفتح له بابًا للرزق بيده. فالتعيين الذي يحسبه العاطل عن العمل فرجًا قادمًا لا محالة، هو في حقيقته حفرة تقتل الإبداع والمبادرة، هو حفرة لا قاع لها. نموذجان من العالم الثالث المقارنة مع تجارب دول أخرى من العالم الثالث تكشف حجم الخيار الذي فوّتته دول كثيرة، منها ليبيا. فمصر مثلًا ظلت لعقود أسيرة النموذج نفسه: جهاز إداري وحكومي من الأضخم في المنطقة، ودولة اعتادت أن تكون هي رب العمل الأول عبر التعيين المركزي ومؤسسات القطاع العام. النتيجة أن سقف الاستيعاب الحكومي بلغ حدوده منذ عقود، وبقيت معدلات بطالة الشباب مرتفعة رغم ضخامة الجهاز الإداري، لأن الاقتصاد الموازي له لم يُبنَ بالقدر الكافي لامتصاص الخريجين الجدد. في المقابل، اختارت رواندا (وهي دولة خرجت من إبادة جماعية مطلع التسعينيات، ولم تكن تملك موارد نفطية ولا ثروة موروثة) مسارًا مختلفًا تمامًا: راهنت على بناء بيئة أعمال جاذبة للاستثمار الخاص بدل التوسع في التوظيف الحكومي، عبر تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، ومكافحة صارمة للفساد الإداري، وتحفيز القطاع الخاص على استيعاب الخريجين. النتيجة قطاع خاص صغير لكنه متنامٍ، وجيل لم يعد يرى في المشروع الخاص أو العمل في شركة ناشئة، أو حتى في احتراف حرفة يدوية، خيارًا أقل شأنًا من الوظيفة الحكومية. الفارق في الرؤية لا في الموارد مصر تفوق رواندا بمراحل من حيث حجم الاقتصاد والموارد البشرية، فالفارق بين النموذجين ليس فارقًا في الثروة، بل في الرؤية: دولة اختارت أن تكون هي صاحبة العمل الأوحد، وأخرى اختارت أن تكون راعية لسوق يخلق هو فرص العمل. الأولى تنتج طوابير انتظار أمام الوزارات، والثانية تنتج طوابير استثمار أمام شبابيك تسجيل الشركات. أين تقف ليبيا؟ ليبيا اليوم أقرب إلى النموذج الأول، بل ربما أشد إغراقًا فيه. وحين يتحول التعيين من حق مؤقت في مرحلة بناء الدولة إلى ثقافة راسخة تُورَّث كما تُورَّث العادات، يصبح السؤال الملّح ليس ((متى يُعيَّن هؤلاء الشباب؟)) بل متى تتوقف الدولة عن تربية أجيال تنتظر التعيين بدل أن تصنع فرصها بنفسها، وبدل أن تنظر إلى المهنة اليدوية على أنها كرامة لا عيب؟ نقض هذه الثقافة لا يعني إنكار حق أي مواطن في وظيفة كريمة، بل يعني تحرير الشباب من وهم أن الدولة وحدها قادرة على منحهم هذا الحق، وتحميل الدولة مسؤوليتها الحقيقية: بناء اقتصاد ينتج الفرص، لا اقتصاد يوزّعها بالتقسيط.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :