هويتي والهويات القاتلة

هويتي والهويات القاتلة

قراءة :: ليلى المغربي

عنوان الكتـــاب: كتاب الهويات القاتلة
المؤلـــــــــــــف: أمين معلوف
ترجمــــــــــــــة: نهلة بيضون
الناشـــــــــــــر: دار الفارابي – بيروت / لبنان
عدد الصفحات: 231

الهوية موروث واختيار
قضيت الأعوام الأربعة عشرة الأولى من عمري خارج البلاد، وخلال هذه الأعوام لطالما ذكرنا والدي أننا ليبيون وأننا سنعود يوماً، وحين كبرت شعرت بإختلاف هويتي عمن يحيطون بي سواء في سوريا التي ولدت وقضيت فيها أيام طفولتي أو في ليبيا وطني الذي عدت إليه ، وهذا ما جعلني أبدي اهتماماً خاصاً بموضوع الهوية والقراءة والبحث فيها .
كنت قد قرأت منذ وقت بعيد كتاب الهويات القاتلة للكاتب أمين معلوف وما جذبني إليه بشدة هو المقدمة التي يذكر فيها الكاتب السبب الذي جعله يكتب عن الهوية ، أستطيع القول أن سبب قرائتي واهتمامي بالأمر هو نفس السبب الذي دعا الكاتب لإختيار موضوع الهوية وإلقاء الضوء عليها .
اختار أمين معلوف أن يقدم نفسه ويشرح عن هويته بهذه المقدمة قبل أن يغوص في تفاصيل الهوية فيقول:
“منذ أن غادرت لبنان عام 1975 للاستقرار في فرنسا، فكم من مرةٍ سألني البعض
عن طيب نيةٍ: إنْ كنتُ أشعر بنفسي “فرنسياً” أم “لبنانياً”. وكنت أجيب سائلي على الدوام: “هذا وذاك!”
ويضيف: إلى الذين يطرحون عليَّ هذا السؤال، أشرح بصبر وأناة أنني أبصرت النور في لبنان، وعشت فيه حتى سن السابعة والعشرين، وأن العربية هي لغتي -الأم، وأنني اكتشفت دوماس وديكنز ورحلات جليفر من خلال الترجمة العربية، وعرفت في قريتي الجبلية، وضيعة أجدادي، أول أفراح الطفولة، وسمعت فيها بعض القصص التي استلهمتها لاحقاً في رواياتي. فكيف أنساه؟ وكيف لي أن أنسلخ عنه؟ غير أنني، ومن جهة أخرى، أعيش منذ اثنين وعشرين عاماً على أرض فرنسا، وأشرب ماءها، وتداعب يداي حجارتها العتيقة، وأكتب رواياتي بلغتها، وهي لن تكون أبداً أرضاً غريبةً بالنسبة إلي.
هل أنا نصف فرنسي، وبالتالي، نصف لبناني؟
لا أبداً! فالهوية لا تتجزأ، ولا تتوزَّع مناصفةً أو مثالثةً، ولا تصنَّف في خاناتٍ محدَّدة ومنفصلة عن بعضها البعض. وأنا لا أملك هويات متعدِّدة بل هوية واحدة مؤلَّفة من العناصر التي صنعَتها وفقاً “لجرعةٍ” خاصة لا تتطابق مطلقاً بين شخص وآخر.” (1)
وهكذا هي هويتي مؤلفة من عدة عناصر ولكن كان بعض عناصرها يضعني في حيرة ، ربما لأنني فقدته أو افتقده ، وربما للقدر مصادفاته الغريبة التي واجهتني أثناء القراءة الثانية لهذا الكتاب رفقة أعضاء نادي هواة القراءة في 2014، وأثناء نقاشنا لمقتطفات منه أجد رسالة على الفيسبوك من سيدة لا أعرفها تذكر اسم والدي ووالدتي ومحل اقامتنا سابقا في سوريا، وتخبرني بأنها كانت جارة لنا ، تجمدت للحظات وبكيت لساعات ، فقد شعرت بأن هذه الرسالة هي الأربعة عشر عاماً التي فقدتها عندما غادرت سوريا، وانقطعت عن هذا الجزء الهام من حياتي، وحياة كل انسان ــ مرحلة الطفولة ــ والتي إذا نظر القارئ حوله، سيجد على الأقل صديقاً أو أثنين يرافقانه منذ نعومة أظفاره، وربما يلتقي صدفة بجار أو جارة بل ربما لايزال يقطن ذات الحي الذي ترعرع فيه ويعرف أهله ويعرفونه ، فهل أستطيع أن أنكر أن هذه الفترة هي جزء من هويتي .
هويتي وانتماءاتي
يشمل كتاب (الهويات قاتلة) أربعة أبواب متراتبة: “هويتي وانتماءاتي”، “عندما تأتي الحداثة من الآخر”، “زمن القبائل الكوكبية”، “ترويض الفهد” يقدم فيها معلوف أمثلة لحالات انسانية تعرض بعضها للإقصاء نتيجة إختلاط هويته وإختلافه عن بقية أفراد المجتمع ، كذاك التركي الذي ولد في ألمانيا ووجد نفسه يتعرض للنبذ في ألمانيا وفي بلده الأصلي تركيا ، وتتحول الاختلافات في الهوية إلى تطرف يصل حد القتل لأجل الديانة أو العرق ، وتتعدد الأمثلة التي يسردها الكاتب بلغة سلسلة عن عناصر تشكيل الهوية واختلافاتها من انسان لأخر .
عندما تأتي الحداثة من الآخر
يؤكد معلوف أن الهوية لا تعطى للفرد مرة واحدة وأنها متغيرة وفق الظروف التي تحيط بالفرد والتي تؤثر على عناصر تشكيل الهوية القابلة للتبدل وأن الفرد يميل بطبعه فيما يخص تعريف هويته وتحديد انتمائه بأكثر عناصر هويته عرضة للخطر – خطر الإهانة أو السخرية أو التهميش أوالقمع ، يقول معلوف في كتابه :
“إن الأفكار التي سادت عبر التاريخ ليست بالضرورة تلك التي من المفترض أن تسود في العقود القادمة ، فعندما تبرز حقائق جديدة نحن بحاجة الى مراجعة مواقفنا وعاداتنا ، وفي بعض الاحيان حين تبرز هذه الحقائق بسرعة فائقة تبقى ذهنياتنا متخلفة عنها ، ونجد أنفسنا نكافح النيران بمواد قابلة للإشتعال”. (2)
يرى أمين معلوف أن الدراسات والآراء التي تتحدث عن مدى تأثير الأديان والعقائد على الأفراد والشعوب، ما هي إلا دراسات تقود إلى نظرة أحادية للواقع، مما تؤدي إلى تشويهه ، إذ يرى أن كل عقيدة أو ديانة في كل عصر تحمل بصمات عصرها وزمانها ومكانها، وإن تقييم التصرفات الناجمة عنها يتم وفقاً لقرنها ومدى قدرة المجتمع على تطوير الديانة .
عن العولمة
يذكر الكاتب أن تنامي وتطور مختلف مجالات الاتصالات وما اتفق على تسميته “بالعولمة” يجعل المجتمعات الإنسانية أقل تمايزاً، مما يدفع بالبعض أن يدافع عن التمايز ويؤكد الكاتب أن الهوية ليست ثابتة بل هي تتحوَّل مع الوقت وتحدث في السلوك البشري تغييرات عميقة، وإنْ وجدت، في كل الأوقات، تراتبية معينة بين العناصر المكوِّنة لهوية كل إنسان. أضف إلى ذلك أن الانتماءات التي تكتسب أهمية في حياة كل إنسان ليست دائماً تلك الانتماءات المهمة المعروفة التي تتعلق باللغة ولون البشرة والجنسية والطبقة الاجتماعية أو الدين. وغالباً ما تتطابق الهوية التي ينادي بها الإنسان ـ سلبياً ـ مع هوية العدو.
زمن القبائل الكوكبية
وفي إطار صراع الهويات وتحديد الإنتماء لها يقول معلوف:
“غالباً ما ينزع المرء إلى التماهي مع أكثر انتماءاته تعرضاً للتجريح، وحين لا يقوى على الدفاع عن نفسه أحياناً، يخفي هذا الإنتماء الذي يبقى متوارياً في أعماقه، قابعاً في الظل، ينتظر ساعة الانتقام. وسواءً اضطلع المرء بهذا الانتماء أم قام بإخفائه، سواءً تحفظ عن إعلانه أم جاهر به على الملأ، فهو يتماهى معه، وعندها، يسيطر هذا الانتماء المستهدف ـ اللون، الدين، اللغة، الطبقة الاجتماعية على الهوية بكاملها، ويولِّد تضامناً لدى الأشخاص الذين يتقاسمونه، فيجتمعون ويتحركون ويشجع بعضهم البعض، ويهاجمون “الفريق الآخر”. ويصبح “تأكيد الهوية” بالضرورة فعلاً شجاعاً وعملاً تحريرياً”.(3)
وعن اللغة وأهميتها كعنصر من مكونات الهوية يقول معلوف:
“مسألة اللغة الوطنية، في مقدمة التحديات التي يجب مواجهتها، كونها من أكثر عناصر الهوية منافسة للدين، فاللغة الخاصة بكل من شعوب الأرض جديرة بالحماية التامة، لأنها الانتماء الأكثر تجذراً على مر العصور ولأنها حاجة أساسية للإنسان لا يمكن أن يعيش بدونها حتى لو أمكنه أن يعيش من غير دين محدد، وكما أنها بعكس الدين عامة وليست حصرية إذ بإمكان الفرد أن يمتلك عدة لغات ولا يمكنه أن يعتنق أكثر من دين واحد ، مضيفاً: إذا كان الشخص الذي أتعلم لغته لا يحترم لغتي فالتحدث بلغته لا يكون دليلاً على الانفتاح بل ولاءً وخضوعاً”.(4)
ترويض الفهد
يشرح معلوف في الفصل الأخير من الكتاب عن الانتماء والاضطهاد وقبول الأخر بقوله: “كدت أن أضع لهذه الدراسة عنواناً مزدوجاً: الهويات القاتلة أو ما السبيل لترويض الفهد. لماذا الفهد؟ لأنه يقتل إذا ما تعرض للاضطهاد، ويقتل إذا ما سنحت له الفرصة، والأسوأ هو إطلاق سراحه بعد إصابته، ولأنه قابل للترويض تحديداً. وهذا ما كنت أريد قوله قليلاً في هذا الكتاب عن الرغبة الانتمائية، أنه لا يجب التعامل مع هذه الرغبة لا بالاضطهاد ولا بالتساهل بل مراقبتها، ودراستها بهدوء، وتفهمها، ثم ترويضها وتدجينها لو شئنا ألا يتحول العالم إلى غابة، وألا يشبه الغد أبشع صور الماضي، وألا يضطر أبناؤنا، بعد خمسين أو مائة عام، أن يشهدوا المجازر والترحيل وغيرها من أشكال “التطهير”، أن يشهدوها مثلنا عاجزين بل ويقعون أحياناً ضحاياها”.(5)
يبين الكاتب في مجمل كتابه أن ما هو مطلوب من الشعوب أن تناضل وتنخرط وتتفاعل في إثبات خصوصياتها واختلافاتها ضمن مفاهيم التنوع والغنى، وبعيداً عن التقوقع والتصادم، وأنه من الضروري حتماً طرح أسئلة معقدة مثل ” كيف نخوض الحداثة دون ان نفقد هويتنا؟ كيف نستوعب الثقافة الغربية دون التنكر لثقافتنا الخاصة ؟ كيف نكتسب مهارة الغرب دون البقاء تحت رحمته ؟ وأن كل فرد لو عرف استغلال الوسائل المذهلة التي توجد بمتناول اليد قد يؤثر تأثيراً بارزاً في معاصريه و في الأجيال القادمة ، شرط أن يكون لديه ما يقوله لهم وشرط أن يكون مبدعاً ايضاً.
وإذ يعلن الكاتب عن فخره بإنتمائه المتعدد أو ما يجده خليط من العناصر التي شكلت هويته ولا يتنكر لها ، يؤكد بأنه يجب العمل بحيث لا يشعر اي انسان بنفسه مستبعداً عن الحضارة المشتركة التي تبصر النور، وأن يجد كل انسان فيها لغته الانتمائية وبعضاً من رموز ثقافته الخاصة، وأن يتمكن كل انسان من التماهي ولو قليلاً مع ما يبرز في العالم الذي يحيط به بدلاً من الالتجاء الى ماضٍ يعتبره مثالياً.

من أكون ؟؟
قد يجد الغالبية من الناس إجابة سريعة وبسيطة يقدمون من خلالها أنفسهم ويحددون هويتهم دون الاضطرار إلى الشرح ، بل أكثر من ذلك فهم ربما لن يجدوا من يطرح عليهم هذا السؤال تحديداً ..
أما أنا وكثيرون عاشوا ظروفي سيتعلمون التعايش مع هذا السؤال فكلما تواجدت في محيط لايعرفني أجد من يسألني من أين أنتِ ؟؟
ويستغربون إجابتي حين أقول لهم: ليبية ، للهجتي المختلطة بلهجة شامية اكتسبتها من والدتي اللبنانية، ومولدي على أرض الشام، وبعضهم يرى ملامحي توحي بالعكس ، وأجد نفسي أحياناً أُعامل بعنصرية بسبب إختلاف عناصر هويتي عن المحيطين بي ، في الواقع لا أحفل كثيراً لهذه المعاملة وغالباً أجد لها المبررات وأهمها هو أن المجتمع الليبي لم يعتد التعايش مع الإختلافات في الأعراق والأديان، بل أستطيع أن أقول أن العنصرية والإقصاء شائعة في مجتمعنا الليبي.
الهوية قاتل أم مقتول
بعض أفراد المجتمع بعنصريتهم ونزعة الإقصاء المتجذرة في فكرهم وسلوكهم، وكأنهم يستخدمون الهوية سلاحاً ، ولكنني أفخر بعناصر هويتي التي تبلورت أمام عيني وصرت قادرة على تحديدها ولمن يسأل فهويتي تشمل عناصر عدة، ليبية ، سورية ، لبنانية، عربية ، مسلمة ، وأهم عنصر فيها انسانة، وهو ما أراد أن يقوله معلوف في هذا الكتاب، ولن أقبل بقتل هويتي أو قتلي بها .

هوامش:
– أقدم هذه القراءة في كتاب الهويات القاتلة للكاتب أمين معلوف كنوع من المقاربة مع ما عشته وأعيشه وقد استرشدت بمقال نشر في موقع الشيرازي عن الكتاب.
http://www.alshirazi.com/world/book/34.htm
– أما الفقرات التي تحمل الأرقم من (1 _ 5) فهي اقتباسات من الكتاب، وقد اخترت هذه الفقرات لأنها تلخص أهم ما جاء في الكتاب وتلقي الضوء على سلبيات مجتمعية نحتاج لمعالجتها

 

 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :