الإيجار يثقل كاهل الأسرالليبية في رمضان
تقرير : حواء عمر بن نزهه
تشهد مدينة سبها، كغيرها من المدن الليبية، ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف المعيشة، خاصة مع حلول شهر رمضان، حيث تتزايد احتياجات الأسر من المواد الغذائية والملابس ومستلزمات الحياة اليومية.
وبين هذه المصاريف المتراكمة، يبرز الإيجار كأحد أبرز الأعباء التي تواجه شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما أصحاب الدخل المحدود.
ومع تباين الظروف الاقتصادية بين المواطنين، تختلف كذلك تجارب المستأجرين مع ملاك العقارات خلال هذا الشهر، إذ يشير البعض إلى وجود مبادرات إنسانية من بعض الملاك، في حين يرى آخرون أن الإيجارات تستمر كما هي دون تغيير رغم الظروف المعيشية الصعبة.
تقول زينب السويدي، من سكان حي القرضة بمدينة سبها، إن الإيجارات شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً، الأمر الذي زاد من الضغوط على الأسر، خاصة مع غلاء الأسعار قبيل دخول شهر رمضان.
وتضيف أنها أم لخمسة أطفال ومتزوجة من شخص يحمل جنسية أجنبية ولا يتقاضى مرتباً من الدولة، موضحة أن زوجها يعمل في مجال الأعمال الحرة وسط ظروف معيشية صعبة. وتشير إلى أن التزامات الأسرة، بما في ذلك مصاريف دراسة أحد أبنائها في مدرسة خاصة، جعلت من تلبية احتياجات المنزل أمراً شاقاً، لافتة إلى أن ابنها الأكبر اضطر إلى التوقف عن مواصلة دراسته والتوجه إلى العمل لمساعدة الأسرة.

في المقابل، تختلف التجارب في بعض الأحياء السكنية، حيث يرى البعض أن شهر رمضان يمثل فرصة للعطاء وتقديم المساعدة للمحتاجين.
وتعبر أمينة أحمد، من سكان حي الحديد بمدينة سبها، عن امتنانها لمالك البناية الذي أعفى المستأجرين من قيمة الإيجار خلال شهر رمضان. وتقول إن هذه المبادرة أدخلت الفرحة على أسرتها، خاصة أنها لا تتقاضى مرتباً من الدولة بينما يعمل زوجها سائق سيارة أجرة، مضيفة أن إعفاءهم من الإيجار هذا الشهر مكنهم من توفير احتياجات المنزل وشراء المواد الغذائية التي كانوا يجدون صعوبة في توفيرها مع التزامات الإيجار.
من جانب آخر، تشير حليمة وديع، وهي أم لطفلتين وتنتظر مولودها الثالث، إلى أن الظروف المعيشية أصبحت أكثر صعوبة، خاصة مع تكاليف المتابعة الطبية والتحاليل اللازمة خلال فترة الحمل. وتوضح أن زوجها لم يعد قادراً على تغطية مصاريف الأطفال والعلاج، الأمر الذي ازداد تعقيداً بعد إبلاغهم بزيادة قيمة الإيجار قبيل دخول شهر رمضان.
أما سليمة إبراهيم، وهي ربة منزل لسبعـة أبناء وتقيم في أحد الأحياء البعيدة عن مركز المدينة، فتقول إن أسرتها تعيش في منزل مستأجر منذ أكثر من عشر سنوات، مشيرة إلى أنهم لم يحصلوا طوال هذه المدة على أي إعفاء من الإيجار. وتضيف أن الأسرة حاولت الشروع في بناء منزل خاص للتخلص من عبء الإيجار، إلا أن ارتفاع أسعار مواد البناء حال دون استكمال المشروع، خاصة في ظل محدودية دخل الأسرة.
وفي السياق ذاته يقول رمضان عبد الرحيم، مستأجر بمنطقة اقعيد في سبها، يقول إن الكثير من أصحاب العقارات يتعاملون مع المستأجرين من ذوي الدخل المحدود خلال المناسبات الدينية، ومنها شهر رمضان، على أنه شهر عادي كسائر أشهر السنة، دون أي استثناءات أو مراعاة للظروف المعيشية.
ويضيف أن الأسر تحاول خلال هذه الفترة تقليص بعض المصاريف الأساسية من أجل توفير قيمة الإيجار، خاصة في ظل محدودية المرتبات وارتفاع أسعار السلع الغذائية والاحتياجات اليومية. وأوضح أن مرتبه الشهري لا يتجاوز 1800 دينار، الأمر الذي يجعله مضطراً إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق داخل المنزل.
وأشار إلى أن بعض ملاك العقارات قد يتفهمون ظروف المستأجرين في حالات تأخر المرتبات، فيسمحون بتأجيل الدفع لبضعة أيام، إلا أن قيمة الإيجار تبقى التزاماً ثابتاً لا يمكن الاستغناء عنه، حتى في شهر تزداد فيه المصاريف والالتزامات الأسرية.

ومن جهة أخرى، أعرب أحد المستأجرين بمدينة سبها عن معاناته مع ارتفاع قيمة الإيجار، مشيراً إلى أن إيجار الشقة التي يقيم بها يفوق نصف مرتبه الشهري، الأمر الذي يجعله غير قادر على مجاراة متطلبات الحياة اليومية في ظل الغلاء المستمر للأسعار.
وأوضح أن شهر رمضان لا يختلف كثيراعن بقية الأشهر من حيث حجم المصاريف، بل إن الأعباء تزداد في بعض الأحيان بسبب احتياجات الأسرة خلال هذا الشهر. وأضاف أن أبناءه أصبحوا يدركون صعوبة الوضع المعيشي الذي تمر به الأسرة، ويتفهمون أحياناً عدم قدرته على تلبية بعض الطلبات، حتى فيما يتعلق بشراء ملابس العيد لهم، الأمر الذي يحزنه أحيانا رغم محاولته توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم.
كما يروي محمد الشريف، وهو أحد المستأجرين في سبها، تجربة مختلفة مع مالك المنزل الذي اعتاد في الأعوام السابقة إعفاءه من قيمة إيجار شهر رمضان. ويقول إن الأمر تغيّر هذا العام، حيث طلب المالك دفع الإيجار فور انتهاء الشهر، مبرراً ذلك بأن الإعفاء لم يكن عادة ثابتة، وربما لمروره بظروف مالية أو حاجته للمبلغ في الوقت الحالي.
وفي رأي آخر، يقول عبدالسلام المبروك، وهو موظف يسكن في شقة مستأجرة وسط المدينة، إن قيمة الإيجار تستهلك جزءاً كبيراً من دخله الشهري، ما يجعل التخطيط لمصاريف رمضان أمراً صعبا ، ويضيف أن الكثير من الأسر تضطر إلى ترتيب أولوياتها بين الغذاء ومتطلبات الأطفال والإيجار، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار.
تقول المعلمة فاطمة إنها اضطرت إلى مغادرة القرية التي كانت تعيش فيها والانتقال إلى مدينة سبها بسبب طبيعة عمل أبنائها، الأمر الذي أجبر الأسرة على استئجار مسكن في المدينة. وتوضح أنه بعد فترة من السكن، قام مالك الشقة برفع قيمة الإيجار، رغم الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها الأسرة. وتشير إلى أن أبناءها يعملون في القطاع الخاص ولا يتقاضون مرتبات ثابتة، لافتة إلى أن دخل هذا القطاع غالباً ما يكون محدوداً ولا يتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والإيجارات.
من جانبها، تصف المواطنة عائشة الإيجار بأنه معاناة مستمرة بالنسبة لها، خاصة أن أسرتها تتكون من تسعة أفراد، الأمر الذي يزيد من حجم المسؤوليات ومتطلبات الحياة اليومية. وتقول إنهم في حال تأخروا قليلاً عن دفع الإيجار يتعرضون للتهديد بضرورة إخلاء المنزل، مضيفة أن من يعيش في منزل بالإيجار لا يشعر بالراحة النفسية بسبب القلق الدائم من الالتزامات المالية.
كما تشير إلى أن الإيجارات في مدينة سبها لا تسير وفق قيمة ثابتة، إذ يتم رفعها كل فترة، أحياناً كل شهرين، وهو ما يزيد من معاناة الأسر. وفي ختام حديثها، تناشد الجهات المختصة بضرورة وضع ضوابط وقوانين تنظم سوق الإيجارات وتحدد سقفاً للأسعار بما يخفف العبء عن المواطنين.
بينما ترى فاطمة السنوسي، التي تقيم في منزل مستأجر مع أسرتها، أن المشكلة لا تتعلق فقط بقيمة الإيجار، بل بغياب بدائل سكنية مناسبة لأصحاب الدخل المحدود. وتوضح أن الكثير من العائلات تضطر للاستمرار في الإيجار لسنوات طويلة بسبب صعوبة شراء أو بناء منزل في ظل ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء.
وبدورها تقول زهرة سالم، وهي مالكة عقار بمدينة سبها، إن بعض ملاك العقارات يواجهون بدورهم التزامات مالية تجعل من الصعب إعفاء المستأجرين من الإيجار. وتشير إلى أنها بذلت جهداً كبيراً لاستكمال بناء عقارها ليكون مصدر دخل ثابت، مؤكدة أن تكاليف الحياة والصيانة والالتزامات العائلية تدفعها أحياناً إلى الالتزام بتحصيل الإيجار في مواعيده
من جهته، قال أحد ملاك العقارات بمدينة سبها فضل عدم ذكر اسمه إنه يحرص في كل عام خلال شهر رمضان المبارك وعيد الأضحى على التنازل عن قيمة الإيجار للمستأجرين، موضحاً أن هذا الأمر يأتي مراعاةً للظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها العديد من الأسر.
وأضاف أنه يفضل عدم الإفصاح عن اسمه لأن هذا العمل على حد قوله يدخل في باب الصدقة التي يرجو بها الأجر والثواب، مؤكدا أنه يحتسب ذلك صدقة جارية على أرواح والديه وأمواته، ومساعدة للأسر التي تعاني من ضغوط المعيشة.














