تقرير | منى توكا شها
لم يعد اليوم الدراسي في كثير من المدارس فضاءً متوازنًا يجمع بين التعلم والمعايشة، بل تحوّل، وفق شهادات طلاب وأولياء أمور ومختصين، إلى مسار مكثّف من الحصص النظرية المتتابعة، يغيب عنه الحد الأدنى من الأنشطة التي تمنح الطالب فرصة للحركة أو التعبير أو حتى التقاط أنفاسه.
وبين حصص تُختصر، وأخرى تُلغى، وأحيانًا تُستبدل بمواد أكاديمية، تتراجع مكانة الرياضة والموسيقا والفنون داخل المدرسة، رغم دورها المعروف في دعم الصحة النفسية وتنمية المهارات.
في هذا السياق، تتقاطع أصوات الطلاب الذين يصفون يومهم بالروتين المرهق، مع ملاحظات أولياء الأمور الذين يرون أن المدرسة فقدت توازنها، ومع تحذيرات المختصين من آثار هذا الغياب على سلوك الطلبة وقدرتهم على التعلم.

تقرير يرصد واقع حصص الترفيه في المدارس، بين النصوص الرسمية والتطبيق الفعلي، ويبحث في انعكاسات هذا الغياب على جيلٍ يدرس، دون أن يجد متنفسًا.
يقول أحمد عبدالسلام الهادي، طالب في المرحلة الثانوية:
“اليوم الدراسي أصبح بالنسبة لنا روتينًا متكررًا لا يتغير، ساعات طويلة من الشرح والجلوس دون أي نشاط يكسر هذا الجمود.
في بعض الأحيان نشعر بإرهاق ذهني حقيقي، لأننا ننتقل من حصة إلى أخرى دون فرصة لالتقاط أنفاسنا أو تجديد طاقتنا.
هذا الأمر لا يؤثر فقط على تركيزنا، بل حتى على رغبتنا في التعلم. ألاحظ أن كثيرًا من الطلاب أصبحوا أقل تفاعلًا داخل الفصل، وبعضهم يفقد الاهتمام تدريجيًا.
في السابق، كانت حصص الرياضة في مراحل دراسية سابقة حتى لو بسيطة، تمنحنا نوعًا من التوازن، كنا نتحرك ونفرغ طاقتنا، ثم نعود للفصل أكثر نشاطًا وقدرة على الفهم. الآن، مع شبه غياب هذه الأنشطة وتقليصها، أصبح اليوم الدراسي ثقيلاً، وكأن المدرسة فقدت جانبًا مهمًا كان يجعلنا نشعر بالحماس. أعتقد أن الطالب لا يمكن أن يستوعب كل هذا الكم من المعلومات دون وجود فواصل حقيقية تساعده على الاستمرار.”
وتقول آية (رفضت ذكر اسمها الكامل )، طالبة في المرحلة الاعدادية: حصص الرياضة موجودة في الجدول، لكن في الواقع لا نمارس أي نشاط فعلي. نخرج أحيانًا إلى الساحة ثم نعود دون تدريب أو تمارين حقيقية، وكأن الحصة مجرد وقت فراغ وليست حصة لها هدف. هذا يجعلنا نشعر أن وجودها شكلي فقط. لا أعرف السبب تحديدًا، لكن أحيانًا أشعر أنه ربما لأننا مدرسة بنات، لا يتم التعامل مع الرياضة على أنها حق مهم لنا، أو لا يُنظر إليها بنفس الجدية.

لم نمارس الرياضة فعليًا في أي حصة تربية بدنية، وهذا أمر محبط، لأننا نحتاج إلى الحركة مثل أي طلاب. الجلوس طوال اليوم داخل الفصل يجعلنا نشعر بالملل والتعب، وأحيانًا نفقد التركيز. أيضًا، لا توجد أنشطة أخرى مثل الرسم أو الموسيقا تساعدنا على التعبير عن أنفسنا، وهذا يجعل المدرسة مكانًا للدراسة فقط، وليس بيئة نكتشف فيها مواهبنا.
أشعر أن وجود أنشطة حقيقية يمكن أن يغير الكثير، ليس فقط من ناحية الترفيه، بل أيضًا في تحسين نفسيتنا وثقتنا بأنفسنا. نحن لا نطلب شيئًا كبيرًا، فقط أن نحصل على حقنا في أن نتحرك ونجرب ونكتشف أنفسنا داخل المدرسة.”
تقول سارة علي، طالبة في المرحلة الإعدادية:“حصة الرسم لم تعد كما كانت، أصبحت في أغلب الوقت حصة بالاسم فقط. نقضي الحصة في الحديث، وأحيانًا طوال العام لا ننجز سوى رسمة واحدة فقط، وهذا شيء محبط جدًا. كنا نتمنى أن تكون هذه الحصة فرصة لنعبّر فيها عن أنفسنا ونستمتع، لكنها فقدت هذا الدور تمامًا.
في كثير من الأحيان، تُؤخذ حصة الرسم لصالح مواد أخرى، وكأنها مادة غير مهمة، وهذا يجعلنا نشعر أن لا أحد يهتم بها أو بقيمتها. نحن نحب الرسم وننتظر هذه الحصة، لكنها غالبًا تمر دون أن نستفيد منها أو نمارس أي نشاط حقيقي.
أشعر أن هذه الحصة كان يمكن أن تكون من أجمل الحصص، لأنها تعطينا مساحة للإبداع والراحة، لكن الواقع مختلف. غياب التطبيق جعلها مملة، وفقدت معناها، رغم أنها من أكثر المواد التي يمكن أن تساعدنا على التعبير عن أنفسنا واكتشاف مواهبنا.”
تؤكد سمية إبراهيم، ولية أمر، أن غياب حصص الترفيه داخل المدارس بات ينعكس بشكل واضح على الحالة النفسية لأبنائها، مشيرة إلى أنهم أصبحوا أكثر عرضة للملل والتوتر، بعد أن فقد يومهم الدراسي عنصر الحماس الذي كانت تضيفه الأنشطة كالرّياضة و الموسيقا . وتوضح أن المدرسة تحولت، بالنسبة لهم، إلى عبء نفسي في ظل غياب أي متنفس يتيح لهم تفريغ طاقاتهم.
وتضيف أن أبناءها يصفون يومهم الدراسي بالروتيني والممل، حيث يقتصر على الدروس والواجبات دون فواصل حقيقية للراحة أو الترفيه، ما يجعلهم يشعرون وكأنهم في ضغط مستمر، وهو ما أثر على دافعيتهم للتعلم، بل وحتى على رغبتهم في الذهاب إلى المدرسة.
وترى سمية أن المدرسة لا تؤدي دورها بشكل متكامل، إذ يتركز اهتمامها على الجانب الأكاديمي فقط، متجاهلة احتياجات الطالب النفسية والإبداعية. وتؤكد أن الطفل لا يحتاج إلى التلقين فقط، بل إلى بيئة متوازنة تتيح له الحركة والتعبير عن نفسه وتنمية مواهبه.

وفيما يتعلق بمحاولات تعويض هذا النقص، تشير إلى أنها تسعى لذلك قدر الإمكان، إلا أن ضعف توفر الأندية والأنشطة، إلى جانب تحديات الوقت والتكلفة، يجعل الأمر صعبًا، خاصة في ظل غياب بيئات مناسبة وآمنة.
وتختتم بالقول إن حصص الترفيه ليست ترفًا، بل ضرورة أساسية للحفاظ على الصحة النفسية للطلاب، وتنمية مهاراتهم وثقتهم بأنفسهم، محذّرة من أن غيابها يؤدي إلى تراجع الإبداع واندثار المواهب، مؤكدة أن إدماج الأنشطة كالرّياضة والموسيقا يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين سلوك الطلاب ورفع مستواهم الدراسي.
يستحضر محمد السنوسي، ولي أمر، صورة مختلفة للمدرسة كما كانت في السابق، مشيرًا إلى أن الأنشطة الترفيهية كانت جزءًا أصيلًا من الحياة الدراسية، حيث كانت حصص الموسيقا والرياضة والفنون تُنفذ بانتظام، إلى جانب فعاليات أسبوعية تمنح الطلاب مساحة للتعبير عن أنفسهم واكتشاف مواهبهم. ويؤكد أن هذا الواقع تغيّر بشكل ملحوظ اليوم، لدرجة أن حتى حصص الرسم لم تعد تُمارس كمساحة للإبداع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى وقت نظري خالٍ من الممارسة.
ويرى السنوسي أن هذا التحول أفقد المدرسة أحد أهم أدوارها، وهو تنمية شخصية الطالب بشكل متكامل، وليس فقط تلقينه المعرفة الأكاديمية.
ويشير إلى أنه يحاول، قدر الإمكان، تعويض هذا النقص من خلال إلحاق أطفاله بأنشطة خارجية، مثل النوادي الرياضية والفعاليات الصيفية، بهدف مساعدتهم على اكتشاف ذواتهم وتنمية مهاراتهم، مؤكدًا أن هذه التجارب تُحدث فارقًا واضحًا في ثقتهم بأنفسهم وتفاعلهم مع محيطهم.
ويضيف أن ما يحدث محليًا يتناقض مع توجهات الأنظمة التعليمية في الدول المتقدمة، التي لا تزال تستثمر بشكل كبير في الأنشطة الترفيهية والفنية، انطلاقًا من إدراكها لدورها في صناعة المواهب وصقل القدرات، سواء في الرياضة أو الموسيقا أو الفنون. ويشدد على أن هذه الدول لا تنظر إلى هذه الحصص كترف، بل كمسار حقيقي لإعداد أبطال أولمبيين، ورياضيين محترفين، ومبدعين في مختلف المجالات.
ويختتم بالقول إن إهمال هذه الجوانب داخل المدرسة لا يعني فقط خسارة أنشطة، بل خسارة فرص حقيقية لاكتشاف جيل كامل من المواهب التي كان يمكن أن تُحدث فرقًا، لو وجدت البيئة الداعمة التي تحتضنها منذ الصغر.
أما أم بكر، ولية أمر، تقول إن غياب حصص الترفيه داخل المدرسة ينعكس على نفسية أبنائها، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالملل في كثير من الأحيان، خاصة في ظل غياب الأنشطة التي تكسر روتين اليوم الدراسي. وتوضح أن أبناءها يشتكون من تكرار نفس النمط اليومي القائم على الدروس فقط، دون وجود مساحات للراحة أو الترفيه، ما يعزز شعورهم بالروتين.

وترى أن المدرسة تركّز بشكل أساسي على الجانب الأكاديمي، دون أن تولي اهتمامًا كافيًا للأنشطة الترفيهية التي تساهم في تحقيق توازن نفسي وسلوكي لدى الطلاب.
كما تشير إلى أنها لا تتمكن من تعويض هذا النقص خارج المدرسة، دون أن تخوض في تفاصيل إضافية حول الأسباب.
وتختتم بالقول إن وجود حصص ترفيه داخل المدرسة من شأنه أن يعزز تركيز الطلاب، ويساهم في تنمية مهاراتهم وزيادة نشاطهم، إلى جانب تأثيره الإيجابي على حالتهم النفسية، مؤكدة أن هذه الأنشطة عنصر مهم في تحسين أداء الطالب داخل البيئة التعليمية.
من جهتها تؤكد شرادة فرج معلمة تربية بدنية أن مدرستها تلتزم بتنفيذ حصص التربية البدنية، حيث يتم إدراجها ضمن الجدول الدراسي وإعطاؤها أولوية من حيث التوقيت، إذ غالبًا ما تُخصص لها الحصص الأولى أو الثانية، بما يتيح للطلاب الاستفادة منها في أوقات يكون فيها مستوى النشاط والتركيز أعلى. وتشير إلى أن الحصة تُقدَّم وفق منهج دراسي معتمد، شأنها شأن بقية المواد، كما تخضع للمتابعة من قبل المفتشين التربويين الذين يقيّمون أداء المعلمين ومدى التزامهم بالخطة، إضافة إلى مستوى تفاعل الطلاب.
في المقابل، تلفت فرج إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ضعف الإمكانيات، موضحة أن المدرسة لا تضم سوى ملعب واحد غير مكتمل تُجرى عليه جميع الأنشطة، مع غياب تام لقاعات مخصصة مثل صالات الجمباز أو التمارين. وتضيف أن النقص لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل أيضًا الأدوات الأساسية، إذ تفتقر المدرسة إلى الكرات والأجهزة والمراتب، وهو ما يحدّ من إمكانية تنفيذ الحصص بالشكل المطلوب.
وتوضح أنها تحاول قدر الإمكان ، تعويض هذا النقص عبر استخدام أدوات بديلة خلال الحصص، إلا أن محدودية الموارد تجعل هذه المحاولات غير كافية، مؤكدة في الوقت ذاته أنها تحرص على عدم تحميل الطلاب أي أعباء إضافية في ظل هذه الظروف.
في بعض المدارس، التربية الفنية غائبة تمامًا لسنوات بسبب نقص المعلمين.
تؤكد مبروكة زايد، رئيسة وحدات التربية الفنية بمكتب التفتيش التربوي سبها، أن حصص التربية الفنية لا تزال مدرجة ضمن الخطة الدراسية، إلا أنها شهدت تراجعًا ملحوظًا من حيث الزمن المخصص لها، إذ تقلصت إلى حصة واحدة أسبوعيًا في مختلف المراحل من التعليم الأساسي حتى الإعدادي، وهو ما تعتبره غير كافٍ لتحقيق الأهداف التربوية للمادة.

وتوضح أن فريق التفتيش يشرف على عدد كبير من المدارس، يبلغ نحو 47 مدرسة عامة و24 خاصة، إلى جانب ما يقارب 147 معلمًا ومعلمة، إلا أن تنفيذ حصص التربية الفنية على أرض الواقع لا يتم بشكل منتظم في جميع المؤسسات، مشيرة إلى أن بعض المدارس تفتقر أصلًا إلى معلمين متخصصين، ما يؤدي إلى غياب المادة بالكامل عن بعض الطلاب لسنوات.
وتلفت زايد إلى أن الحصة الواحدة لا تكفي لتقديم الدرس النظري والتطبيق العملي معًا، ما يضع المعلم أمام ضغط زمني كبير، ويحد من قدرة الطالب على التعلم والتجريب. وتضيف أن واقع التدريس يشهد تفاوتًا، حيث توجد حالات من ضعف الاهتمام بالمادة، سواء من بعض المعلمين أو إدارات المدارس، ما يؤدي أحيانًا إلى استبدال حصص التربية الفنية بمواد أخرى أو إهمالها بالكامل.
وفيما يتعلق بطبيعة الحصص، تشير إلى أن كثيرًا من المدارس تميل إلى تقديم الجانب النظري على حساب التطبيق، رغم أن المنهج يعتمد على التوازن بينهما، مرجعة ذلك إلى نقص الإمكانيات، خاصة غياب القاعات المخصصة والمواد والخامات اللازمة لتنفيذ الأعمال الفنية.
وتبرز زايد أن من أبرز التحديات التي تواجه هذا التخصص نقص الأدوات، وعدم توفر بيئة مناسبة للعمل الفني داخل المدارس، إلى جانب محدودية الدورات التدريبية الحديثة للمعلمين. كما تشير إلى ضعف المتابعة الفعلية في بعض الحالات، حيث لا يتم الالتزام بالتوجيهات المتعلقة بتفعيل حصص النشاط.

وتحذر من أن غياب التربية الفنية لا يؤثر فقط على التحصيل، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب، إذ تسهم هذه المادة في تنمية الحس الإبداعي والقدرة على التعبير، فضلًا عن ارتباطها بعدد من المواد الدراسية الأخرى، مثل الهندسة والجغرافيا وحتى التربية الدينية.
كما تؤكد وجود تراجع في اكتشاف المواهب الفنية مقارنة بالسابق، مرجعة ذلك إلى ضعف الاهتمام المجتمعي بالمادة، وقلة الإقبال على الفعاليات والمعارض الفنية، إلى جانب بعض التصورات الخاطئة حول أهمية الفن.
وترى أن الخلل لا يقتصر على مستوى المدرسة فقط، بل يرتبط أيضًا بالسياسات التعليمية، مشيرة إلى وجود قصور في توزيع المناهج أحيانًا، حيث تبقى بعض الكتب والمواد الخاصة بالنشاط داخل المخازن دون أن تصل إلى المدارس.
وتختتم بالتأكيد على أن حصص النشاط، بما فيها التربية الفنية والرياضة، تلعب دورًا أساسيًا في تفريغ طاقة الطلاب وتقليل السلوكيات السلبية داخل المدارس، موضحة أن غيابها يؤدي إلى تراكم الضغط الدراسي، ما ينعكس في ضعف التركيز وظهور مشكلات سلوكية. وتشدد على أن تفعيل هذه الحصص بشكل حقيقي من شأنه أن يحسن من البيئة التعليمية ويعزز قدرة الطلاب على التعلم بشكل أفضل.
في مقابل الشهادات التي ترصد تراجع الأنشطة الترفيهية من داخل الفصول، يبرز رأي المسؤولين عن النشاط المدرسي ليكشف جانبًا آخر من الصورة، يتعلق بالتخطيط والتنفيذ والتحديات التي تواجه تفعيل هذه الحصص على أرض الواقع. ومن داخل مكتب النشاط المدرسي، توضح حواء أحمد المجبري، رئيسة وحدة الفنون التشكيلية، أن المشكلة لا تكمن في غياب الأنشطة عن الخطط الرسمية، بقدر ما ترتبط بضعف تفعيلها داخل المدارس، في ظل ضغوط المنهج ونقص الإمكانيات، إلى جانب نظرة مجتمعية لا تزال تقلل من أهمية هذه الجوانب في العملية التعليمية.
إذ تؤكد حواء المجبري، رئيسة وحدة الفنون التشكيلية بمكتب النشاط المدرسي، أن الأنشطة الفنية مدرجة رسميًا ضمن الخطة العامة التي تصدر سنويًا عن الإدارة العامة للنشاط المدرسي بوزارة التربية والتعليم، إلا أن التفعيل على أرض الواقع يواجه تحديات متعددة، أبرزها تقصير بعض إدارات المدارس التي تضع التحصيل العلمي في مقدمة أولوياتها على حساب الأنشطة.

وتوضح أن من أبرز الصعوبات التي تعيق تنفيذ الأنشطة نقص الميزانيات المخصصة لها وتأخر صرفها، إلى جانب كثافة المناهج الدراسية وازدحام اليوم الدراسي بالحصص، فضلًا عن تكليف معلمي النشاط بحصص أكاديمية إضافية تقلل من تفرغهم لمهامهم الأساسية. كما تشير إلى أن النظرة المجتمعية التقليدية، التي تركز على التحصيل المعرفي وتهمل تنمية المهارات، تمثل عائقًا آخر، خاصة في ظل اكتظاظ الفصول بأعداد كبيرة من الطلاب، ما يصعّب تنفيذ الأنشطة داخل الصفوف.
وترى المجبري أن النشاط المدرسي يمثل ركيزة أساسية في العملية التعليمية، وليس مجرد وسيلة ترفيه، بل عنصرا مكملا للمنهج، يسهم في تنمية مهارات القيادة والتعاون، ويحول البيئة المدرسية إلى بيئة محفزة وجاذبة للطلاب. وتشير إلى وجود عدد من المبادرات، مثل إقامة المعارض السنوية والفصلية، وتنظيم دوريات كرة القدم، والمسابقات المنهجية على مستوى المدارس والبلديات.
وتلفت إلى أن غياب الأنشطة ينعكس سلبًا على الطالب، من خلال تراجع رغبته في الحضور إلى المدرسة، وضعف تفاعله داخل الفصل، وانخفاض مستوى التركيز والتحصيل الدراسي. كما يظهر ذلك في سلوكيات مثل الملل والمشاغبة، وصولًا إلى الهروب من الحصص والغياب المتكرر.
وتحمّل المجبري إدارات المدارس جزءًا كبيرًا من المسؤولية، إلى جانب الثقافة الأسرية والإدارية التي تعطي أولوية للدرجات العلمية على حساب النشاط. وتشير إلى أنه تم هذا العام تفعيل دور منسق النشاط داخل المدارس، بهدف معالجة ضعف المشاركة في الفعاليات، مؤكدة أنه اعتبارًا من العام المقبل سيتم إلزام المؤسسات التعليمية بالمشاركة في الأنشطة، مع اتخاذ إجراءات مساءلة بحق المقصرين.

وتختم بالإشارة إلى ضعف التفاعل الحالي، موضحة أنه من بين 67 مدرسة، لم تشارك في مسابقة الرسم سوى 21 مدرسة فقط، في مؤشر واضح على حجم التقاعس، مقارنة بارتفاع المشاركة في المسابقات المنهجية والدينية، ما يعكس استمرار تهميش الأنشطة الفنية داخل البيئة التعليمية.
وفي محاولة للحصول على رد رسمي من الجهات المسؤولة عن ملف النشاط المدرسي، تواصلت معدّة التقرير مع إدارة مكتب النشاط المدرسي، للوقوف على موقفها من التحديات المطروحة، ومدى تفعيل حصص الترفيه داخل المدارس. حاولت معدّة التقرير التواصل مع أنور النمار، مدير مكتب النشاط المدرسي بمراقبة التربية والتعليم سبها، للحصول على رد رسمي حول واقع الأنشطة المدرسية، إلا أنه لم يقدّم أي تصريح حتى وقت إعداد هذا التقرير، رغم تكرار محاولات التواصل.
تؤكد تودد الأخضر، طالبة ماجستير في علم النفس، أن غياب الأنشطة الترفيهية داخل المدارس ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للطلبة، موضحة أن الاعتماد الكامل على الحصص الدراسية التقليدية، القائمة على القراءة والكتابة والبقاء لساعات طويلة في وضعية جلوس، يخلق حالة من الجمود والروتين، ويؤدي إلى شعور متزايد بالملل والقلق.
وتوضح أن إدراج أنشطة مثل الرياضة أو الموسيقا، حتى لو كانت مرة واحدة في الأسبوع، كفيل برفع مستوى الحماس والطاقة لدى الطلبة، خاصة في المراحل العمرية المبكرة التي تحتاج بطبيعتها إلى الحركة والتفاعل. وتشير إلى أن هذه الأنشطة لا تُعد ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في دعم الصحة النفسية.

وتضيف أن الأنشطة الترفيهية تساهم في تنشيط الدماغ وتخفيف التوتر، ما يساعد الطالب على تحسين التركيز والانتباه والفهم، محذّرة من أن غيابها يؤدي إلى تراجع الدافعية للتعلم، وضعف القدرة على التركيز، واختلال التوازن بين الدراسة والراحة، وهو ما ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي.
كما تلفت إلى أن غياب هذه المساحات التعبيرية يؤثر على بناء شخصية الطالب، إذ يفقد وسيلة مهمة للتعبير عن مشاعره وأفكاره، ما قد يظهر في شكل انخفاض الثقة بالنفس، أو الميل إلى الخجل والانطواء، إضافة إلى صعوبات في التواصل مع الآخرين.
وتختم بالقول إن الأنشطة الترفيهية تمثل وسيلة دعم نفسي ضرورية، كونها توفر متنفسًا للتفريغ وتخفف من الضغوط اليومية، محذّرة من أن غيابها قد يؤدي إلى زيادة مستويات التوتر والقلق، وظهور سلوكيات عدوانية أو انسحابية، فضلًا عن ضعف التكيف النفسي والاجتماعي لدى الطلبة.
تؤكد عائشة بن يحمد، رئيسة قسم الخدمة الاجتماعية بمراقبة التربية والتعليم ببلدية سبها، أن المدرسة تمثل بيئة مختلفة تمامًا عن الأسرة، حيث يقوم التعلم داخل المنزل على العفوية والتقليد والملاحظة دون قيود زمنية صارمة، بينما يعتمد التعليم المدرسي غالبًا على التلقين المباشر وحشو المعلومات، دون مراعاة كافية للفروق الفردية أو استعداد الطفل النفسي لتلقي المعرفة.
وتوضح أن هذا النمط التقليدي في التعليم، المصحوب بالقواعد واللوائح الصارمة، قد ينعكس سلبًا على نفسية الطالب، مسببًا التوتر والقلق، خاصة في ظل غياب مساحات الترفيه. وتشدد على ضرورة استثمار حصص النشاط والدفاع عنها، لما لها من دور محوري في دعم الصحة النفسية والعقلية للطلاب، وتعزيز تفاعلهم داخل الفصل، بما ينعكس إيجابًا على نتائجهم الدراسية.
وتشير بن يحمد إلى أن المؤسسات التعليمية، كما توفر قاعات للامتحانات، يفترض أن توفر أيضًا مساحات مخصصة للرياضة والأنشطة المدرسية، تُمكّن الطلاب من تفريغ الضغوط النفسية الناتجة عن أساليب التدريس التقليدية القائمة على التلقين المستمر دون فواصل كافية لراحة الذهن.
وتضيف أنها، من موقعها الإشرافي، دأبت على توجيه الأخصائيات والمرشدات داخل مدارس سبها إلى استغلال الحصص الشاغرة وتنظيم أنشطة ترويحية وجلسات تفريغ نفسي للطلاب، وفق الإمكانيات المتاحة، مشيرة إلى أن هذه الجهود ساهمت في احتواء عدد من الحالات وتحسين سلوك الطلبة. إلا أنها تلفت إلى استمرار وجود حالات تحتاج إلى مزيد من الاحتواء، في ظل تزايد مظاهر مثل العنف المدرسي، التنمر، والانطواء.

وترى أن هذه السلوكيات تعكس في كثير من الأحيان حالة نفور من البيئة المدرسية، حيث يأتي بعض الطلاب بدافع الإلزام لا الرغبة، ما يضعف استفادتهم من العملية التعليمية.
وتؤكد أن غياب المتنفس النفسي يحد من قدرة الطالب على استيعاب المعلومات وتنظيمها ذهنيًا.
وتختتم بالقول إن بناء جيل متعلم ومتوازن يتطلب توفير بيئة مدرسية جاذبة، تراعي مختلف احتياجات الطالب، بما في ذلك الأنشطة الترفيهية. كما تدعو وزارة التعليم إلى إصدار توجيهات واضحة تضمن حق الطلاب في هذه الحصص، محذّرة من أن إهمال هذا الجانب قد يؤدي إلى تفاقم مشكلات نفسية وسلوكية، ويؤثر سلبًا على جودة مخرجات التعليم، مؤكدة أن الصحة النفسية لا تعني فقط غياب المرض، بل تشمل رفاهية الطالب وقدرته على التعلم بنشاط وتفاعل.
ختامًا: تكشف الشهادات المتقاطعة، من داخل الفصول وخارجها، أن غياب الأنشطة الترفيهية لم يعد تفصيلًا هامشيًا في العملية التعليمية، بل تحوّل إلى عامل مؤثر في نفسية الطالب وسلوكه وأدائه. فبين طالب يفقد حماسه، وآخر لا يجد مساحة للتعبير، وأولياء أمور يحاولون التعويض خارج المدرسة دون جدوى، تتضح فجوة متنامية بين ما يفترض أن تكون عليه البيئة التعليمية، وما هي عليه فعليًا.
ورغم إدراج هذه الحصص ضمن الخطط الدراسية، إلا أن التحديات المرتبطة بالإمكانيات، والمتابعة، وأحيانًا النظرة المجتمعية، لا تزال تعيق تفعيلها بشكل حقيقي. وبين تحذيرات المختصين ودعوات المسؤولين لإعادة الاعتبار لهذه الأنشطة، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للمدرسة أن تُخرّج جيلًا متوازنًا ومبدعًا، في ظل بيئة تعليمية تفتقر إلى أبسط مقومات التوازن؟
في المحصلة، لا يبدو أن المطالبة بحصص الرياضة والموسيقا والفنون ترفًا، بقدر ما هي مطالبة بإعادة تعريف دور المدرسة كمساحة لبناء الإنسان، لا مجرد حشوٍ للمعلومات.














