أكدت الناشطة والباحثة في الشأن المحلي والإقليمي وحق تقرير المصير الدكتورة “انتصار القليب” :
أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية في ليبيا تتطلب مقاربة وطنية شاملة تقوم على تأمين الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم الوجود الأجنبي، وتنفيذ إجراءات الترحيل وفقاً للقانون، بالتوازي مع تعزيز التعاون الدولي لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة. وشددت على أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهيناً بتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يضمن إدارة فعالة ومستدامة لهذا الملف الحساس.
وقالت القليب إنها تابعت باهتمام ما جرى تداوله خلال الفترة الأخيرة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن ملفي الهجرة واللجوء، وما صاحب ذلك من تصريحات تتحدث عن أعداد ضخمة للمهاجرين أو عن اجتماعات وتقارير ووثائق قيل إنها تتضمن ترتيبات أو تصورات تتعلق بمستقبل هذا الملف داخل ليبيا.
وأشارت إلى ما أثير بشأن اجتماع نُسب إلى تونس، وما تردد حوله من أرقام تتحدث عن خطط «توطين» سبعة ملايين شخص، إضافة إلى الإشارة إلى منطقة تاورغاء (غرب) باعتبارها إحدى المناطق المستهدفة وفق بعض التصريحات المتداولة، معتبرة أن مثل هذه المزاعم تستوجب توضيحاً رسمياً وعاجلاً من الجهات المعنية أو من مروجي هذه المعلومات بشأن مصدرها وأساسها القانوني والوقائعي.
كما دعت إلى التحقق من صحة ما تم تداوله حول وجود تقارير منسوبة إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تتحدث عن إدماج 850 ألف شخص داخل ليبيا، وكذلك الأرقام المتداولة بشأن العمالة الأجنبية، والتي قيل إنها صادرة عن جهات رسمية. وأكدت أن أي معلومات من هذا النوع ينبغي أن تكون مدعومة بوثائق رسمية منشورة ومتاحة للرأي العام والجهات المختصة للتحقق منها بصورة مستقلة وشفافة.
وطالبت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بتوضيح موقفها الرسمي من الأرقام والتصريحات المتداولة، وبيان حدود اختصاصها القانوني وطبيعة عملها داخل ليبيا، بما يضمن إزالة أي لبس أو تضارب في المعلومات المتعلقة بهذا الملف.
وفي سياق متصل، أكدت القليب أنها تابعت ما جرى تداوله بشأن تعاون منظمة العمل الدولية مع بعض المؤسسات الليبية، وما أثير حول وجود توجهات للتأثير في التشريعات الوطنية، مشددة على أن أي حديث عن امتلاك المنظمة صلاحية تعديل القوانين الليبية أو فرض تشريعات داخل البلاد لا يستند إلى أساس قانوني. وأوضحت أن منظمة العمل الدولية تؤدي دوراً فنياً واستشارياً، بينما تبقى سلطة التشريع اختصاصاً حصرياً للسلطات الليبية المختصة وفقاً للقانون.
وشددت على أن أي أرقام أو معلومات أو وثائق يجري تداولها في هذا السياق لا يمكن اعتمادها قانونياً أو سياسياً ما لم تُنشر بصورة رسمية وتُعرض كاملة أمام الرأي العام، بما يسمح بالتحقق من صحتها وسياقها ومصدرها.
ودعت القليب إلى:
• الإفصاح الرسمي عن تفاصيل أي اجتماعات إقليمية أو دولية تتعلق بملف الهجرة في ليبيا، بما يشمل الجهات المشاركة وأجندة النقاش ونتائجه.
• نشر أي وثائق أو تقارير رسمية تتضمن الأرقام المتداولة بشأن أعداد المهاجرين أو اللاجئين.
• توضيح الأساس الذي استندت إليه الأرقام المنسوبة إلى جهات رسمية أو دولية.
• الكشف عن أي وثائق يُستند إليها في النقاشات العامة حول إعادة التوطين أو تنظيم أوضاع المهاجرين داخل ليبيا.
• توضيح أي إشارات تتعلق بمناطق ليبية بعينها، ومن بينها تاورغاء، في سياق مشروعات أو مقترحات مرتبطة بالهجرة.
وفيما يتعلق بالتعاون الليبي – الإيطالي في ملف الهجرة، أكدت القليب رفضها لأي سياسات قد تفضي إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا، كما رفضت في الوقت نفسه تحويل البلاد إلى منطقة احتجاز أو حراسة حدود بالوكالة عن أوروبا. وأشارت إلى أن أي إجراءات لاعتراض أو إعادة المهاجرين ينبغي أن تتم في إطار قانوني واضح يراعي الالتزامات الإنسانية والمعايير الدولية ذات الصلة.
وأضافت أن ليبيا تعتمد حالياً على القانون رقم 19 لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، كما أنها ليست طرفاً في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين ولا في بروتوكولها لعام 1967، الأمر الذي يجعل دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين داخل البلاد ذا طبيعة إنسانية وتشغيلية أكثر منه دوراً تشريعياً أو سيادياً.
ورأت أن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه هذا الملف تتمثل في غياب جهة وطنية موحدة تتولى إدارته بصورة شاملة، معتبرة أن توحيد مؤسسات الدولة والقرار الوطني يمثل المدخل الأساسي لبناء سياسة هجرة متماسكة تحفظ المصالح الوطنية وتحترم سيادة الدولة.
كما دعت إلى الإسراع في إعداد إطار قانوني وطني شامل للهجرة والأجانب عبر السلطة التشريعية، ينظم دخول الأجانب وإقامتهم وأوضاعهم القانونية، ويعالج أوجه القصور والفراغ التشريعي القائم، مع الفصل الواضح بين الهجرة غير النظامية والإقامة والعمل المنظمين وفق القانون.
وأكدت القليب أن ملف الهجرة لم يعد مجرد قضية إدارية أو أمنية، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس الأمن القومي والسيادة الوطنية والتركيبة السكانية والاستقرار الاجتماعي، ما يستوجب التعامل معه بأقصى درجات الشفافية والمسؤولية، بعيداً عن التهويل الإعلامي أو تداول أرقام ومعلومات غير موثقة.
وختمت بالتأكيد على أن المطالب الأساسية لليبيين في هذا الملف تتمثل في حماية الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم الوجود الأجنبي وفق القانون، ورفض أي مشاريع للتوطين، مع العمل على توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والتنفيذية بما يضمن إدارة وطنية وقانونية متوازنة لملف الهجرة، تحقق مصلحة ليبيا وتحافظ على سيادتها واستقرارها.














