مقتطف من رواية
كرزاز… ترنموتة الرمل
……………………..

في الداخل، كانت يما الزهراء وخالتي الحاجة تتحدثان بلغةٍ مشحونة بالحرص. خالتي، بروحها الكرزازية الواثقة، ترى الأرض “محفوظة بشيوخها”، أما يما الزهراء -التي سكنت بني عباس وعرفت تقلص النوايا- فكانت تخشى على “العزبة” التي تمشي وحدها في وقتٍ صار فيه “العجب يسابق عجبو“.
رَمزة و”لغز الكرموس“
لم أطق صبراً على تلك الألغاز التي تحاصرني في كل ركن. سألتُ يما الزهراء بصدقٍ أربك ضحكاتهما هي وخالتي الحاجة:
“يما.. هاديك أم العيد كانت تقلب فينا وتقول: الكرموس بدا يطيب.. علاش واش إحنا كرموس؟“
انفجرت الضحكات في الغرفة، ضحكاتٌ تحملُ في طياتها “سرَّ النساء” الذي لا يُقال للبنات دفعة واحدة. نظرت إليّ يما الزهراء بنظرةٍ فيها الكثير من الحنان والقليل من الحيرة، وقالت وهي تمسح على شعري:
“كي نرجعوا لبني عباس.. نفهمك“.
رَمزة.. الثمرة التي نضجت قبل أوانها
“في كرزاز، لم يعد الهواء كما كان. صار ثقيلاً بالرموز التي لا أفهمها. وقفتُ أمام المرآة في بيت جدي، أتأملُ وجهي الذي لم يعد يشبه وجه تلك الطفلة التي كانت تعلقُ الأشكال الملونة في شعرها.
تذكرتُ قفزتي في ‘لاماغين’؛ هل وضعتُ قدمي على ‘الخط’ دون أن أشعر فخرجتُ من اللعبة؟ أم أنَّ اللعبة نفسها انتهت ولم يعد يحق لي الاستراحة في الخانة الرابعة؟
(الكرموس بدأ يطيب).. جملة أم العيد كانت تلاحقني كدندنة النحل حول العراجين. شعرتُ أنَّ يما الزهراء تخبئ لي في بني عباس حديثاً طويلاً، حديثاً سيغير طعم ‘المطلوع’ ورائحة ‘المرمة’ في يدي.
كنتُ أسمعُ خالتي الحاجة تقول عن كرزاز إنها ‘محفوظة’، وشعرتُ في تلك اللحظة أنني أنا ‘المخطوط’ الذي تخشى عليه يما الزهراء من الريح، وأنَّ ‘تخوفها’ ليس قلة إيمان، بل هو ‘صيانة’ لثمرة بدأت تنضج تحت شمس الساورة الحارقة.
نمتُ تلك الليلة وأنا أحلم بخانات ‘لا ماغين’ تتحول إلى دروبٍ طويلة، وبصوت والدي دحان يناديني من بعيد: (يا رَمزة.. احذري الخطوط، واصلي القفز نحو اليقين)“.
….الخ














