- الأمجد بن أحمد إيلاهي
ركبت السيارة هاربًا من حرارة الشمس وقد مرّت الظهيرة كاملة على جسدي بعد أن نمتُ على كثيب التراب ولو كنت في غير أرضنا لهلكتُ. الترابُ يعرف أطرافي وكل مسامات جسدي، والشمس رفيقة طفولتي التي أطاردها ولا أمسك منها سوى الظلال.
لاح لي بيتُنا، وقد اكتسته الصّفرة بدل بياضهِ المعهود. لم يعد له من حبيب يتفقده منذ رحل صاحبهُ عنه. تكسّرت الأبوابُ الزرقاء والشبابيك، غالبتُ روحي طويلا حتى وصلتُ، رغم أنها ترجّتني أن أعود. كانت الساحة مغطاة بالكامل بحشائش متوحشة، احتلت كامل صحن الدّار. مشيت خطوات باتجاه الزيتونة الكبيرة، وحدها من دون الأشجار بقيت تقاوم. جلستُ على التراب عند ظلّ الشجرة المباركة واسندت ظهري إلى جذعها فسرى في عروقي حزنها وعاتبني، فمددت يدي نحو غُصين يتدلى ومسحت عليه بكفي وشممتها، فإذا هي رائحة عمر كامل تسري في جسدي الهزيل.
رفعت بصري نحو الدّار و غبتُ في سراديب الماضي الذي طالما لعنته حين كان حاضرا.
هنا شجرة التفاح وحولها سياج الحجارة يحميها من هجمات الخرفان، داخل السياج هناك نباتات النعناع الأخضر والحبق ونبتة شيح وطالما حفرت تحتها السلحفاة موسم السبات. في الجهة الأخرى أشجار الأكاسيا العالية ، كنا نربط في احداها الفرس قبل أن نسقيها ونعيدها إلى مربطها. غير بعيد من ذات المكان كانت البرقوقة اليانعة بمشمشها الأحمر تتغنج على إيقاع نسيم المساء.
نساء الدّوار كنّا هناك يساعدن الوالدة في التسدية، خيوط كثيرة تمشي وتجيء وقصبة في الوسط و”مَطرق” واقف وأخريات يكملن ما بقي من غزل الصوف. أغمضت عينيّ فجاءني الصوت رقراقًا معتّقا منذ ثلاثين عاما ، ذات الصوتِ بذات التناسق رغم أنه أصوات لنساء كثيرات يغنّين للحبّ على طريقتهنّ :
منّك مريض رْياف
وماعادش جِحدَه
سلّم على الأحباب
ومرحولَه اتَقّى
يقطع أصواتهن الشفيف صوت إعادة كؤوس الشاي الصغيرة إلى الصينية النحاسية، وصوت أمي تأمر البنات بأن يحفظن الكلمات من خلف المغنيات حتى لا يضيع. مازال الظلّ لم يستدر إلى الناحية الأخرى ليستعجلن العمل، كنّا مستمتعات باللقاء وبالغناء والتعاون وتبادل الأخبار.
أبقي على خيالي صافيًا، ممتنعا عن فتح جفوني كمن في عيونه الرمل. أنقّب في الذاكرة بحثًا عن الذي أريد لقاءه، فيظهر لي صاحب البيت يطلب مني بودّه المعهود أن أحضر البرميل وأملأه بالماء والجير الأبيض لأنه يريد طلاء البيت حتى تزول صفرته ويعود ناصعًا، “واجهة البيت هي مايراه الناس، البقية أمرك الخاص” هكذا كان يقول.
يضغط شيء ثقيل على بصري، فأفتح عيني على البيت وهو متهالك وأصفرٌ ودميم وأتذكر قول درويش: “البيوت تموت إذا غاب سكانها! “. فأقفُ..!














