متابعة وتصوير / نيفين الهونى/ تونس خاص
جوهر الحكاية مهما تبدلت الأزمنة
في البدء كانت الكلمة ومفتتح سهرتنا اليوم مع الفنان الكبير مارسيل خليفة كانت الكلمات التي وجهها إلى جمهوره حيث كانت على الرغم من أنها مقتضبة لكنها جاءت كافية لتكشف الخلفية التي ستنطلق منها الأمسية فقد تحدث عن لبنان الذي أنهكته الحروب وعن القرى التي دفعت أثمانا قاسية وعن النازحين الذين اقتلعتهم المآسي من بيوتهم كما وجّه تحية إلى فلسطين التي ظلت حاضرة في تجربته الفنية منذ بداياتها وما قاله مارسيل خليفة بين الأغنيات كان امتدادا لما غناه مؤكدا على أن الإنسان الذي بقى كان دوما أكبر من الخراب وسيظل

السهرة الآن بدأت
ففي المسرح الأثري بالحمامات وضمن مهرجان الحمامات الدولي في دورته ال60 كان الجمهور ينتظر موعدا مؤجلا على أحر من جمر السنين مع جزء من ذاكرته الجماعية لذلك بدا المشهد قبل بداية الحفل مختلفا عن الصورة المعتادة في المهرجانات فلم يكن الحديث الدائر قبل و بعد الحفل عن برنامج الأغاني أو من جاءمعه في الفرقة بل على العكس تماما كانت الأحاديث جلها عن كلمات رافقت حياتنا مذ كنا صغارا عن محمود درويش وعن سميح قاسم و نزار قباني وعن زياد الرحباني و موسيقى تناغمت مع وجداننا أطفالا وشبابا وكهولا فأصبحت مع مرور الزمن جزءا من الوجدان العربي وعندما دخل مارسيل خليفة المسرح تولت الذاكرة لعب دور الملقن فالأغاني التي لم تغادر أصحابها ظهرت على ملامح الحضور ولهجت بها الألسن فاختار أن يرتب رحلته الموسيقية التي امتدت لعقود مع جمهوره الغفير والذي فاق استيعاب مدرجات مسرح الحمامات وبدأ معهم السهرة بأغنية يطير الحمام ثم في البال أغنية ومع انتقاله بين ريتا وانتظرها وخبيني ومنتصب القامة أمشي وأحن إلى خبز أمي كان الجمهور يستقبل الأغنيات ويرددها كجزءا من سيرته الشخصية دون أن يشعر الحاضرون أنهم لا ينتقلون من أغنية إلى أخرى بل من محطة في حياتهم إلى محطة تالية ولذلك بدا واضحا أن كثيرين كانوا يغنون الكلمات كاملة قبل أن يصل إليهم صوت مارسيل نفسه ولعل أكثر ما ميز هذه اللحظات أن خليفة لم يكن في مواجهة الجمهور وإنما كان يترك له المساحة ليكمل الأغنية وهو ما منح السهرة أجواء حميمية فبدا المسرح كجوقة واحدة تتمازج أصواتها بين الخشبة والمدرجات وتتصاعد كروح خرجت لتزور برزخها وتعانق أرواح قد سبقتها ذات صفاء

ساري خليفة الامتداد المتفرد و الممهور بأنامل أبيه
من بين أكثر اللحظات المميزة في الحفل أيضا هي مشاركة الفنان الشاب ساري خليفة ابن الفنان الكبير مارسيل خليفة و تكمن أهمية المشاركة في بعدها الموسيقي فقد جاء ساري كونه موسيقيا وليس مجرد امتداد لاسم والده وعندما قدم مقطوعة صلاة على آلة التشيللو ظهر جليا أنه عازفا مستقلا يمتلك بصمته الفنية الخاصة حيث قدم مقطوعته وفرض على المسرح دقائق من الصمت الممزوج بالإنصات قبل أن ينفجر التصفيق في نهاية الأداء في مشهد أشبه بحوار بين جيلين أحدهما صنع جزءا مهما من تاريخ الأغنية العربية والآخر يحمل هذا الإرث على كتفيه إلى أفق موسيقي جديد دون أن يفقده هويته فأضاف إلى العرض بعدا مختلفا ومنح هذا الحضور المميز الحفل توازنا بين الخبرة المتراكمة التي يمثلها مارسيل خليفة والطاقة الموسيقية الجديدة التي يمثلها ابنه فجاء التصفيق المستمر من الحضور الذي رافق أداء ساري في توقيت اظهر أن الإنصات الذي فرضه الأداء قد تحول إلى تقدير معلن من الجمهور وعبر عنه بحماس الأكف التي التحمت لدقائق في تحية تقدر ما قدمه من بوح مموسق عزف على أفئدتنا قبل الألة الموسيقية ولم يكن ساري وحده من منح العرض هذه الروح فقد ظهرت الفرقة الموسيقية بطاقات شابة أكدت أن تجربة مارسيل خليفة لم تتوقف عند جيلها الأول بل ما تزال قادرة على استقطاب موسيقيين يضيفون إليها حيوية جديدة دون أن يمسوا جوهرها وذلك من خلال شباب توزر وعزفهم المتقن .
شباب دوز وصناعة صورة مختلفة
فبعيدا عن الصورة المعتادة لحفلات الفن الملتزم و التي ارتبطت بعروض أغلب فناني هذا النوع بما فيهم الفنان مارسيل خليفة خلال العقود الماضية فقد ظهر في هذا الحفل عدد من الموسيقيين الشباب وهم العازفون الشبان التونسيون على آلات (الكمان، القانون، العود، الفلوت، والطبلة )والذين منحهم مارسيل مساحة ارتجالية كاملة لاستعراض مهاراتهم.الذين منحوا العرض حيوية إضافية فكان حضورهم جزءا من رؤية تؤكد أن مشروع مارسيل خليفة لم يتوقف عند جيل بعينه وإنما ظل قادرا على استقطاب موسيقيين شباب يشاركون في إعادة إنتاج هذا الإرث الفني بروح معاصرة وقد انعكس ذلك على الأداء الجماعي الذي حافظ على هوية الأغنيات الأصلية وأضاف لها طاقة جديدة حية فبدت الأعمال مألوفة لمن يعرفها منذ سنوات كما بدت جديدة لمن يسمعها للمرة الأولى
الجمهور الذي كان ولازال وسيظل والحفل الذي بقى رغم الانتهاء
يصعب الحديث عن أمسية الحمامات من دون التوقف عند جمال الجمهور وتفاعله والدور الذي لعبه في الأمسية الرمز. فالحضورهنا لم يكن مجرد عنصر يكمل صورة المسرح الممتلئ بل كان شريكا فعليا في صناعة الحدث ومن شاهد التسجيلات التي انتشرت بعد الحفل والتي أظهرت لحظات كثيرة كان فيها صوت الجمهور يعلو على صوت الفنان وهو يردد الأغنيات عن ظهر قلب من دون تردد أو تلعثم أو ارتباك ويؤكد ما أكتبه هنا فلم يكن التفاعل وليد اللحظة بل كان انعكاسا لعلاقة تراكمت عبر سنوات طويلة من الإبداع الملتزم والجمهور الوفي واللافت في الامر أن هذا التفاعل لم يقتصر على جيل عاش بدايات مارسيل خليفة أو حتى منتصف المسيرة بل امتد إلى شباب لم يعرفوا تلك المرحلة إلا عبر التسجيلات والمنصات الرقمية ولم يعايشوا تلك الأزمات التي أنجبت هذه الأعمال الفارقة في عمر المعاناة العربية ومع ذلك كانوا يحفظون الكلمات ويشاركونه الغناء بكل حماس وتأثر وربما هذه الصورة هي الرسالة الأهم التي خرجنا بها من الأمسية أن الفن لا يقاس فقط بعدد الأعمال التي ينتجها الفنان وإنما بقيمتها وقدرتها على الانتقال من جيل إلى آخر من دون أن تفقد معناها وتأثيرها .

الجدارية مشروع ينتظر ميلاده
بعيدا عن أجواء الحفل الناجح بامتياز حملت الندوة الصحفية التي أعقبت السهرة خبرا مهما فقد كشف مارسيل خليفة عن إنجاز مشروع موسيقي جديد مستوحى من قصيدة الجدارية لمحمود درويش وقد عبر من خلال اجاباته على اسئلة الصحافيين عن استمرار علاقة فنية استثنائية جمعت موسيقى مارسيل خليفة بشعر محمود درويش عبر عقود طويلة وهي العلاقة التي صنعت بعضا من أهم الأعمال في تاريخ الأغنية العربية الحديثة كما أشار إلى مشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف في هذا المشروع وهو ما أضاف قيمة للخبر بسبب المكانة التي يحتلها الفنان التونسي العالمي ظافر يوسف في الموسيقى العالمية وقد بدا واضحا أن المشروع ما يزال ينتظر استكمال ظروف إنتاجه قبل أن يرى النور والذي نتمنى أن يكون في أقرب الآجال
أكثر من مجرد أمسية في مهرجان دولي
قد تمر حفلات كثيرة في المهرجانات الصيفية وتبقى مرتبطة بتاريخها ومكانها ثم تذوب تدريجيا في ذاكرة الموسم لكن بعض الأمسيات تنجح في تجاوز حدود المناسبة لتصبح علامة داخل تاريخ المهرجان نفسه وهذا ما حدث ويحدث مع كل أمسية لمارسيل خليفة في تونس فالذين تابعوا حفلات مارسيل خليفة يعرفون أن برنامجه الغنائي لا يتغير جذريا من أمسية إلى أخرى لكن ما منح حفل الحمامات خصوصيته لم يكن ترتيب الأغنيات ولا حتى اختيارها وإنما طبيعة العلاقة التي تشكلت بين المسرح والجمهور فبين حفلة اسبيطلة في ملتقى الحرية والإبداع التي زار فيها المدينة كضيف شرف للفرع الجهوي للكتاب التونسيين بالقصرين وكنت فيها ضيف شرف كشاعرة مع 4 شعراء من تونس في أمسية سبقت الحفل بيوم عام 2018 وبين هذه الحفلة قرابة الثمان سنوات لم يفقد فيها مارسيل خليفة لا حضوره في قلوب الآلاف من محبيه ولا إلتزامه مع جمهوره وقضاياه واثبت ان رصيده الفني الطويل ما زال قادرا على إنتاج لحظة إنسانية مشتركة بين آلاف الأشخاص .

لقد غادر الجمهور المسرح وهو يحمل معه ما هو أبعد من قائمة الأغنيات التي استمع إليها فقد حمل إحساسا بأن الإنجاز الحقيقي للأمسية أنها أثبتت أن الأغنية التي تنطلق من الشعر الصادق ومن الموسيقى العميقة لا تتحول مع مرور السنوات إلى أثر بعد اذن بل إلى ذاكرة حية تتجدد كلما وجدت جمهورا يؤمن بأن الفن ليس ترفا أو متعة عابرة وإنما طريقة أخرى لفهم الإنسان والعالم.














