هواوي/ الفصل الأوّل)

هواوي/ الفصل الأوّل)

  • لطفي الشابي

منذ أشهر من هذه السّنة الحمراء المشوبة بزرقة الموت الحرام وأنا لا أطرب إلاّ لقول الشّاعر الحكيم:       ” سئمتُ تكاليف الحياة…”.

 أتلو القصيدة مرّة بعد مرّة وأردّد هذا البيت حتّى ترقّ الرّوح وتنزف العين من وجع أو من وَجْد أو من كليهما معا…..

صورة قديمة ووجه عتيق نابض بالحياة وبالأمل لم يبق منه غير الوصايا القديمة شاهدة على خيبة المسعى وعربدة السّراب والتشبّث بالسّير في الأوهام حنينا باطلا إلى زمن لم يبق منه غير الأسماء المتضخّمة.

آذنَ مرجل البلاد المضغوط منذ سنين بالانفجار ولا أحد يقول حذارِ أو يوقد شمعة تحول دون الوقوع في هوّة تفتح فاها المنيّب كالجحيم.

هجرتها، تلك نشرات الأخبار الشّاحبة، وهي تصرّ على تحويل عين الكاميرا عن الشّوارع والسّاحات وتختزل البلاد في مكاتب القصر وقاعات الاجتماعات والتجمّعات التّي تزيّف نبض الشّارع أو تُعرض عن صخبه وغليانه حرصا على الصّورة النّاصعة لوطن ما عاد فيه من ناصع غير ما يُستعاد من قديم الوقائع أو يركّب من حديثها ويلفَّق.

هجرتها وهي تنقل صراع الشّقيقيْن وقد افترقا وتنافرا بعد طول اتّفاق ودوام عشرة.. عدوّين صارا، يقتتلان ولكليهما سلاح ودعوى، خطاب وبرهان..

وقديما كان الاقتتال بين رفيقين قديمين.. انتهى بغيبة من خسر المعركة الأولى ففقد الدّعم والأرض التي كان يقف عليها ويستمدّ منها المددَ. ظلّت العداوات الجديدة والصّراعات تتناسل من بعضها البعض، لا يحسمها إلاّ السّجن الذي يبتلع الرّفاق ويمحو ذكر الإخوة ويلتهم الأشقّاء.. والشّقيق الأكبر، السجّان، يُمضي على البيانات والأوامر وعيناه تدرّ الدّمع ويده ترتجف..

الحاكم بأمره صار سجّانا مرتابا.. مريض هو بكلّ أمراض الرّيبة والشكّ في كلّ من حوله، والمريض لا يرتاح إلاّ إذا أحكم إغلاق أبواب الزّنزانة على من يراهم أعداء متربّصين وقد كانوا إخوة وسندا في سنوات الجمر.

والآخر عنيدٌ، ما زال يُصغي إلى ما ترسّب في ضميره من رؤى، ولعلّه كان قد التبس عليه من فرط الغيوم التي لم تخلع ظِلالها عن سماء البلاد يوما، وجهُ العدوّ بوجه الأخ فصوّب سلاحه نحو شقيق الأمس ورفيق الماضي القريب.

متى تبرأ البلاد من لعنة الأزمنة الغابرة، ومتى يرتاح بنوها من هذا الجنون؟

ثورة أخرى.. بل فتنة أخرى جديدة بنفس الإخراج القديم المتجدّد. في الجهة الثّابتة نفس الوجوه المتنفّذة الواقفة في وجه الزّلازل تعاند ولا تتعلّم من التصدّعات التّي تنذر بالسّقوط العظيم وبالفناء. وفي الجهة المقابلة وجه آخر، بل وجوه ترفع تهمة الخيانة وتدعو إلى معركة الحقّ والواجب..

صراع قوّتين تتناطحان، وما بينهما الأيادي الجشعة التي تنتهب كرامة الكادحين، وتحرّف الوقائع وتلفّق التّهم ولا ترى غير ما يُغري الضّباع بإرث الأسد الهرم..

هذا الدّخان، وهذه الحرائق وهذه الجموع التي تهبّ من كلّ الأحياء في كلّ مدينة وهذه الطّرقات المقطوعة والمغازات المنهوبة والعربات المحروقة، وهذا الرّصاص الذي ينطلق أعمى حقودا يحصد الأرواح ويسخر. ثمّ يكتمل المشهد في نشرة الأخبار المسائيّة وتنطلق النّعوت المألوفة والجمل الممجوجة: ” أحداث الشّغب… الخارجون عن القانون.. المفسدون… المتواصلون مع أطراف خارجيّة من أجل زعزعة أمن البلاد واستقرارها.. الخوَنة المصطادون في المياه العكرة…” والختام ككلّ ليلة: ” الوضع تحت السّيطرة والبلاد تمضي نحو عودة الاستقرار بفضل مجهودات رجال الأمن والجيش..”

اتّسع الصّدع وآذن المشيّد بالسّقوط قبل أن يكتمل.. في كلّ سنة يكبر الصّدع ويمتدّ والقائمون على البيت يكتفون بترميمه ولا ينتبهون للعواصف تنهشه من الدّاخل وتحفر في كلّ أركانه وهم يكتبون المدائح والأناشيد ويسبّحون بحمد الإله الصّغير ولا يرون الماء يسري من تحت الأقدام والأرياح تهبّ على الهامات وتغذّي العواصف وتنذر بالهول والدّمار..

أرى البيت يتهاوى على الرّؤوس، وأرى الخراب يلفّ البلاد بوشاحه المخيف وأرى عبرات المخلصين تحتبس في الحلوق وتكوي الأفئدة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :