- متابعة | نيفين الهوني تونس خاص
في الجم حين تبدأ الموسيقى و تعزف الآلات فهي لا تنتهي حين يخفت التصفيق لأن المكان نفسه يدخل في التأليف ويصبح المدرج الروماني جزءا من النوتة وذاكرة للحجارة تستعيد عبرها الأصوات حياة أخرى هكذا افتتحت الدورة 39 من مهرجان الجم الدولي للموسيقى السمفونية التي امتدت من أول يوليو حتى إلى منتصف أغسطس 2026 لتؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد موعد صيفي للموسيقى الكلاسيكية بل صار مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالتجريب والتاريخ بالحاضر والتونسي بالعالمي هذا وقد جمعت الدورة 10 عروض من تونس وفرنسا وإسبانيا والنمسا وإيطاليا مع حرص واضح على تثبيت حضور الإنتاج التونسي داخل برنامج دولي واسع
عليسة بين قلبها وعرشها قرطاج كما لم تُرو من قبل
حيث كان الافتتاح في مستوى هذه الرؤية إذ اختار المهرجان أن يرفع الستار على ديدون وإينياس وهي الأوبرا الباروكية التي كتبها هنري بورسيل سنة 1689 وأعيدت صياغتها في إنتاج تونسي جديد لمسرح أوبرا تونس ولقد كان اختيار ديدون وإينياس عودة إلى عمل من كلاسيكيات الباروك وعودة إلى أصل الحكاية وإلى قرطاج بوصفها مادة حية يمكن إعادة قراءتها بلغة معاصرة فقد حضرت عليسة حاكمة قرطاج كامرأة تقف في بين قلب يريد الحب وعقل يعرف ثقل السلطة وبين امرأة تريد أن تعيش وإنسانة تعرف أن وراءها مملكة وشعبا وذاكرة وقد تولى اللبناني عمر راجح الكوريغرافيا والإخراج فيما قاد الفرنسي ستيفان فوجي العمل موسيقيا وشارك باليه أوبرا تونس وجوقتها وعدد من عازفي الأوركسترا التونسيين إلى جانب موسيقيين متخصصين في الموسيقى الباروكية وكانت نسرين المهبولي في دور ديدون وخليل سعيد في دور إيني وليليا بن شيحة في دور بليندا ومرام بوجبل في دور الساحرة وقد جعل الأداء الصوتي والحركة والموسيقى من الصراع الداخلي للملكة مسارا دراميا يصل مباشرة إلى المتلقي هذا وقد قدمت الأوبرا للمرة الأولى في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي في مايو قبل أن تنتقل إلى الجم لتصبح افتتاحا للمهرجان فأستعاد المسرخ الأثري الحكاية من جذورها إذ تلاقت قرطاج المتخيلة مع قرطاج التي تسكن الذاكرة التونسية وتلاقت موسيقى بورسيل مع فضاء روماني ظل قرونا شاهدا على تحولات التاريخ.
من مارسيل خليفة إلى رافال خريطة موسيقية بلا حدود
ومن الافتتاح إلى بقية البرنامج حافظت الدورة على إيقاع يقوم على التنويع دون أن يفقد المهرجان هويته حضرت الموسيقى التونسية عبر الأوركسترا السمفوني بسوسة مع الفنانة درصاف الحمداني في سهرة حملت عنوان طربيات سمفونية وفتحت بابا على المصالحة بين الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى الشرقية والأداء الغنائي ثم انتقل المهرجان إلى إسبانيا مع كاميراتا برشلونة في عرض ألوان إسبانيا ليضيف إلى المشهد الأوركسترالي نكهة متوسطية أخرى ثم مع أوركستر الأورفيون من فرنسا في سهرة جمعت تكريما لمارسيل خليفة عاش الجمهور مشاركة فنية تستحضر موضوع الهجرة وأغاني المنفى بمساهمة أطفال من فرنسا وفرقة جزائرية وأولاد الجم ليصبح المسرح فضاء للذاكرة المشتركة بين ضفتي المتوسط ومن ثم عاد أوركستر الأورفيون بعرض كورالي كلاسيكي ضم بوليرو لرافال وشهرزاد لريمسكي كورساكوف لتتسع المساحة من الأغنية ذات الذاكرة العربية إلى المرجعيات الكبرى في الموسيقى الكلاسيكية

28 مرة وكل مرة فيينا والجم موعد لا يشبه سواه
أما الموعد الذي انتظره جمهور المهرجان باعتباره واحدا من أكثر مواعيده رسوخا فكان أوركسترا بال أوبرا فيينا عادت إلى الجم في حضور بات أشبه بالطقس السنوي وقد أشارت البرمجة إلى أن هذه المشاركة تمثل الحضور الثامن والعشرين للأوركسترا في تاريخ المهرجان وهو ما يفسر العلاقة الخاصة التي نشأت بين هذه الفرقة والجمهور التونسي فحفل فيينا في الجم ليس مجرد سهرة من سهرات البرنامج فهو لقاء بين مدينتين موسيقيتين مختلفتين في الجغرافيا ومتقاربتين في الإيمان بقدرة الموسيقى على اختصار المسافات فيينا تصل إلى الجم عبر الفالس والأوبريت والتقاليد الأوركسترالية بينما يستقبلها المدرج الروماني بذاكرته المتوسطية فينشأ من هذا التباين نوع من الحوار بين زمنين وثقافتين وقد أصبح حضور أوركسترا أوبرا فيينا من العلامات التي ينتظرها جمهور المهرجان سنويا حتى إن الصحافة التونسية ربطت مشاركتها بتاريخ طويل من الحضور الجماهيري والعلاقة المتراكمة مع الجم وهي علاقة تتجاوز العرض إلى بناء تقليد فني ثابت بين الفرقة والجمهور
مهرجان واحد وخرائط موسيقية متعددة
بعد فيينا انتقل البرنامج إلى إيطاليا مع OIDA في عرض مخصص لموسيقى السينما العالمية واستعادة أعمال كبار الملحنين الذين جعلوا من الموسيقى جزءا لا ينفصل عن الصورة ومن ثم عاد المزاج الإيطالي في سهرة نابولي في المتوسط حيث حضرت كلاسيكيات الأغنية النابولية بوصفها وجها آخر للهوية الموسيقية المتوسطية وحين جاءت الاوركسترا السمفوني بقرطاج اعادت المهرجان إلى تونس بقيادة حافظ مقني وبذلك حافظت الدورة على حضور واضح للموسيقى التونسية داخل برنامج لا ينظر إلى المحلية باعتبارها نقيضا للعالمية بل باعتبارها إحدى بواباتها

ألجم تنصت إلى العالم حتى آخر النغمات وبرجع الصدى
و أغلقت الدورة دائرتها بالنمسا كما بدأت بتونس وكان الختام مع عازف الكمان والملحن النمساوي يوري ريفيتش ومجموعته ماي ساوند في سهرة جمعت بين الموسيقى السمفونية والتنوع الموسيقي وحضرتها شخصيات رسمية ودبلوماسية من بينها كاتب الدولة لدى وزير الخارجية محمد بن عياد وسفير النمسا بتونس إلى جانب جمهور غفير
وبذلك جاء الختام مختلفا في طبيعته عن افتتاح يقوم على الدراما الأوبرالية فقد كان احتفالا موسيقيا بحضور نمساوي وبمسار قطعته الدورة خلال أكثر من شهر من العروض
وما يلفت في الدورة 39 أنها لم تبحث عن العالمية عبر استيراد أسماء كبيرة فقط بل حاولت أن تجعل من التبادل الثقافي فكرة ناظمة للبرنامج فالعروض الأجنبية جاءت من مدارس متعددة فيما ظل الحضور التونسي حاضرا في الافتتاح وفي عروض الأوركسترا التونسية وفي محاولة المهرجان المستمرة لتشجيع الفنانين المحليين وتبقى قيمة مهرجان الجم في أنه لا يقدم الموسيقى داخل قاعة مغلقة بل يضعها أمام التاريخ وفي مواجهة فضاء يفرض حضوره على الفنان والمتلقي معا فحين تصعد الموسيقى إلى مدارج المدرج الروماني لا تعود مجرد أصوات منظمة بل تصبح حوارا مع الحجر ومع الذاكرة ومع المكان لهذا بدت الدورة 39 وكأنها رحلة واحدة متعددة المحطات بدأت بعليسة وهي تختار بين القلب والواجب ومرت بفيينا وهي تستعيد أناقة الفالس ثم عبرت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وتونس قبل أن تعود إلى النمسا في ختامها وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الجم فالمهرجان الذي يقام في أثر من آثار الإمبراطورية الرومانية يواصل صناعة مستقبل ثقافي لا يعيش على الماضي بل يستخدم الماضي كمنصة للإنصات إلى العالم
في الجم لا تمسي الموسيقى ضيفة على التاريخ بل يصبح التاريخ نفسه جمهورا آخر يجلس في المدرجات ويصغي إليها














