المركز القانوني للمركبة الآلية في التشريع الليبي: من أثر عقد البيع إلى الشروط النظامية للسير

المركز القانوني للمركبة الآلية في التشريع الليبي: من أثر عقد البيع إلى الشروط النظامية للسير

  • د.أ : أبوبكر بن خيلب 

​تتسم التصرفات الواردة على المركبات الآلية بطبيعة مزدوجة تتجاذبها أحكام القانون الخاص المنظمة لعقد البيع من جهة، وأحكام القانون العام واللوائح التنفيذية الناظمة للسلامة والنظام العام من جهة أخرى، ويقع كثير من المتعاملين في وهم مفاده أن مجرد انعقاد البيع وانتقال حيازة السيارة يكفيان لإسباغ المشروعية القانونية على استعمالها في الطرق العامة، بيد أن الاستحقاق الملكي المنشأ في إطار القانون المدني لا يغني عن استيفاء المراكز النظامية التي يتطلبها قانون المرور الليبي رقم (11) لسنة 1984م ولائحته التنفيذية وتعديلاتهما، إلى جانب أحكام قانون التأمين الإجباري رقم (28) لسنة 1971م. 

​يستلزم التأصيل القانوني للمركبة الآلية التمييز الدقيق بين انتقال الملكية في التصرف المدني واكتساب صلاحية السير إدارياً. فالأصل في حركة المركبات على الطرق العامة وفق التشريع المروري الليبي هو الحظر، ولا يُستثنى من هذا الحظر إلا المركبات المقيدة لدى السلطات المختصة بأقسام المرور والمتحصلة على رخصة سير ولوحات معدنية معتمدة.

ويُعد الترخيص إجراءً إدارياً كاشفاً لاستيفاء الاشتراطات الفنية والأمنية، وشرطاً مفصلياً لإسباغ الصفة النظامية على حركة المركبة.

ويلتزم المالك بخضوع المركبة للفحص الفني الدوري للتحقق من متانتها، وتقديم وثيقة التأمين الإجباري ضد المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات، وسداد الضرائب والرسوم المقررة قانوناً. 

وعلى الرغم من أن عقد البيع يُعد تصرفاً ناقلاً للملكية بمجرد التراضي وفق القواعد العامة للقانون المدني الليبي، إلا أن نقل هذه الملكية في مواجهة الإدارة والكافة لا يستكمل أثره الإداري والتنظيمي إلا عبر التسجيل المروري.

ويلتزم طرفا التصرف بإخطار قسم المرور المختص خلال المهل القانونية المحددة باللوائح واستيفاء إجراءات نقل الترخيص باسم المالك الجديد. وينتج عن التقاعس عن إجراء القيد الإداري محذور قانوني بالغ، إذ يظل المسجل اسمه في السجلات الرسمية كمالك للمركبة في مواجهة السلطات الإدارية، مع ما يترتب على ذلك من تحميله المخالفات والرسوم غير المسددة، فضلاً عن نشوء قرينة الملكية والحراسة في حوادث السير أمام الغير. 

وفي هذا الصدد، أرسلت المحكمة العليا الليبية في أحكامها المتعاقبة قواعد جوهرية تحكم النزاع بين الحقيقة الواقعية والحقيقة الإدارية للملكية؛ إذ استقرت في تطبيقاتها على أن المسؤولية المدنية عن الأضرار الناشئة عن حوادث المركبات تقوم على أساس “حراسة الأشياء” المنصوص عليها في القانون المدني، والتي تثبت لمن له السلطة الفعلية في التوجيه والرقابة والاستعمال وقت وقوع الحادث.

وأوضحت المحكمة العليا أن قيودات سجلات المرور لا تعدو أن تكون قرينة بسيطة على الحراسة والملكية قابلة لإثبات العكس؛ فإذا أثبت المالك المسجل أنه نقل الحيازة الفعلية للمشتري وسلمه المركبة وسيطرته عليها قبل وقوع الحادث بموجب عقد بيع ثابِت، فإن مسؤولية الحراسة تنتقل إلى المشتري بوصفه الحارس الفعلي، وتنتفي عن البائع ولو لم تُستكمل إجراءات نقل الترخيص إدارياً. 

أما بالنسبة للوحات المعدنية الصادرة عن سلطات المرور، فإن حقيقتها القانونية أنها ملك عام للإدارة، تُمنح للمركبة كرمز تعريفي وضبطي يُحظر التنازل عنه أو تغييره أو استعماله على غير المركبة المخصصة لها.

وفي حال تلف اللوحات أو فقدانها، يلتزم المالك بالإبلاغ الفوري لدى مركز الشرطة وقسم المرور المختص لإثبات الواقعة وحظر استخدامها، ويُحظر عليه تصنيع أو تركيب لوحات غير مصرح بها، إذ يُكيف هذا الفعل قانوناً كجريمة تزوير في أوراق رسمية أو استعمال لوحات غير قانونية، ويستوجب استمرار السير بموجب تصريح مؤقت صادر عن السلطات المختصة لحين إصدار البديل. 

ويقرر التشريع المروري الليبي جزاءات جنائية وإدارية صارمة تتدرج من الغرامات وحجز المركبة إدارياً إلى العقوبات المقيدة للحرية عند قيادة مركبة غير مسجلة أو تحمل لوحات غير نظامية.

كما يترتب على قيادة مركبة غير مرخصة انعدام التغطية التأمينية في كثير من الحالات، مما يُعرض المالك لسقوط حقه في الضمان ويحمله التعويضات المدنية المباشرة اتجاه المتضررين، وبالتالي فإن الامتثال للالتزامات الإدارية المقررة في قانون المرور الليبي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو التزام متصل بالنظام العام وضمانة أساسية لاستقرار المعاملات وحماية الحقوق.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :