قراءة نفسية اجتماعية في ديناميات الاختيار العاطفي
- د. سلمى مسعود عداس
مفارقة الذكاء والعلاقات السامة
تثير العلاقات العاطفية غير المتوازنة اهتماماً متزايداً في علم النفس الاجتماعي وعلم نفس العلاقات، نظراً لما تكشفه من تعقيدات في السلوك الإنساني تتجاوز التفسيرات السطحية التقليدية. ومن بين الظواهر اللافتة في هذا المجال تلك المفارقة التي تشير إلى أن العلاقات السامة لا ترتبط دائماً بالضعف أو نقص الوعي كما يُعتقد غالباً، بل كثيراً ما نجد أن النساء الأكثر ذكاءً وتحليلاً وفهماً للناس قد يكنّ أكثر عرضة للانخراط في هذا النوع من العلاقات أو الاستمرار فيها لفترات أطول مما يتوقعه المحيطون بهن.
هذه المفارقة تطرح سؤالاً مركزياً في دراسة العلاقات الإنسانية: كيف يمكن للوعي والقدرة على التحليل أن يتحولا أحياناً من عامل حماية إلى عامل يطيل البقاء في علاقة غير صحية؟
وهم الاستثناء في التجربة العاطفية
من الظواهر النفسية المعروفة في العلاقات العاطفية ما يمكن تسميته بوهم الاستثناء، وهو الميل إلى الاعتقاد بأن العلاقة الشخصية تختلف عن الأنماط العامة التي قد تنطبق على الآخرين. فعلى الرغم من قدرة الإنسان على تقديم نصائح عقلانية للآخرين، فإنه عندما يصبح جزءاً من التجربة العاطفية يميل إلى تفسيرها باعتبارها حالة خاصة لا تنطبق عليها القواعد المعتادة.
في هذا السياق، قد تدرك المرأة الذكية بوضوح بعض المؤشرات التي تدل على عدم توازن العلاقة، إلا أنها تميل إلى الاعتقاد بأن الظروف الخاصة للطرف الآخر، أو طبيعة العلاقة نفسها، تجعل هذه المؤشرات قابلة للتجاوز أو التفسير بطرق مختلفة. وهكذا يتحول الوعي بالمشكلة إلى محاولة مستمرة لفهمها بدلاً من اتخاذ قرار حاسم بشأنها.
ديناميات “إصلاح الآخر” في العلاقات العاطفية
تشير بعض الدراسات في علم النفس العلاقي إلى ظاهرة يمكن وصفها بنمط “إصلاح الآخر”، حيث يشعر أحد الطرفين – وغالباً الطرف الأكثر وعياً وتحليلاً – بقدرة خاصة على مساعدة الطرف الآخر على تجاوز مشكلاته النفسية أو العاطفية.
في هذا الإطار قد تتحول العلاقة العاطفية تدريجياً من علاقة تقوم على التبادل المتكافئ إلى علاقة تحمل طابعاً علاجياً غير معلن. فتسعى المرأة إلى فهم جروح الطرف الآخر وتجربته السابقة، وتحاول أن توفر له الاحتواء العاطفي الذي تعتقد أنه يفتقده. غير أن هذه الدينامية قد تقود في كثير من الحالات إلى خلل في التوازن داخل العلاقة، حيث يتحمل أحد الطرفين عبء الإصلاح بينما لا يبذل الطرف الآخر جهداً مماثلاً في التغيير أو إعادة التوازن.
التحليل النفسي للسلوكيات وتحوّله إلى تبرير
من السمات المرتبطة بالذكاء العاطفي القدرة على تحليل الدوافع النفسية للسلوك الإنساني، غير أن هذه القدرة قد تتحول في بعض العلاقات إلى آلية تفسير مستمرة للسلوكيات السلبية. فبدلاً من النظر إلى السلوك كما هو، يميل العقل التحليلي إلى البحث عن أسباب كامنة وراءه، مثل التجارب السابقة أو الضغوط النفسية أو صعوبات التعبير العاطفي.
ومع مرور الوقت قد يتحول هذا التحليل إلى نوع من إعادة تفسير السلوكيات المؤذية بطريقة تقلل من حدتها أو تعيد تأطيرها في سياق نفسي أوسع. وهكذا تصبح عملية الفهم النفسي بديلاً عن مواجهة الواقع العاطفي للعلاقة.
الصبر العاطفي وحدود الاحتمال
تُعد القدرة على الصبر والاحتواء من الصفات المرتبطة غالباً بالنضج العاطفي والوعي الإنساني، غير أن هذه الصفات قد تتحول في العلاقات غير المتوازنة إلى عامل يطيل أمد الاستنزاف العاطفي. فالرغبة في إعطاء الفرص المتكررة، والإيمان بإمكانية التغيير، قد يدفعان أحد الطرفين إلى الاستمرار في العلاقة رغم غياب المؤشرات الفعلية على التحسن.
وتشير بعض الأدبيات النفسية إلى أن الفرق بين العلاقة الصحية والعلاقة السامة لا يكمن في وجود الصعوبات أو الخلافات، بل في طبيعة الجهد المبذول من الطرفين. ففي العلاقات المتوازنة يسعى كل طرف إلى تحسين العلاقة والمحافظة عليها، بينما في العلاقات السامة يميل الجهد إلى أن يكون أحادي الاتجاه.
البعد النفسي للاعتراف بالاختيار الخاطئ
إلى جانب العوامل السابقة، يظهر عامل نفسي آخر يرتبط بما يمكن تسميته بالالتزام النفسي بالقرار الأول. فحين يدرك الإنسان أن العلاقة التي دخلها لم تكن كما تصورها، يصبح الاعتراف بذلك خطوة صعبة لأنها تتضمن مراجعة قرار سابق كان مبنياً على قناعة أو أمل.
ولهذا قد يفضل بعض الأفراد الاستمرار في العلاقة على الرغم من إدراكهم لخللها، لأن التراجع عنها يعني الاعتراف بأن الاختيار الأول لم يكن دقيقاً. ويُعد هذا العامل من الديناميات النفسية المعروفة في السلوك الإنساني، حيث يميل الأفراد أحياناً إلى الاستمرار في مسار معين بدافع المحافظة على صورة القرار الأول.
خاتمة: تعقيد الظاهرة الإنسانية
تكشف هذه القراءة النفسية والاجتماعية أن العلاقات العاطفية لا تخضع دائماً لمنطق بسيط أو معادلات واضحة، بل تتداخل فيها عوامل الإدراك العاطفي والتحليل النفسي والتجربة الشخصية. وقد تتحول بعض الصفات التي يُنظر إليها عادة بوصفها نقاط قوة – مثل التعاطف والوعي النفسي والقدرة على الفهم – إلى عوامل تُطيل البقاء في علاقة غير متوازنة.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد في ختام هذا التحليل أن ما ورد هنا لا يمثل حكماً مطلقاً أو قاعدة عامة تنطبق على جميع الحالات؛ فكلامي هذا ليس بالضرورة صحيحاً على نحو قطعي، غير أن أغلب الدراسات النفسية والاجتماعية التي اطلعت عليها تميل إلى الإشارة إلى هذه الظاهرة وإلى تفسيرها ضمن ديناميات العلاقات العاطفية غير المتوازنة.













