استعادة الذاكرة الليبية من هيمنة الرواية الاستعمارية إلى عدالة التاريخ

استعادة الذاكرة الليبية من هيمنة الرواية الاستعمارية إلى عدالة التاريخ

  • نيفين الهوني

شهدت دار حسن الفقيه حسن بالمدينة القديمة في طرابلس لقاء فكريا مهما استضاف فيه مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة المؤرخ والأكاديمي الليبي البارز الدكتور علي عبد اللطيف حميدة في محاضرة تحت عنوان مفهوم الإبادة الجماعية وإنتاج المعرفة في ليبيا لماذا نحتاج إلى تفكيك رواية الاستعمار اليوم وذلك بحضور الأخ وزير الثقافة والتنمية المعرفية ونخبة من الأكاديميين والصحافيين والباحثين والمثقفين والمهتمين بالتاريخ الليبي وقضايا الذاكرة الوطنية حيث جاءت هذه المحاضرة ضمن مشروع فكري وبحثي يعمل عليه الدكتور حميدة منذ سنوات ويهدف إلى إعادة قراءة التاريخ الليبي من منظور نقدي يتجاوز السرديات التقليدية التي صاغتها المؤسسات الاستعمارية الأوروبية والتي ظلت لعقود طويلة المصدر الرئيسي لفهم العديد من محطات التاريخ الليبي الحديث وفي مداخلته التي ركز الدكتور حميدة على مفهوم الإبادة الجماعية باعتباره إطارا تحليليا يساعد على فهم حجم المأساة الإنسانية التي تعرض لها الليبيون خلال فترة الاحتلال الإيطالي خصوصا في العقود الأولى من القرن العشرين أوضح حميدة أن دراسة تلك المرحلة لا ينبغي أن تقتصر على سرد الأحداث العسكرية أو السياسية بل يجب أن تشمل الآثار الاجتماعية والإنسانية والثقافية التي خلفتها سياسات القمع والتهجير الجماعي والاعتقال في المعسكرات التي أقامتها سلطات الاحتلال

وتناول المحاضرأيضا قضية إنتاج المعرفة حول ليبيا مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من الكتابات التاريخية المتعلقة بليبيا كتب من منظور استعماري سعى إلى تبرير الاحتلال أو التقليل من حجم الجرائم المرتكبة بحق السكان المحليين ومن هنا تبرز بحسب حميدة أهمية إعادة فحص المصادر التاريخية والأرشيف والشهادات المحلية من أجل بناء سردية وطنية أكثر توازنا وإنصافا كما سلطت المحاضرة الضوء على العلاقة بين التاريخ والذاكرة حيث أكد الدكتور أن الشعوب لا تستطيع بناء مستقبلها من دون مواجهة ماضيها بموضوعية وشجاعة فالذاكرة الوطنية ليست مجرد استدعاء للأحداث بل هي عملية مستمرة لفهم التجارب التاريخية واستخلاص الدروس منها بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم العدالة والكرامة الإنسانية وشهد اللقاء نقاشا واسعا بين الحضور حول مدى انطباق مفهوم الإبادة الجماعية على التجربة الليبية خلال فترة الاستعمار الإيطالي إضافة إلى أهمية توثيق الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها الليبيون وضرورة إدراج هذه القضايا ضمن برامج البحث الأكاديمي والمؤسسات التعليمية والثقافية وعلى هامش المحاضرة جرى توقيع كتاب الدكتور علي عبد اللطيف حميدة الجديد الإبادة الجماعية في ليبيا الذي يعد إضافة مهمة إلى المكتبة التاريخية الليبية ويستند الكتاب إلى وثائق ومراجع وشهادات تاريخية متعددة مقدما قراءة تحليلية للسياسات التي انتهجتها سلطات الاحتلال الإيطالي ضد السكان الليبيين وما نتج عنها من خسائر بشرية واجتماعية واسعة النطاق

ويعد هذا العمل ذو أهمية خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بدراسات الذاكرة والعدالة التاريخية حيث يسعى إلى إدراج التجربة الليبية ضمن النقاشات الدولية المتعلقة بجرائم الاستعمار وانعكاساتها طويلة الأمد على المجتمعات والشعوب وشكلت هذه المحاضرة مساحة للحوار حول قضايا التاريخ والهوية والعدالة المعرفية وفتحت الباب أمام إعادة التفكير في الكيفية التي كتب بها التاريخ الليبي ومن يملك حق روايته وفي هذا السياق تبرز أهمية الجهود البحثية التي يقودها مفكرون ومؤرخون ليبيون من أجل استعادة صوت الضحايا وإعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية بما يساهم في بناء فهم أعمق للماضي ورؤية أكثر وعيا للحاضر والمستقبل حيث تبقى إعادة قراءة التاريخ الليبي بعين نقدية مستقلة خطوة أساسية لحماية الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي التاريخي للأجيال القادمة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :