الخارطة التلفزيونية في ليبيا: القنوات الفضائية بين تجاذبات السياسة وشغف الشارع

الخارطة التلفزيونية في ليبيا: القنوات الفضائية بين تجاذبات السياسة وشغف الشارع

  • د_عبدالله محمد أطبيقه

قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا

شهد المشهد الإعلامي الفضائي في ليبيا تحولاً جذرياً وهائلاً عقب عام 2011؛ حيث تحولت الساحة من إعلام رسمي أحادي وموجه بدقة، إلى انفجار إعلامي وفضائي أسفر عن إطلاق عشرات القنوات الفضائية الخاصة والرسمية والحزبية.

تُعد الفضائيات الليبية اليوم الوسيلة الأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام ومتابعة التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية في البلاد، إلا أنها تعيش في الوقت ذاته حالة من الاستقطاب الحاد وتفاوت مستويات الاحترافية والتمويل.

تصنيف القنوات الفضائية الليبية وفق خطها التحريري

يمكن تقسيم الفضائيات الليبية الناشطة على ساحات العرض الفضائي (مثل نايلسات وعربسات) إلى عدة تصنيفات رئيسية:

 القنوات الرسمية والتلفزيون الحكومي:   مثل “قناة ليبيا الوطنية”، وتتبع شبكة الإعلام الحكومي. تركز على التغطيات الرسمية للدولة، وتواجه تحديات التعاقب السياسي واستقلالية الخط التحريري.

 القنوات الإخبارية والسياسية المستقلة والخاصة:  تشمل قنوات ذات انتشار واسع مثل ليبيا الأحرار وقناة “218 (والتي توقفت ونقلت نشاطها للمنصات الرقمية في بعض الفترات)، قناة المسار، وقناة التناصح تتفاوت هذه القنوات في توجهاتها وإيديولوجياتها بين التيار المدني/الليبرالي والتيار الإسلامي والمستقل.

قنوات الدراما والترفيه والتراث:   مثل قناة سلام وقناة ليبيا الجديدة وقناة الوسط (التي تجمع بين الأخبار والبرامج الحوارية والترفيهية)، تبرز هذه القنوات بشكل خاص في مواسم شهر رمضان عبر إنتاج الدراما والبرامج الكوميدية والمسابقات.

القنوات الموجهة والحزبية:قنوات ممولة من أطراف سياسية أو عسكرية أو جهوية، تُستخدم كأدوات في النزاع السياسي وإدارة معارك الرواية الوطنية.

أبرز ملامح المشهد الفضائي الليبي

تتميز الشاشة الفضائية الليبية بالتركز الكثيف على المواسم الرمضانية، حيث تُشكل المواسم الدرامية الرمضانية المضمار الأبرز للتنافس بين القنوات؛ إذ تُضخ ميزانيات ضخمة لإنتاج المسلسلات الليبية (الاجتماعية والكوميدية) لإنعاش الشاشة وجذب الإعلانات، كما يبرز الانتقال نحو الفضاء الرقمي، إذ باتت معظم القنوات الليبية تعتمد بشكل مكثف على البث المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي (فيس بوك، يوتيوب)، نظرًا للنسب المرتفعة لمتابعة الشارع الليبي للمنصات الرقمية. بالإضافة إلى ذلك، يغلب على المشهد نمط البث من الخارج؛ فنظراً للاضطرابات الأمنية وتحديات البيئة التنظيمية داخل البلاد، تبث العديد من القنوات الليبية الفاعلة من مكاتب ومقرات إقليمية (مثل استوديوهات في عمّان، إسطنبول، لبنان).

التحديات والأزمات التي تواجه الفضائيات الليبية

تواجه الفضائيات الليبية مجموعة من التحديات والأزمات المعقدة؛ يأتي في مقدمتها خطاب الاستقطاب والتحريض الناجم عن وقوع بعض القنوات في فخ الشحن الجهوي والسياسي ونشر خطابات تؤجج الصراع بدلاً من التهدئة، كما يُشكل التمويل وشفافية المصادر عقبة رئيسية، إذ يعاني الإعلام الخاص من ضعف سوق الإعلانات المحلي، مما يجعله معتمداً على تمويلات سياسية أو خارجية تؤثر على استقلاليته، ويضاف إلى ذلك غياب الأطر التنظيمية والقانونية المتمثل في غياب هيئة أعلى للإعلام أو هيئة تنظيمية موحدة تحمي حقوق الإعلاميين وتضع ميثاق شرف مهني ومحددات للترخيص. وأخيراً، تبرز تحديات السلامة والأمن الميداني، حيث تتعرض الكوادر والمراسلون في الداخل للمخاطر والتضييق أثناء التغطيات الميدانية في مناطق التماس أو الفعاليات السياسية.

تقف القنوات الفضائية الليبية اليوم عند مفترق طرق؛ بين تكريس دورها كمنبر للتنوع وحرية التعبير وإنعاش الدراما والتراث الليبي، وبين الانزلاق في التجاذبات السياسية، ويظل الرهان الحقيقي للنهوض بهذا القطاع متمثلاً في التنظيم التشريعي، الشفافية المالية، وتفعيل ميثاق شرف مهني يضمن استقلالية الرسالة الإعلامية وخدمتها للمواطن والوطن.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :