إستطلاع : حليمة حسن
مع اقتراب أذان المغرب في الأحياء الليبية، وقبل دقائق من لحظة الإفطار، تتصاعد روائح الشوربة والمعجنات والمبطن من النوافذ، وتتحرك الأزقة بهدوء مألوف، حيث يخرج الأطفال حاملين أطباقا مغطاة بعناية نحو بيوت الجيران في مشهد يتكرر كل رمضان.
هنا تحضر “الذوقة” إحدى أعرق العادات الاجتماعية في ليبيا بوصفها أكثر من مجرد تبادل طعام، فهي رسالة مودة وتضامن، ولغة صامتة تقول إن موائد رمضان لا تكتمل إلا بالمشاركة.
ورغم ما شهدته البلاد من تحولات اجتماعية واقتصادية وما فرضته الحياة الحديثة من تباعد بين الجيران، بقيت هذه العادة حاضرة بدرجات متفاوتة، وإن تراجعت في بعض المدن والأحياء الحديثة، بينما ظلت أكثر رسوخا في القرى والمجتمعات المتقاربة.
فالذوقة ليست طقسا عابرا، بل امتداد لتقليد اجتماعي قديم يعكس روح التكافل والجيرة في المجتمع الليبي.
لكن مع تغير أنماط السكن واتساع المدن وتبدل العلاقات الاجتماعية، يظل السؤال مطروحًا: هل ما تزال الذوقة تحافظ على مكانتها كما كانت؟ أم أنها تراجعت لتصبح ذكرى جميلة في ذاكرة الأجيال السابقة؟ هذا الاستطلاع يرصد آراء المواطنين حول حضورها اليوم وتحولاتها ودلالاتها الاجتماعية بين الماضي والحاضر.

“الطبق يرسل ممتلئا ويعود بالمثل” .
قالت ‘منية بن أحمد’ ، من العادات الجميلة التي تكاد أن تندثر كما اندثرت واختفت عادات جميلة كانت سائدة في مجتمعنا، الذوقة أو الوديدة في رمضان اختفت في عديد من المدن والأحياء السكنية حيث كان الأطفال يجوبون الشارع ويطرقون الأبواب حاملين معهم أطباقا منوعة من أصناف مختلفة من الطعام والحلويات قبل أذان المغرب هذا الطفل في انتظاره خلف الباب طبق آخر يسلم الطبق الذي معه ويستلم الطبق الآخر، مضيفة أنها عادة جميلة فيها ترابط اجتماعي وتكافل تجتمع الأطباق من الجيران على مائدة الإفطار مشكله أنيقة مرتبة، كان صحن جدتي من الفخار الصيني مزركش بنقوش زرقاء رفيعة يجوب الشارع طيلة أيام الشهر الفضيل يتنقل من جارة إلى أخرى مرة يحمل براك وتارة أخرى تمر بالسويقة وتارة مبطن أو فتات وكانت تشرف على سكب الذوقة بنفسها يحمل إخوتي هذا الطبق وكل منهم يسبق الآخر فرحا وسرورا لطرق باب الجيران، بالنسبة لهذا الوقت أصبح من النادر أن نرى هذه العادة إلا في بعض المناطق والأحياء التي مازالت محافظة على هذه العادة.

“اختفاء الذوقة الرمضانية بسبب توسع الأحياء وكبر المدن”.
وأعربت المواطنة ’ فاطمة توكا ’، أرى أن هذه العادة اختفت أو شبه اختفت، حيث كان الجيران في السابق هم أنفسهم الذين كبرنا معهم نعرف أبناءهم كما نعرف إخوتنا ونتقاسم معهم تفاصيل الطفولة وأيام المدرسة وأفراح البيوت وأحزانها، كانت العلاقة ممتدة عبر الزمن ليس فقط مجرد سكن متجاور لذلك كان إرسال طبق طعام فعلا طبيعيا نابعا من ألفة حقيقية وليس مجرد مجاملة.
أما اليوم توسعت الأحياء وكبرت المدن، وابتعدت البيوت عن بعضها، لم نعد نعيش في حي واحد يعرف فيها الجميع بعضهم بالاسم والتاريخ، كثير من الجيران جدد قدموا من مناطق مختلفة أو انتقلنا نحن إلى أماكن لا تحمل ذاكرة مشتركة، ومع هذا التباعد المكاني جاء تباعد وجداني أيضا.
وتضيف كما أن الناس تغيروا و أصبح الحذر أكبر، والخصوصية أوسع والعلاقات أكثر تحفظا، الروابط لم تعد كما كانت ولم يعد الشعور بالجيرة وحده كافيا لصنع مودة عميقة، لهذا تراجعت العادة لأنها كانت انعكاسا لدفء العلاقات القديمة.
الذوقة ليست مجاملة بل هي توصية النبي ‘صل الله عليه وسلم’ .
تقول ‘عائشة عبدالرحمن’، ربة بيت ، أنا حريصة على تبادل الذوقة مع الجيران وهي عادة عربية أصيلة توارثناها منذ الأزل عن جداتنا الكريمات الطيبات ، لا يمر يوم إلا وأتبادل مع جيراني الأطباق ، وهم كذلك حريصون على ودي وجبر خاطري ، وتضيف الذوقة ليست مجاملة بل هي توصية النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال:” تهادوا تحابوا” فنحن من خلاله نعيد ترطيب جمود العلاقات الاجتماعية بيننا نتفقد الجيران ونوصي ببعض العائلات المستورة حولنا، وكذلك إخوتنا المهجرين من السودان وبقية دول المد الأفريقي نحاول قدر المستطاع تطبيق تعاليم ديننا الإسلامي السمح ، ولكم أن تتخيلوا ماذا يصنع طبق الشربة أو الموالح لأسرة تعاني ضنك العيش وتأخر المرتبات، لا تعتقدوا أن الجميع ميسور الحال فأنا أعرف عائلات مستورة ظلت على صيامها في أول أيام شهر رمضان المبارك بسبب الظروف المعيشية من غلاء في الأسعار وشح في السيولة لذلك أنصح الجميع بتفقد الجيران والأهل والأقارب.

“مع تراجع الاختلاط بين الجيران تتراجع مكانة الذوقة الرمضانية” .
وأضافت المواطنة ‘تسنيم السني’، أن التحولات الاجتماعية التي شهدتها المدن خلال السنوات الأخيرة أثرت بشكل واضح على حضور عادة الذوقة الرمضانية، حيث تراجع التفاعل اليومي بين الجيران نتيجة تغير أنماط السكن واتساع الأسر وكثرة الانشغالات الحياتية، الأمر الذي قلل من فرص التواصل المباشر بين سكان الأحياء.
وأوضحت أن عادة الذوقة ما زالت موجودة، لكنها أصبحت أكثر ارتباطًا بالجيران القدامى أو العلاقات التي سبقت الانتقال إلى الحي السكني، حيث تتحول إلى رمز للود المتجدد أكثر من كونها ممارسة يومية متكررة كما كان الحال سابقًا.
وأعربت عن أسفها لأن ضعف الاختلاط بين الجيران الجدد أدى إلى تراجع الاهتمام بهذه العادة لدى بعض الأسر، معتبرة أن الذوقة الرمضانية كانت في الماضي أحد أهم وسائل تعزيز الألفة داخل الأحياء، خاصة عندما كانت العلاقات الاجتماعية أكثر قربًا وتفاعلاً.
وأكدت السني أن عودة الذوقة الرمضانية بروحها الأصلية بوصفها وسيلة للتحابب والتراحم يمكن أن تسهم في تعزيز الترابط الاجتماعي داخل المجتمع، مشددة على أن استمرار هذه العادة، ولو بشكل بسيط ومحدود، يظل رمزًا للحفاظ على قيم المشاركة والانسجام بين الناس، دون أن يكون ذلك مرتبطًا بضغط اجتماعي أو التزام قسري. ” لا تقتصر على شهر رمضان فقط بل تمتد على مدار العام”
وقالت ربة المنزل ‘فاطمة عمر’، إن عادة الذوقة تمثل عرفًا ليبيًا أصيلًا متجذرًا في الحياة الاجتماعية، ولا يقتصر حضورها على شهر رمضان فقط، بل تمتد لتكون ممارسة اجتماعية تتكرر على مدار العام، وتزداد وضوحًا خلال الشهر الكريم، وترى أن الذوقة ليست مجرد تبادل للأطعمة، بل هي تعبير صادق عن قيم المشاركة والتواصل والتسامح بين الجيران والأقارب.
وأضافت أن هذه العادة تحمل بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا عميقًا، حيث يسعى الناس إلى إدخال الفرح إلى قلوب من حولهم عبر مشاركة ما تم تجهيزه من مأكولات، في مشهد يعكس روح العطاء التي تميز المجتمع الليبي، كما أشارت إلى حرص كثير من الأسر على نقل هذه العادة إلى الأجيال الجديدة باعتبارها جزءًا من الهوية الاجتماعية والتراث الثقافي.
وأكدت أن حجم الطبق ليس هو معيار القيمة، فحتى الكميات البسيطة تحمل معنى رمزيًا مهمًا، لأن الهدف ليس الإطعام فقط، بل تعزيز روابط الجيرة والمودة، فالذوقة لا تقتصر على الإفطار في رمضان، بل تظهر أيضًا في المناسبات الاجتماعية والدينية على مدار السنة.

واختتمت حديثها بالقول إن حركة الأطباق اليومية بين البيوت ليست مجرد تقليد عابر، بل هي إرث اجتماعي وتاريخي يحكي قصصًا طويلة من الكرم الليبي والتواصل الإنساني الذي توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.
“في طفولتي مر عليّ هذا المشهد مرارا وتكرارا”.
وأوضحت ‘زهرة موسى’، أن عادة “الذوقة” من العادات الجميلة في رمضان التي لم تنقطع، وما زالت حاضرة في بيوتنا رغم تغيّر الحياة الاجتماعية وتسارعها.
لا زلتُ حتى اليوم أتذكر كيف كانت أمهاتُنا، حين ينتهين من إعداد أصناف الإفطار، يجهزن حصة الجيران، قد تكون كأسًا مليئًا بـ”الهولي”، أو صحنًا من البراك، أو طبقًا مشكّلًا من الموالح؛ وقبل أذان المغرب كنّ يرسلننا ونحن صغار لنحمل الأطباق إلى بيوت الجيران ليتذوقوا منها، ولم يكن الصحن يعود يومًا فارغًا.
وأردفت أنه رغم انتقالنا من حينا القديم، وتغيّر الجيران، وكبرنا نحن أيضًا، بقيت العادة كما هي، تحمل الدفء ذاته والمعنى نفسه، الذوقة ليست مجرد تبادل طعام، بل هي تبادل محبة، وامتداد لروح رمضان القائمة على المشاركة والتقارب.

“الذوقة عادة أصيلة متوارثة من الأجداد لتعزيز الروابط الاجتماعية”.
وأردفت الموظفة ’ سعاد عبدالودود ’، أنا أنتظر شهر رمضان المبارك بكل شغف فبالإضافة إلى الروحانيات العظيمة التي تتخللها تفاصيل هذا الشهر هناك أيضا الذوقة اللذيذة فأنا مثلا لا يمكن أن أكسر صيامي كما يقولون بدون الشراب الساخن الذي ترسله لنا جارتنا الودودة العمة فاطمة قبل أذان المغرب بخمس دقائق وهو “ المديدة “ مشروب ساخن وصحي ومفيد تتقنه هذه الجارة الودودة منذ سنوات ، تعمله بكل الحب العفوي العربي الأصيل، هذا المشروب المصنوع من حبوب التغن “ الغلة “ والذي تتشاركه معنا نحن الجيران جعل لتفاصيل الشهر الكريم قيمة إنسانية مضاعفة وجعلنا ننتظره كل عام بكل لهفة، ومارسنا من خلال عادة الترابط الاجتماعي الجميل ، عمتي فاطمة بدون أن تقصد أهدتنا الود والحب من خلال كوبها المميز والذي حرصت على إرساله لنا مع حفيداتها الصغيرات مطلع كل رمضان وهي عادة أصيلة أتمنى صدقاً أن لا تنتهي.
“الوديدة لا تعرف الحدود بل تكسر الجليد مع الجار الجديد”
صرحت أستاذة علم الاجتماع الجنائي ومدير مكتب الدراسات العليا بكلية الآداب جامعة سبها ’د. مبروكة فراوي ’، على أن التذوق في رمضان وخاصة في أول يوم رمضان هي عادة أصيلة ومتوارثة، تهدف إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وأواصر المحبة وذلك بتبادل أطباق الإفطار اليومية، وخاصة بين الجيران القدامى والجدد حيث يحرصون على إرسال جزء من طعامهم قبل المغرب، مما يشد روابط المودة والكرم والمحبة ، لأنها لاتعرف الحواجز والحدود فلا تقتصر الوديدة أحيانا على جار واحد أو اثنين فحسب بل قد تمتد لتصل إلى الجيران القدامى وتكسر الجليد مع الجار الجديد في الحي أيضا.
كما يسهم في ترابط النسيج الاجتماعي، وتعزيز عمق الوصال الإنساني المتجذر في المجتمع الليبي خلال الشهر الفضيل، وعلاقات الجيرة وتفقد الجيران لبعضهم وهذه العادة مازالت باقية عند بعض الناس وخاصة في الأرياف والقرى والجيرة المقربة وخاصة ممن يسكنون في عمارة واحدة في المدن، ولو أن الكثير تخلوا عنها نتيجة المشاغل والظروف الحياتية.
وأضافت الفراوي، أن أصبحت تقل كما ذكرنا بين أغلب الأسر وخاصة في الأسر الجديدة إلا أن الأسر الكبيرة لازالت مستمرة عليها وخاصة العائلات الكبيرة التي لازال الجد والجدة والأمهات مستمرون عليها وينشؤون بناتهم وأبنائهم على مواصلة الجيرة والوديدة بينهم، بالنسبة لهذه العادة أعتبرها جسر المحبة والترابط بين الجيران واسترجاع لعادات الماضي الأصيلة فكونها عادة حسنة تزيد من أواصر المحبة والمودة كما أوصى الرسول على سابع جار.

“عادة الذوقة الرمضانية ليست معاملة تجارية”
وأشارت إلى أن الحديث عن إحراج بعض الأسر من عادة الذوقة يرتبط في الغالب بطريقة فهم المجتمع لهذه العادة، وليس بالعادة نفسها. فبحسب رأيها، لا تشكل الذوقة مصدر إحراج إلا إذا كان الجار يحمل نزعة التفاخر أو المقارنة الاجتماعية، لأن الذوقة في أصلها تقوم على المشاركة والتواضع، وليس على التنافس أو إظهار الفوارق بين الناس.

وأضافت أن قيمة الذوقة لا تقاس بكمية ما يُعاد في الطبق أو بمستوى ما يحتويه من طعام، فالمهم هو المعنى الرمزي المتمثل في التواصل الاجتماعي. فقد يرد الجار الطبق بما يتوفر لديه، ولو كان شيئًا بسيطًا مثل ثمرة فاكهة أو عبوة بسكويت أو حلوى موجهة للأطفال، أو قد يحتفظ بالطبق لديه حتى تتوفر لديه فرصة تجهيز شيء مناسب لإعادته في اليوم التالي، دون أن يكون ذلك ملزمًا بأي شكل من أشكال المقايضة أو المعاملة التجارية.
وأكدت أن هذه العادة الاجتماعية ساهمت عبر الزمن في تقليل مشاعر العداوة بين الجيران وتعزيز روح الألفة داخل الأحياء السكنية، لأنها تقوم على مبدأ المشاركة الطوعية والكرم المتبادل بعيدًا عن أي ضغط اجتماعي أو التزام شكلي.
وتتجلى هذه العادة في الثقافة الليبية كرمز غير مشروط دون مقابل بل يكمل جوهرها في النية الطيبة ولكنها كغيرها من العادات والتقاليد الليبية المتوارثة تعثرت على نحو كبير خلال فترة الحرب وما خلفته من ظروفها اقتصادية صعب.














