حاورتها : منى توكا شها
في البداية كانت الحركة… لا مساحة واسعة لم يكن المشهد في بداياته مهيئًا أو مشجعًا على ممارسة الرياضة، خصوصًا للنساء في الجنوب الليبي. لم تكن هناك صالات مجهزة، ولا معدات رياضية متوفرة، ولا حتى أماكن مخصصة تسمح بالحركة بحرية وأمان. كان الوضع مختلفًا، يقتصر على الزوايا الصغيرة داخل المنازل حيث تسللت سعدة عصمان إلى لحظات فراغها لتخوض تجربتها الشخصية مع الرياضة.

كانت تلك الغرف المغلقة، التي قد لا تتجاوز مساحتها بعض الأمتار، مسرحًا لصراع صغير بين الرغبة في الحركة وبين القيود المحيطة. في تلك الأماكن المحدودة، كانت سعدة تكرر تمارين الجمباز التي تربت عليها منذ طفولتها، محاولة أن تبني جسدًا قوياً وروحًا متجددة رغم كل الظروف المحيطة.
وكانت هذه البداية التي لم تكن محتفى بها ولا مشهورة، لكنها كانت أساسًا لرحلة طويلة من الإصرار والتحدي، انطلقت فيها الحركة من فراغات البيت إلى فضاءات أوسع، حيث بدأت تنمو فكرة توفير مكان آمن للنساء للتعبير عن طاقتهن من خلال الرياضة.
في الجنوب، حيث تواجه الرياضة النسائية قيودًا اجتماعية وعادات تحفظية، كانت سعدة تحاول ببساطة أن تعبر عن ذاتها كمرأة تتحرك بحرية، تستمع لجسدها، وتفرغ طاقتها بطريقة طبيعية.
“كنت أمارس الرياضة في البيت، في أي مكان أجد فيه فسحة للحركة. أبحث عن فرصة لتحريك جسدي، لأتنفس، لا أكثر.”
لكن هذه الحركة البسيطة لم تكن بلا معنى، كانت بذرة. ومرور السنوات كفيل بتحويل البذور إلى جذور.
* جمباز الطفولة بين التهميش والمثابرة.
منذ صغرها، عشقت سعدة الجمباز، وما زالت تمارسه حتى اليوم. لكن البيئة المحيطة لم تكن جاهزة لاحتضان هذا النوع من الشغف.
في الجنوب الليبي، لا يُنظر للرياضة النسائية على أنها ممارسة طبيعية، بل تُحاصرها الأحكام المسبقة: “الرياضة ليست للنساء”، “المرأة لا يُفترض أن تتعرّق”، “صالة التدريب مكان لا يليق بفتاة محترمة“.
“لم تكن الأمور سهلة. المجتمع هنا متقوقع. لا توجد ثقافة رياضية حقيقية، خصوصًا تجاه النساء. لكن بمرور الوقت، وبفضل الإنترنت، استطعنا أن نثبت أن الرياضة ليست عيبًا، بل حياة وصحة وثقة.”
كان هذا التحول المعرفي هو ما فتح الباب أمام سعدة لترى في الرياضة دورًا أكبر من مجرد نشاط جسدي.

* من الشغف الفردي إلى المشروع الجماعي.
نقطة التحوّل الكبرى جاءت حين لاحظت سعدة أن النساء من حولها يُعانين بصمت. ضغط نفسي، قلق، اكتئاب، عنف، عزلة… ولم تكن هناك بيئة آمنة لتفريغ كل ذلك. لا ملاذ ولا متنفس.
“عندما رأيت نساءً بحاجة للهروب من ضغط الحياة دون أن يجدن مكانًا يحتضنهن، قررت أن أكون جزءًا من صناعة هذا المكان. ليس فقط من أجل الرياضة، بل من أجل الصحة النفسية، من أجل خلق مساحة آمنة.”
وهكذا، وُلد نادي الشرارة النسائي بمدينة سبها. ليس بتمويل مؤسساتي، بل بإصرار ذاتي. ليس كصالة تدريب فقط، بل كحلم جماعي بدأ بخطوات فردية.
*الشرارة التي أضاءت الطريق
لم يكن من السهل إقناع النساء بالانضمام، ولا إقناع عائلاتهن بأن الرياضة ليست تهديدًا.
“كنت أُضطر للتحدث مع أزواج أو أولياء أمور المتدربات، لأشرح لهم فوائد الرياضة. وبعد فترة، الكثير منهم اقتنع عندما لمس الفارق في صحة وسلوك زوجاتهم أو بناتهم.”
حرصت سعدة على أن تجعل من التدريب تجربة متكاملة: ليس فقط حركات وتمارين، بل أيضًا دعم نفسي ومجتمعي.
“منذ البداية، أردت أن يكون أسلوبي مختلفًا. لا أريد أن تأتي المرأة لتتمرّن فقط، بل أن تخرج من الصالة أقوى نفسيًا، أكثر تصالحًا مع نفسها. أركز على الجانب النفسي والصحي إلى الجانب البدني.”

*حين يصبح التمرين علاجًا.
أكثر ما يمنح سعدة شعورًا بالفخر هو تلك اللحظة التي ترى فيها المرأة تغيّر نظرتها لنفسها.
نساء دخلن الصالة بهدف إنقاص الوزن فقط، ثم وجدن أنفسهن يستمررن في التدريب من أجل صحتهن النفسية والعقلية، وليس الشكل الخارجي فحسب.
“حين أرى امرأة تدخل الصالة مُنهكة، ثم تخرج مبتسمة، حين تخبرني بأنها باتت تنام جيدًا أو تشعر بخفة في جسدها وروحها، أعلم أن ما نفعله حقيقي.”
* فلسفة النادي: الجسد والعقل والروح.
نادي الشرارة لم يُبنَ ليكون نسخة مكررة من نوادٍ رياضية تجارية، بل ليكون بيتًا.
“نادي الشرارة هو مساحة للراحة النفسية أولاً. مكانٌ يُشبه النساء، يراعي مشاعرهن، يحتضن أجسادهن دون إصدار أحكام، ويبني معهن شبكة من الدعم الحقيقي.”
ورغم أن الموارد محدودة، تسعى سعدة إلى توفير الدعم النفسي عند الحاجة، بالتعاون مع أخصائيات متطوعات، أو من خلال رصد الحالة العامة للمتدربات والتفاعل معهن إنسانيًا.
* نحو مبادرة داعمة للمتعافيات من الأورام.
من المبادرات المنتظرة التي تعمل عليها سعدة بالشراكة مع مؤسسة بيت فزان، مبادرة خاصة لاحتضان النساء المصابات بالسمنة المفرطة أو المتعافيات من الأورام. المبادرة لم تنطلق بعد، لكنها في طور التحضير.
“بالتعاون مع الأستاذة عائشة يوسف من مؤسسة بيت فزان، نحضّر لإطلاق مبادرة تُمكّن هذه الفئة من النساء نفسيًا وبدنيًا. هناك نساء لا يعرفن أن الرياضة بعد التعافي يمكن أن تكون أداة علاج. نريد أن نُوصل لهن هذه الرسالة.”
تأمل سعدة أن تتلقى هذه المبادرة الدعم الكافي، خصوصًا وأنها تستهدف فئة مهمشة وغير مرئية غالبًا في البرامج الرياضية التقليدية.
* الرياضة كأداة لاستعادة الذات
في كل مرة ترى فيها سعدة امرأة تعود لصوت جسدها، تستعيد شيئًا من صوتها الداخلي.
“الرياضة تجعل المرأة تشعر بأنها تملك زمام جسدها. أنها تتحكم فيه، لا يُفرض عليها. هذا ينعكس على قراراتها، على حضورها، على قدرتها في الحياة. هي وسيلة للاستقلال، خاصة في المجتمعات التي تُقيّد حرية المرأة.”

* نحو كسر الصورة النمطية.
وتؤكد سعدة أن من أهم المعارك في هذا المجال هو كسر الصورة السطحية المرتبطة بالرياضة النسائية: تلك التي تختزلها في الرشاقة أو المظهر.
“نحتاج لتقديم نماذج مختلفة. نساء مارسن الرياضة كعلاج من الاكتئاب، أو للخروج من الصدمات. نحتاج أن نحكي قصصهن، أن نُظهر كيف أن التمرين كان طريقًا للشفاء، لا مجرد وسيلة لإنقاص الوزن.”
* هل من دعم كافٍ؟
تسعى سعدة لتوسيع الحملات التوعوية، خصوصًا في المدارس والمراكز الصحية، لكنها تواجه صعوبات تمويلية.
“بدأنا شراكات مع مؤسسة بيت فزان، ونتمنى أن نحصل على دعم أكبر. لدينا طموحات لتكثيف البرامج التوعوية، لأن كثيرًا من الفتيات لا يدركن أن أجسادهن تستحق الحركة، لا الصمت فقط.”
* الإعلام… هل يواكب التحول؟
رغم وجود بعض التغطية الإعلامية، ترى سعدة أن الإعلام المحلي ما زال بعيدًا عن تقديم صورة واقعية عن الرياضة النسائية.
“نادي الشرارة يستحق تغطية أوسع. نحتاج إلى قصص تُروى، ونقاش يُفتح، وصورة إيجابية تُنقل عن التغيير الذي يحدث.”
* الطريق نحو الاحتراف المؤسسي.
تقول سعدة إن ما ينقص الرياضة النسائية في الجنوب لتصل إلى مستوى مؤسساتي مستدام هو الدعم المالي، والمساحات، والتنوع في التخصصات الرياضية.
“نحتاج إلى منشآت خاصة بالنساء، إلى تدريب مُتاح في رياضات مختلفة، ليس فقط اللياقة. نحتاج إلى استقرار مالي ومجتمعي حتى يتحوّل الشغف إلى نظام دائم.”
* رسالة إلى كل امرأة مترددة
في ختام حديثها، توجّه سعدة رسالة حقيقية لكل امرأة تتردد في اتخاذ الخطوة الأولى:
“لا تنتظري من يشجعكِ. كوني أنتِ المشجعة الأولى لنفسك. الرياضة ليست لمن يملكن جسدًا مثاليًا، بل لمن يملكن الرغبة في التغيير. حتى تمرين بسيط في غرفتك هو بداية. كل مرة تتحركين فيها، تكتشفين أنكِ أقوى من ترددك. لا تدعي الخوف ولا كلام الناس يسرق منكِ الحلم.”













