- رمضان كرنفودة.
لا تزال ليبيا تدور في حلقة مفرغة. كلما اقترب موعد استحقاق انتخابي، ارتفعت أصوات النقاش حول القوانين الانتخابية وتعديلاتها، وكأن الحل السحري يكمن في سطر يُضاف هنا أو مادة تُحذف هناك. ولكن الحقيقة التي تتجاهلها النخب وتتهرب منها الأحزاب هي أبسط وأقسى: المشكلة ليست في الورق، بل في الثقة التي أحرقت بين الناخب الليبي وصندوق الاقتراع.
1. عزوف واضح،حتى في الانتخابات المحلية.
شهدت آخر انتخابات للمجالس البلدية في عدد من المدن الليبية عزوفًا لافتًا. نسب المشاركة التي لم تتجاوز في بعض البلديات حاجز العشرين بالمئة، كانت صفعة واضحة لكل من يراهن على أن “الانتخابات المحلية أسهل وأقرب للمواطن”.
الناخب الليبي لم يعد يسأل “من المترشح؟” بل صار يسأل “وماذا بعد؟”.
عندما ينتخب المواطن مجلسًا بلديًا ثم يجد نفس الأزمات تتفاقم، ونفس الوعود تتبخر، فإن صندوق الاقتراع يتحول في وعيه من أداة للتغيير إلى طقس شكلي بلا جدوى.
2. أزمة لقمة العيش تسبق أزمة الشرعية.
كيف نطلب من المواطن أن يفكر في البرنامج الانتخابي، بينما يفكر ليل نهار في قارورة البنزين؟
كيف نحدثه عن مستقبل الدولة، والكهرباء تتذبذب لساعات، والمرتبات تتأخر، وغلاء الأسعار يلتهم ما تبقى من الدخل؟
لا استقرار اقتصادي، لا مشاركة سياسية. هذه معادلة بسيطة يفهمها كل بيت ليبي.
من يستطيع أن يصل إلى مركز الاقتراع وهو يقف في طابور الوقود من الفجر؟ ومن يضمن أن تصل النتيجة الانتخابية إلى شيء ملموس على الأرض، بينما الأزمات اليومية تنخر في صلب الدولة؟ شح الوقود، انقطاع التيار، انهيار الخدمات… كلها رسائل يومية تقول للمواطن: “صوتك لن يغير شيئًا”.
3. من يعيد الثقة؟
إعادة الثقة بين الناخب والصندوق لا تبدأ في قاعات المفاوضات، بل تبدأ في الشارع.
1. الصدق قبل القانون: لا نحتاج قانونًا انتخابيًا معجزة. نحتاج نخبًا تفي بما وعدت به، حتى لو كان بسيطًا. ثقة واحدة تُبنى خير من ألف مادة قانونية.
2. الخدمات قبل الشعارات: لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظل دولة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة. معالجة أزمة الوقود والكهرباء والمرتبات هي الخطوة الأولى لإقناع المواطن بأن صوته له قيمة.
3. محاسبة حقيقية: المواطن يريد أن يرى من أخفق يُحاسب، ومن سرق يُحاكم. بدون ذلك، سيظل يرى في الانتخابات مجرد تدوير لنفس الوجوه بنفس النتائج.
الخاتمة: الصندوق فارغ بدون المواطن.
يمكننا أن نصدر أفضل قانون انتخابي في العالم، ويمكننا أن نستورد أفضل الخبراء لمراقبة العملية. ولكن إذا بقي الصندوق فارغًا، فسنكون قد احتفلنا بديمقراطية بلا ديمقراطيين.
ليبيا لا تحتاج إلى قانون جديد بقدر ما تحتاج إلى “عقد اجتماعي جديد” يعيد للناخب إيمانه بأن صوته قادر على تغيير واقعه.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه الجميع اليوم ليس: “ما هو القانون الأنسب؟” بل: من يستطيع إعادة الثقة بين الليبي وصندوق الاقتراع؟
ومن يجيب عن هذا السؤال، هو وحده من يملك مفتاح الخروج من الأزمة.














