- ابوبكر بن خيلب | استاذ القانون جامعة سبها
تواجه المجتمعات المعاصرة تحديات أمنية واجتماعية متداخلة، ولعل من أخطر هذه التحديات في الواقع المحلي هو التلازم الجرمي بين نمو ظاهرة العمالة غير الشرعية، واستغلال بعض أفرادها من قبل شبكات الجريمة المنظمة لتدوير تجارة السموم وتوصيلها.
لم يقف المشرّع الليبي مكتوف الأيدي أمام هذه المخاطر التي تهدد السكينة العامة وصحة المجتمع، بل وضع سياجاً تشريعياً حازماً يتكامل فيه القانون الجنائي العام مع القوانين الخاصة؛ لتجريم كل سلوك يسهم في تيسير هذه الجرائم، سواء بالبيع والترويج، أو بالإيواء والتسهيل.
أولاً: إيجار المنازل للعمالة غير الشرعية في ضوء القانون الجنائي
لا تقتصر المسؤولية الجنائية على من يباشر الجرم بنفسه، بل تمتد لتشمل كل من يهيئ له بيئة حاضنة.
إن قيام بعض ملاك العقارات بإيجار المنازل لعمالة غير شرعية (دون التثبت من الوضع القانوني والإجراءات الرسمية للإقامة) يضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية.
ووفقاً للقواعد العامة في قانون العقوبات الليبي، وقانون تنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا وخروجهم (القانون رقم 6 لسنة 1987 وتعديلاته)، فإن إيواء أجانب لا يحملون إقامة مشروعة أو تسهيل بقائهم يعتبر جريمة معاقباً عليها بالحبس والغرامة المالية.
وتزداد العقوبة غلظة وتكييفاً إذا ثبت أن هذا الإيواء تم مع العلم بأن المكان يُستغل كنقطة انطلاق لأعمال غير مشروعة، حيث يعتبر صاحب العقار في بعض الحالات شريكاً بالمساعدة في تهيئة المأوى لتسهيل ارتكاب الجريمة.
ثانياً: تشديد العقوبات على بيع وترويج وتوصيل المخدرات
عند الانتقال إلى عمق النشاط الإجرامي المتمثل في إدارة تجارة المخدرات، نجد أن المشرّع الليبي أفرد قانوناً خاصاً يتسم بأعلى درجات الردع، وهو القانون رقم 7 لسنة 1990 بشأن المخدرات والمؤثرات العقلية. هذا القانون لا يفرق في العقوبة الجسيمة بين من يبيع، أو يروج، أو يتوسط، أو يوصل (ينقل) هذه المواد، بل يعتبرهم جميعاً حلفاء في تدمير بنيان المجتمع.
وقد نصت المادة (35) من القانون رقم 7 لسنة 1990 بكل وضوح على عقوبة الإعدام لكل من هرب مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية أو استوردها أو صدّرها قبل الحصول على ترخيص.
أما في سياق الاتجار والترويج والتوصيل الداخلي، فقد نصت المادة (36) من ذات القانون على عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، وبغرامة مالية باهظة، لكل من حاز أو اشترى أو باع أو سلّم أو نقل أو فضّ أو شحن مواد مخدرة، أو تنازل عنها أو تبادلها أو تصرف فيها بأي صفة كانت، أو توسط في شيء من ذلك، وكان ذلك بقصد الاتجار فيها في غير الأحوال المرخص بها قانوناً.
كما أضاف المشرّع الليبي في المادة (37) عقوبة السجن المؤبد لكل من أدار أو أعد أو هيأ مكاناً بمقابل أو بغير مقابل لتعاطي المخدرات أو المتاجرة بها، وهو نص يمس بشكل مباشر أصحاب العقارات والمنازل المؤجرة التي تتحول إلى أوكار لهذه الشبكات، حيث تشملهم العقوبة بمجرد ثبوت علمهم وتسهيلهم لتهيئة هذا المكان.
إن المشرّع الجنائي الليبي كان حاسماً ولم يترك ثغرة تتسلل منها شبكات الترويج والتوصيل، واعتبر أن حماية العقل البشري والأمن الوطني تتقدم على كل اعتبار.
وتتضاعف هذه العقوبات وتصل حتماً إلى حدها الأقصى (الإعدام) إذا ارتكبت الجريمة بالاشتراك مع عصابات دولية، أو إذا استُغلت فيها عمالة وافدة غير شرعية لإخفاء معالم الجريمة وتوزيعها.
إن الوعي بهذه النصوص الصارمة يفرض على كل مواطن ومؤجر ضرورة التدقيق في هويات المستأجرين وإبلاغ الجهات الضبطية عن أي تحركات مشبوهة، فصيانة أمن الوطن ومحاربة السموم هي مسؤولية تضامنية تبدأ من وعي المواطن بالقانون والالتزام به.














