بين التسامح والقطيعة… أين تمضي عائلاتنا؟

بين التسامح والقطيعة… أين تمضي عائلاتنا؟

  • أحمد التواتي

الحمدلله الذي أطعمنا نعمة  السلام العائلي ففي الوقت الذي  تبحث فيه العائلات خلال الأعياد والمناسبات الاجتماعية  عن الاحتواء الأسري وصلة  الرحم ولمة الأحباب نجد أن  الخلافات الصغيرة والفتن  العائلية التي تبدأ أحياناً بين  الأطفال أو النساء تمتد بين  الإخوة وأبناء الأخوات و تصنع  فجوات كبيرة في البيوت  والعلاقات.

وهنا يبرز تساؤل مهم: لماذا  أصبحت الخلافات الأسرية قادرة على تفكيك علاقات

 امتدت سنوات طويلة؟ وهل فقدت العائلة شيئاً من قيم  الحوار والتسامح التي كانت

 تحفظ تماسكها في الماضي؟

 أصبحت اللقاءات في الأعياد  والمناسبات أمراً مُرهقاً للبعض  لا لغياب المحبة فقط، بل خوفاً

 من تجدد المشكلات أو حفاظاً  على السلام النفسي وتجنباً  للحساسيات الاجتماعية فيما

 يبرر كثيرون ذلك تحت مسمى  “حفظ الحقوق”. لكن الحقيقة أن الأسرة التي يغيب عنها التسامح والحوار الصادق تتحول فيها المناسبات من مساحة للود وصلة الرحم إلى لقاءات شكلية تخلو من المودة الحقيقية رغم أن أجمل ما في العائلة هو الأمان والاحتواء لا المجاملات المؤقتة.

ولعل ما يزيد من اتساع هذه الخلافات في وقتنا الحاضر هو تغير نمط الحياة وتسارع وتيرتها، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تثقل كاهل الكثير من الأسر. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي أحياناً في تضخيم سوء الفهم ونقل الخلافات إلى مساحات أوسع، وهكذا تتحول مواقف بسيطة كان يمكن تجاوزها إلى خلافات طويلة الأمد تترك أثرها على العلاقات الأسرية.

ومن خلال لقاءاتي مع عدد من المعارف والأصدقاء لاحظت أن كثيرين باتوا يفضلون البقاء بمفردهم في الأعياد والابتعاد عن التجمعات العائلية ليس حباً في العزلة، إلا أنه هروباً من تراكمات قديمة ومشكلات لم تُحل بين الإخوة أو أبناء العمومة، وللأسف مع الأباء أيضاً.

المؤلم في الأمر أن الأعياد خُلقت لتجديد المحبة وصلة القلوب، لكنها للأسف عند البعض أصبحت تذكيراً بالخلافات والقطيعة ، ” في السابق

 كانت كلمة الأب  أو كبير العائلة تُحترم وتقدر لا خوفًا منه، بل  حباً وهيبة ومكانة اكتسبها

 بحكمته وخبرته وحرصه على  مصلحة الجميع. وكانت التربية  القائمة على الأخلاق والاحترام  وغرس القيم الأصيلة سبباً رئيسياً في ترابط الأسرة  واستقرارها حيث نشأنا على

 تقدير الكبير، وصلة الرحم  والتسامح فترسخت هذه  المبادئ في النفوس كالجذور  الراسخة والأثر الطيب الذي لا  يزول.

ومع تراجع قيم التسامح وصلة  الرحم داخل بعض الأسر، لا  تقتصر آثار القطيعة على  إضعاف العلاقات الاجتماعية  فحسب، ولكنها  تمتد إلى  المساس بإحدى القيم التي حث

 عليها الدين الإسلامي وهي صلة  الرحم وقد جاء التحذير من  القطيعة واضحاً في قوله تعالى:

 ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا

 أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22] ،  كما  أكدت السنة النبوية فضل صلة  الرحم : عن أمِّ المؤمنين عائشة

 رضي الله تعالى عنها قالت: قال  رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ،  ومَن قطعني قطعه اللهُ))؛ (مسلم).

ومن هنا تبرز أهمية المبادرة إلى  الإصلاح وعدم الاستسلام  للخلافات مهما طال أمدها،

 فالعلاقات الأسرية لا تُبنى على  الكمال، ولكنها أيضا تحتاج إلى  التسامح والقدرة على تجاوز

 الأخطاء.

يبقى الإصلاح ممكناً متى ما  وُجدت النية الصادقة، فبعض  العلاقات لا تحتاج إلا إلى كلمة

 طيبة، أو تنازلٍ بسيط، أو قلبٍ  يتسع للعفو والتسامح، لأن  أجمل ما يحفظ العائلات ليس

 كثرة اللقاءات، بل صدق المحبة ودفء المودة وحسن الظن بين  أفرادها.

ومن هنا تكتسب الاجتماعات  العائلية التي تتجدد كل أسبوع  أو شهر قيمتها الحقيقية، فهي

 نعمة جليلة وفرصة متجددة لتقوية الأواصر وتجديد الود وصلة الأرحام. فاعرفوا قدرها

 واحفظوا مكانتها واستقبلوا  أهلها بقلوب صافية قبل الأيادي  المتصافحة، فإن صفاء القلوب

 هو روح اللقاء وسر بقائه،  وبغيره تبقى الأجساد حاضرة  والقلوب متباعدة.

ختاماً: تبقى العائلة السند الأول  والملاذ الأدفأ، وما يضمن  استمرارها متماسكة ليس غياب

 الخلافات، بل القدرة على  تجاوزها بالمحبة والعفو والحكمة. فاحرصوا على ما  يجمعكم وداووا ما يفرقكم فالأيام تمضي ولا يبقى أجمل  من قلبٍ صافٍ ورحمٍ موصولة وذكرى طيبة تترك أثراً في  النفوس فالعائلات القوية لا  تُقاس بكثرة أفرادها بل بقدرتها  على البقاء متماسكة رغم كل ما  مر بها.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :