حقوق ذوي الهمم ومصابي التوحد في القانون الليبي: من التهميش الاجتماعي إلى الالتزام التشريعي

حقوق ذوي الهمم ومصابي التوحد في القانون الليبي: من التهميش الاجتماعي إلى الالتزام التشريعي

  • د.أ: أبوبكر بن خيلب.

​يُقاس رقي المجتمعات وعدالة منظومتها التشريعية بما تسبغه من حماية ورعاية لفئاتها الأكثر احتياجاً للدعم، وفي مقدمتهم ذوو الهمم ومصابو طيف التوحد.

ولطالما عانت هذه الفئات من التهميش أو النظر إليها بمنظور “الرعاية الإحسانية” بدلاً من “الاستحقاق القانوني الأصيل”، إلا أن القانون الحديث ينظر إلى حقوق ذوي الإعاقة ومصابي التوحد باعتبارها حقوقاً مواطنية واجبة النفاذ، تلزم الدولة ومؤسساتها بتوفير الحماية القانونية، والدمج المجتمعي، والفرص التكافؤية دون أي تمييز.

​يقوم البناء التشريعي لحماية ذوي الهمم في ليبيا على مرتكزات قانونية متعددة، في مقدمتها القانون رقم 5 لسنة 1987 بشأن المعاقين وتعديلاته، والذي يُشكل الإطار العام للحماية الاجتماعية والصحية والمعيشية.

وقد نص التشريع صراحة على التزام الدولة بتقديم رعاية شاملة تضمن الإيواء، والعلاج، والأجهزة التعويضية، والتعليم، والتدريب التأهيلي، كما أقرّ القانون حق ذوي الإعاقة في الحصول على معاش ضماني يكفل لهم حياة كريمة، إلى جانب منحهم إعفاءات جمركية وضريبية على الوسائل والمعدات المعينة لدمجهم في الحياة العامة.

​وفي إطار تمكين هذه الفئة اقتصادياً واجتماعياً، أرسى التشريع الليبي مبدأ “الاستيعاب المباشر” في سوق العمل، حيث أوجب على الجهات العامة والشركات التزام نسبة محددة من الوظائف لصالح ذوي الهمم ممن يتمتعون بالكفاءة والقدرة على العمل.

ولا يقتصر التكليف القانوني على التعيين فحسب، بل يمتد لتهيئة بيئة العمل لتناسب احتياجاتهم الخاصة، بما يمنع أي شكل من أشكال التمييز الجسدي أو الوظيفي ضد العاملين من هذه الفئة.

​أما فيما يتعلق بمصابي طيف التوحد، فإن الوضع التشريعي يتطلب قراءة خاصة تحمي حقوقهم بصفتهم ذوي احتياجات نمائية وصحية استثنائية.

وعلى الرغم من أن التشريعات العامة تكفل لهم الرعاية بموجب أحكام قانون الطفل (رقم 5 لسنة 2002) وقانون المعاقين، إلا أن التطبيق العملي يستوجب إلزام الدولة بتأسيس واستدامة مراكز تخصصية للتأهيل التكتيكي والسلوكي، وتوفير الكوادر الطبية والتربوية المؤهلة.

ويتكامل هذا الحق مع القانون رقم 20 لسنة 1998 بشأن تقديم الرعاية الصحية، الذي يفرض على وزارة الصحة والجهات التابعة لها تقديم خدمات التشخيص المبكر والدعم النفسي والطبي الشامل لمصابي التوحد ودعم أسرهم مجاناً.

​ويشكل الدمج التعليمي حجر الزاوية في منظومة الحقوق القانونية لذوي الهمم ومصابي التوحد؛ إذ يمنح التشريع الليبي واللوائح التعليمية الصادرة بموجبه الأطفال من هذه الفئة الحق المطلق في الالتحاق بالمؤسسات التعليمية العامة والخاصة، ويرفض أي مسلك إداري يهدف إلى استبعادهم أو حرمانهم من التعليم بدعوى عدم جاهزية المدرسة.

وتلتزم المدارس قانوناً بتوفير الترتيبات التيسيرية المعقولة، كتهيئة المناهج وتوفير الأخصائيين

 النفسيين والاجتماعيين والمساعدين التربويين لمرافقة الطفل داخل الفصل الدراسي.

​إن الانتقال بحقوق ذوي الهمم ومصابي التوحد من دائرة التعاطف الاجتماعي إلى نطاق الالتزام التشريعي الواجب هو المحك الحقيقي لسيادة القانون.

فالإعاقة أو اضطراب التوحد لا يُسقط الصفة القانونية ولا ينتقص من المواطنة؛ وتفعيل النصوص القانونية القائمة، مع ردم الفجوات الإجرائية في التطبيق الميداني، يظل هو الضمانة الوحيدة لبناء مجتمع دامج يستوعب كافة أبنائه ويحمي كرامتهم الإنسانية.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :