حين لا ينصف الوطن أبناءه: حكايات من أحياء سبها العشوائية

حين لا ينصف الوطن أبناءه: حكايات من أحياء سبها العشوائية

تقرير/ سلمى عداس.

في سبها، لا تبدأ الفوارق الاجتماعية من مستوى الدخل فقط، بل من العنوان نفسه. من الحي الذي تسكنه، يُرسم لك — أحيانًا دون أن تشعر — موقعك في المجتمع، وكيف يُنظر إليك، وما الذي يُتوقع منك، وما الذي يُستبعد عنك.

هناك أحياء في المدينة لا تُذكر في خطط التنمية، ولا تظهر في نشرات الأخبار إلا حين تقع فيها مشكلة، ولا تدخل الذاكرة العامة إلا بوصفها “مناطق صعبة” أو “أحياء هامشية”. لكن خلف هذه التسميات يعيش بشر كاملون: أطفال، وشباب، وفتيات يحملون أحلامًا عادية في حياة كريمة.

ورغم التهميش والإهمال، لم تكن هذه الأحياء يومًا عبئًا على المدينة. منها خرج أطباء، ومعلّمون، ورياضيون، ونشطاء، وشخصيات لعبت أدوارًا حقيقية في سبها وليبيا، وهو ما يجعل اختزالها في صورة الفقر أو المشكلة ظلمًا مضاعفًا لها ولمن يسكنها.

هذا التقرير لا يتناول هذه الأحياء كمساحات جغرافية فقط، بل كمساحات نفسية واجتماعية تشكّلت فيها أجيال تحت ضغط الوصم، ونظرة المجتمع، والحرمان من الفرص المتساوية في التعليم والعمل.

نستمع هنا إلى أصواتهم لا ليشكون فقط، بل ليحكوا كيف عاشوا، وكيف قاوموا الوصم، وكيف حاولوا أن يصنعوا لأنفسهم مكانًا في مجتمع كثيرًا ما عاملهم كعبء لا كطاقة بشرية.

هذه ليست قصص فقر فقط، بل قصص كرامة تُختبر كل يوم، وحرمان من الاعتراف والاحترام والفرص العادلة.

في هذا التقرير نحاول أن نفهم كيف تصنع المدينة طبقاتها الصامتة، وكيف يمكن كسر هذا الحاجز غير المرئي بين الأحياء، وبين البشر.

حين يولد الطموح في المكان الخطأ.

وُلد أحمد في حي من الأحياء العشوائية في سبها، في مكان يسميه الناس “الزينقوات”  أحياء مبنية تحت الصفيح، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لكنها كانت بالنسبة له الطفولة، والبيت، والبداية.

لم تكن الحياة هناك سهلة، ولا نظرة الناس

يقول أحمد إن زملاءه في المدرسة كانوا يعايرونه بسبب الحي الذي يسكن فيه، وكان يشعر بالخجل حين يُسأل عن عنوانه.

 أحيانًا كان يتجنب الإجابة، وأحيانًا يغيّر الموضوع، ليس لأنه لا يحب مكانه، بل لأنه كان يخشى نظرة الآخرين قبل أن يعرفوه.

كنت أستحي أن أقول لهم أين أسكن”، يقول أحمد، “لكنني كنت دائمًا متفوقًا، كنت أريد أن أُثبت أن الإنسان لا يُقاس بمكانه، بل بما يصنعه”.

رغم الحياة الصعبة، لم يسمح أحمد لظروفه أن تصبح عذرًا. كبر، وتعلّم، وتمسّك بحلمه أن يكون أفضل مما رسمته له البيئة من حوله. لم يكن طموحه مجرد هروب من الواقع، بل محاولة لصنع واقع آخر، أكثر عدلًا، وأكثر كرامة.

كنت أريد أن أكون أفضل ”،يقول،“وأفضل ليس فقط من الآخرين، بل من الحياة التي عشتها. أردت أن أبني لنفسي مستقبلًا لا يشبه الماضي الذي وُلدت فيه”.

قصة أحمد ليست استثناء بقدر ما هي مرآة لكثير من شباب الأحياء المهمشة في سبها، شباب يولدون في ظروف صعبة، يحملون معهم وصمًا اجتماعيًا لم يختاروه، لكن بعضهم يقرّر أن لا يسمح لهذا الوصم أن يكون النهاية.

في مدينة قُسّمت أحياؤها إلى مركز وهامش، يذكّر أحمد بأن الطموح يمكن أن يولد في أكثر الأماكن قسوة، وأن الإنسان ليس ابن الحي الذي وُلد فيه فقط، بل ابن الخيارات التي اتخذها لاحقًا.

نحن هنا… لكننا غير مرئيين.

يقول ع.ص، شاب من حي التحرير  في مدينة سبها. أكتب هذه الكلمات لا لأشتكي فقط، بل لأقول إننا هنا، وإننا نعيش، وإن لنا حقًا في أن نُرى ونُسمع. نحن نرى التنمية تمرّ من حولنا، نرى الجسور تُبنى، والمطار يتطوّر، والمشاريع الكبرى تُنجز، ونفخر بها لأنها إنجازات لمدينتنا، لكننا نشعر في الوقت نفسه أننا نقف خارج هذه الدائرة، نراها تمرّ ولا تصل إلينا، بينما واقعنا اليومي يزداد قسوة، وخدماتنا الأساسية تتآكل بدل أن تتحسن.

في حي التحرير، نعيش أزمة حقيقية في أبسط تفاصيل الحياة. الآبار السوداء خرّبت أساسات بيوتنا، والمياه الجوفية المالحة أفسدت الأرض وما تبقى من الزراعة، والظلام يحيط بنا رغم وجود شركة الكهرباء داخل الحي، وتخنقنا الأسلاك العشوائية والكلاب الضالة، وتتحول الرمال إلى عائق دائم في طرق لم تُعبد يومًا. أما الصحة، فتكاد تكون غائبة؛ عيادة لا تعمل طوال اليوم، بلا تجهيزات كافية ولا أمصال للعقارب، في منطقة تنتشر فيها الحشرات السامة والأمراض الناتجة عن غياب الصرف الصحي وانتشار العمالة غير المنظمة.

مطالبنا ليست كبيرة ولا سياسية، بل إنسانية وبسيطة: نريد طرقًا معبّدة، وإنارة، وحلولًا لمشكلة المياه الجوفية، وترميمًا لبيوتنا المتهالكة، ومرافق خدمية كالسجل المدني والمصارف ومركز الشرطة، ومستشفى عامًا يلبّي حاجات السكان، ومسجدًا جامعًا يكون فضاءً روحيًا واجتماعيًا، ومراكز رياضية ومهنية تفتح أمام شباب الحي باب العمل بدل الانتظار والبطالة.

وأقولها بوضوح: نحن لسنا ضد التنمية، بل نريد أن نكون جزءًا منها. لسنا عبئًا على الدولة، بل مواطنون فيها. لا نطلب امتيازًا، بل حقًا في أن نعيش حياة كريمة مثل بقية أبناء هذا الوطن.

أناشد صندوق التنمية وإعمار ليبيا والقيادة العامة للقوات المسلحة أن يلتفتوا إلى حي التحرير كما التفتوا إلى بقية سبها، وأن يحوّلوا هذا الألم إلى بداية حياة. نحن نثمّن ما تحقق للمدينة من إنجازات، ونثق أن اليد التي عمّرت الجسور والمطار قادرة على أن تعمّر حيّنا أيضًا، وأن تثبت أن التنمية لا تكون عادلة إلا حين تشمل الجميع.

نحن أول من يسقط عليه الخطر

تقول شابة من سكان حي الكرامة في سبها إن سكان الحي “ليبيون، لكنهم يعيشون كما لو كانوا خارج الدولة”، مضيفة أن أوضاع الحي “مزرية جدًا، ولا تحظى بأي التفات جدي من الجهات الرسمية”، وموضحة أن الحي “عشوائي بالكامل، ومعظم البيوت فيه مبنية من الصفيح”.

وتابعت أن موسم الأمطار الذي يكون “نعمة على بقية البلاد، يتحول إلى نقمة علينا”، قائلة: “في عام 2024 غرقت بيوتنا بالكامل، وتهدمت بعض المنازل، وكلما نزل المطر نخاف أن نفقد طفلًا أو أحد أفراد العائلة. لا يكاد ينزل مطر إلا ويكون هناك وفاة أو إصابة أو مأساة”.

وأضافت أن الحي يقع في “موقع خطير جدًا”، موضحة: “نحن قريبون من مخارج المدينة، وبجوار أسواق المرمية، وإذا حدث أي اشتباك أو مشكلة، نكون نحن أول من يسقط عليه القذائف، وقد تضررنا كثيرًا عندما تم تفجير مواقع حيوية قريبة منا”.

ونوهت إلى أن سكان الحي يعانون أيضًا من غياب الاعتراف الرسمي، قائلة: “كثير منا لا يملك رقمًا وطنيًا، والناس يعاملوننا كأننا أجانب، رغم أننا ليبيون. نحن فقط ضحايا نزوح طويل منذ سنوات، بسبب الحروب والمشاكل على الحدود، فتجمعنا هنا من مناطق مختلفة، لكن الدولة لم تضع لنا حلًا منذ 2011، بل وحتى قبل ذلك”.

وقالت الشابة، التي تعمل ممرضة في الحي، إن الوضع الصحي كان “شبه منعدم”، موضحة: “في البداية كانت عيادتنا مجرد بيت من الصفيح نعالج فيه الناس، لكن بعد أن قام صندوق التنمية والإعمار بتجديده أصبحت لدينا عيادة محترمة نستطيع العمل فيها، وهذا مثال على أن الحل ممكن إذا وُجدت الإرادة”.

وختمت بالقول: “نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن نعيش حياة كريمة مثل بقية أحياء سبها. أطفالنا يستحون من قول أين يعيشون، وليس ذنبهم ولا ذنبنا أننا ولدنا هنا أو نزحنا إلى هنا. نريد من صندوق الإعمار أن يلتفت إلى حي الكرامة كما التفت إلى غيره، لأننا بشر مثل غيرنا، ونستحق أن نُعامل كذلك”.

الوصم الاجتماعي في سبها: جرح غير مرئي.

تقول الأخصائية الاجتماعية فاطمة الوافي إن العيش في الأحياء المهمشة في سبها والجنوب لا يترك أثرًا ماديًا فقط، بل يخلّف أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا على سكانها، خصوصًا الأطفال والشباب. وتوضح أن المجتمع في كثير من الأحيان لا ينظر إلى هذه الأحياء بوصفها أماكن سكن، بل بوصفها “هوية اجتماعية سلبية”، تُلصق بمن يسكنها وترافقه في المدرسة، والعمل، والعلاقات الاجتماعية.

وتضيف الوافي أن سكان هذه الأحياء يكبرون وهم يشعرون أنهم مطالبون دائمًا بتبرير أنفسهم والدفاع عن قيمتهم، لا لأنهم أقل، بل لأن نظرة المجتمع تضعهم في خانة الريبة أو الدونية قبل أن يُعرفوا كأفراد. “هذا يولّد شعورًا دائمًا بالنقص، أو بالعكس، سلوكًا دفاعيًا حادًا، وقد يدفع البعض إلى الانسحاب الاجتماعي، أو إلى العدوانية، أو إلى فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمجتمع ككل”.

وتشير إلى أن أخطر ما في التهميش ليس الفقر وحده، بل تحوّله إلى وصم دائم يجعل الإنسان محاصرًا بنظرة لا يستطيع الهروب منها بسهولة، حتى لو تغيّرت ظروفه لاحقًا. وتؤكد أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون فقط عبر تحسين البنية التحتية والخدمات، بل عبر سياسات اجتماعية وتربوية تعيد الاعتبار لهؤلاء السكان، وتحميهم من الوصم، وتمنحهم شعورًا حقيقيًا بالانتماء والاعتراف داخل مجتمعهم.

اعتراف رسمي بهشاشة الأحياء

في ديسمبر 2024 نبهت بلدية سبها سكان الأحياء العشوائية إلى ضرورة اتخاذ الحيطة والحذر والابتعاد عن المناطق المنخفضة ومجاري السيول تحسبًا لهطول أمطار غزيرة قد تؤدي إلى فيضانات وتضرر المنازل.

هذا التحذير يعكس اعترافًا ضمنيًا بضعف الخدمات والبنية التحتية في الأحياء المهمشة، وغياب حماية فعّالة لسكانها من المخاطر الطبيعية.

 التنمية في الجنوب بين الإعلان والتنفيذ.

أكد جهاز التنمية وإعادة الإعمار التزامه بتنفيذ مشاريع تنموية شاملة في ليبيا، بما في ذلك الجنوب ومدينة سبها. في سبتمبر 2024 أعلن الصندوق عن إطلاق مشاريع استراتيجية لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية في الجنوب بعد سنوات من التهميش، مؤكدًا أن تنمية هذه المناطق أولوية في خطته المستقبلية. وفي ديسمبر 2025 تم افتتاح عدد من المشاريع الخدمية في سبها، مثل المركز الطبي والمجمع الجامعي، في خطوة لتعزيز الخدمات العامة. كما أشار الصندوق خلال مناقشة برلمانية في يونيو 2025 إلى أن خطته تمتد حتى 2027 لضمان توزيع عادل للمشاريع في كل المناطق الليبية. ومع ذلك، ما زالت التحديات التنفيذية قائمة، وفق تصريحات إعلامية حول غياب الرقابة الكاملة في بعض المشاريع، وهو ما يوضح مدى صعوبة تحويل الخطط إلى واقع ملموس.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :