*من “حكاية الرجل ذي الطيور الأربعة

*من “حكاية الرجل ذي الطيور الأربعة

  • الراحل أشرف البولاقي

يا ابنتي، إنني رأيتُ أنك تخرجين للناس عاريةً كيوم ولدتك أمِّك!

منذ سنواتٍ بعيدة لم أرَ أبي مازحًا، ولا أظنني رأيته مبتسمًا إلا عندما دخلَ عليَّ بطيوره التي كان يحملها على يديه وكتفيه، ولم تكن ابتسامةً كاملة وقتَها، فنظرتُ إليه منتظرة منه ابتسامةً وهو يحدِّثني عن رؤياه تلك، لكنني لم أجد أثرًا لابتسامة، ولا علامةً على مزاح… ورغم ذلك ضحكتُ، نعم ضحكت بصوتٍ عالٍ لأشجعه على أن يشاركني بابتسامته التي لا بدّ أنه يخفيها عني، بالتأكيد أبي يحِن لأيامنا القديمة، بالتأكيد تذكّرَ الآن طفلتَه القديمة ويريد أن يعاود لعبَه معي. ضحكتُ لكنه لم يبتسم، ولم يستجِب، كان ينظر لي متوسلاً ومستعطِفًا، وهو يهز رأسه وكأنه يطلب مني الموافقةَ أو ينتظرها.. قلتُ له:

ماذا تقول يا أبي؟

بدا وكأنه يجهش بالبكاء وهو يقول لي إنه يأتيه خبر السماء، وإنه كان ينتظر مني أن أقول له إنني سأفعل ما يؤمَر، لكنه الآن يستشعر الحزنَ والأسى بسبب رد فِعلي أمامَه. كنتُ من قبلُ أظن أن أبي أصابه شيء، لكنني متأكدة الآن أن أبي فقدَ صوابه، أبي جُنّ تمامًا لدرجة أنه لم يعد يتذكر أنني ابنته، ولا يتذكر أننا نعيش في قرية لا أستطيع أن أخرج فيها سافرةً بشَعري!

نظر إليَّ وقال في حنوٍ بالِغ وحنانٍ كبير:

نعم.. أنتِ لا تصدقينني، حسَنًا سأثبتُ لك حالا أن أباك يأتيه خبر السماء، وأن الله يعلِّمني ما لم يعلِّمه لأحد من قبل. هل تذكرين الطيور التي جئتُ بها صباح هذا اليوم؟ تعالي معي، هي ما تزال في حجرتي، سأريك بشأنها ما لم يرَه أحد غيري.. تعالي

مشفِقةً عليه صرت وراءَه، دخلت خلفَه، كان العصفور والحمامة والهدهد والدجاجة في زاوية الحجرة، يتحرك كل منها ليلتقِط شيئًا من على الأرض، أجلسَني أبي على سريره وطلب أن أنتظره، خرج وعاد بعد قليل يحمل سكّينًا، فزعتُ وهو يشير بها إليَّ، لكنه لمّا رأي فزعي أبعدها وقال:

أبوكِ لا يمكن أن يؤذيكِ، انظري أنا أُحيي وأُمِيت، سأذبح أمامكِ طيوري هذه ثم سأُحِييها مرةً أخرى أمامك، لتعرفي أن أباك رَجلٌ صالِح.

ــــــــــــــ

“من المجموعة القصصية “عن الذي لا يموت”.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :