البروفيسور عبد الهادي البصير:
الابتكار لا يولد من وفرة الإمكانات بل من عقلٍ يرفض التكرار
حوار: بيّه خويطر.
في جنوب ليبيا حيث يظن كثيرون أن البحث العلمي يتوقف عند حدود الإمكانات، كان في أحد مختبرات جامعة سبها باحث يعمل بصمت، ويعيد التجربة عشرات المرات حتى
تحولت ملاحظة صغيرة داخل المختبر إلى اكتشاف علمي لفت أنظار المجتمع الأكاديمي الدولي.
لم يكن الطريق معبدا بالأجهزة الحديثة ولا بالميزانيات الضخمة بل بالإصرار والشغف والإيمان بأن المعرفة لا تعترف بالجغرافيا ، ومن هذا الإيمان استطاع البروفيسور

عبد الهادي البصير، أستاذ الأحياء الدقيقة بكلية العلوم بجامعة سبها، أن يحقق سلسلة من الإنجازات العلمية كان آخرها ترشيحه ضمن قائمة أكثر 100 شخصية أفريقية مؤثرة لعام 2026 في مجال البنية التحتية والعلمية والابتكار، إلى جانب نشر أبحاث علمية أحدثت صدى واسعا في الأوساط البحثية العالمية.
ترشيح قارّي بدأ برسالة على “لينكدإن”.
يقول البروفيسور عبد الهادي البصير إن بداية الترشيح جاءت عبر تواصل من مسؤولة ملفات الترشيحات في مؤسسة أفريقية، من خلال منصة لينكدإن، حيث عرضت عليه الانضمام إلى مبادرة اختيار أكثر مئة شخصية أفريقية مؤثرة لعام 2026، وطلبت منه استكمال ملفات الترشيح.
وأوضح أنه أرسل المستندات المطلوبة عبر البريد الإلكتروني الرسمي لجامعة سبها، قبل أن يُدعى لإجراء مقابلة عبر Google Meet استمرت نحو نصف الساعة، تناولت أبحاثه وإنجازاته العلمية.
وبعد يومين، تلقى إخطارًا بقبوله رسميًا ضمن قائمة المرشحين، ثم طُلبت منه صورة شخصية، وهو ما أكد له أن إجراءات الترشيح دخلت مرحلتها النهائية.
وأشار إلى أن المبادرة تشرف عليها مؤسسة أفريقية تُعنى بتكريم الشخصيات التي أسهمت في تطوير المعرفة والابتكار والبنية التحتية العلمية على مستوى القارة الأفريقية .
“هذا الإنجاز ليس لعبد الهادي وحده”. وخلال حديثه ذكر ، أن هذا الترشيح لا يمثل إنجازا شخصيا بقدر ما يعكس حضور الباحث الليبي وقدرته على المنافسة في المحافل العلمية
الأفريقية، معتبرا أن وصول اسم ليبي إلى هذه المرحلة يعد رسالة إيجابية لكل الباحثين الذين يواصلون العمل والاجتهاد رغم التحديات.
وأشار إلى أن أي تتويج محتمل سيكون مصدر فخر لليبيا وجامعة سبها ولكل من يؤمن بدور العلم في صناعة التغيير.
مؤكدا أن قيمة الإنجاز تكمن فيما يمثله للوطن والمؤسسات العلمية الليبية أكثر مما يمثله على المستوى الشخصي.
وأضاف أن الترشيح يضع على عاتقه مسؤولية أكبر لمواصلة البحث والإنتاج العلمي في وقت تتجه فيه الأنظار بصورة متزايدة إلى ما يقدمه الباحث الليبي وإلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعات الليبية في تعزيز مكانة البحث العلمي على المستوى الأفريقي أو على
الصعيد الدولي .
“الإنجاز الذي قاد إلى هذا الترشيح لم يولد من فراغ“.ففي أثناء عمله على تطوير بروتوكول علمي مستوحى من طريقة عالمية استُخدمت خلال جائحة كورونا
لاستخلاص الحمض النووي الريبي
(RNA)، بدأت تتشكل ملامح اكتشاف جديد.
أفاد أنه كان يعمل على تطوير بروتوكول نُشر أيام جائحة كورونا وكانت فكرته الأساسية تسهيل استخلاص الـRNA بطرق بسيطة يمكن تطبيقها حتى في المختبرات محدودة الإمكانات، حينها قرر أن يجرب هذه الطريقة على البكتيريا بدلًا من الفيروسات، ومن هنا بدأت رحلة طويلة من التجارب، والتعديلات ، وإعادة الاختبارات، دون أن يتوقع أن يقوده ذلك إلى اكتشاف علمي مختلف تماما.
ويضيف ، أثناء تنفيذ التجارب واجهت نقصا في بعض المواد الكيميائية المستخدمة في فحص سلامة الـRNA، وهي مواد مرتفعة الثمن وصعبة التوفير، فبدأت أبحث عن بدائل موجودة داخل مختبرات الجامعة، وكانت مادة البوراكس واحدة من الخيارات التي قررت

اختبارها.
لم يكن يدرك حينها أن هذه التجربة ستكون نقطة التحول التي ستقوده إلى نشر بحث عالمي وإلى تطوير بروتوكول جديد يعتمد على مادة آمنة وصديقة للبيئة بدلا من مادة الفورمالديهايد المصنفة كمادة سامة ومسرطنة.
وهنا بدأت القصة الحقيقية للاكتشاف العلمي الذي خرج من جامعة سبها إلى مختبرات العالم.
“توقفت عن التجربة عندما أدركت أنني أمام سبق علمي“.
لم تبدأ القصة من مشروع بحثي يسعى إلى إحداث تغيير في طرق تحليل الحمض النووي الريبي، ولم يكن الهدف البحث عن بديل لمادة الفورمالديهايد المستخدمة في المختبرات حول العالم، بل انطلقت من محاولة علمية لتطوير بروتوكول أُعد خلال جائحة كورونا بهدف تسهيل استخلاص الحمض النووي الريبي (RNA) في المختبرات ذات الإمكانات المحدودة.
وخلال مساعيه لتكييف هذا البروتوكول ليتناسب مع البكتيريا بدلا من الفيروسات، واجه
البروفيسور عبد الهادي البصير تحديات فنية مرتبطة بطبيعة بعض الأنواع البكتيرية التي تمتلك جدرانًا خلوية أكثر صلابة، الأمر الذي استدعى إدخال تعديلات مخبرية على خطوات العمل لتحسين كفاءة الاستخلاص والوصول إلى نتائج أكثر دقة.
وبعد تجاوز هذه المرحلة بنجاح برزت عقبة أخرى تمثلت في محدودية توفر المواد الكيميائية اللازمة للتحقق من جودة الحمض النووي الريبي بعد استخلاصه، إلى جانب
ارتفاع تكلفتها واعتماد الطرق التقليدية على مادة الفورمالديهايد المصنفة ضمن المواد السامة والتي تتطلب احتياطات خاصة أثناء استخدامها.
وفي خضم البحث عن بديل أكثر أمانا وأقل تكلفة، لفتت انتباهه دراسات علمية سابقة تناولت استخدام مادة البوراكس في تطبيقات مخبرية مختلفة، ما دفعه إلى اختبار إمكانية توظيفها في هذا المجال كانت الخطوة في بدايتها مجرد محاولة علمية للإجابة عن سؤال بحثي إلا أن

النتائج التي ظهرت لاحقا دفعت مسار التجربة إلى اتجاه مختلف تماما.
ومع تكرار الاختبارات والتحقق من النتائج، بدأت تظهر ملامح اكتشاف لم يكن مطروحا ضمن أهداف البحث الأصلية، لتتحول محاولة تطوير إجراء مخبري بسيط إلى عمل علمي
قاد إلى نتائج وصفها البصير بأنها من أهم المحطات في مسيرته البحثية.
من تجربة اعتيادية داخل المختبر إلى نتيجة دفعت الباحث لإيقاف كل شيء ومراجعة ما حدث
في ذلك اليوم لم يكن البصير يبحث عن اكتشاف جديد ولم يكن يتوقع أن تقوده تجربة روتينية إلى نتيجة ستغير مسار البحث بالكامل كانت الخطوات تسير بصورة طبيعية داخل المختبر حيث جرى تحضير جل الأغاروز باستخدام مادة البوراكس ثم تحميل عينات R.N.A المستخلصة من البكتيريا وإخضاعها للفصل الكهربائي وفق الإجراءات المعتادة.
لم يختلف المشهد في بدايته عن عشرات التجارب التي تُجرى يوميا داخل مختبرات البيولوجيا الجزيئية، لكن ما ظهر بعد ذلك كان كافيا لإثارة كثير من التساؤلات.
فعقب انتهاء عملية الفصل الكهربائي، نُقلت العينات إلى جهاز الأشعة فوق البنفسجية لمعاينة النتائج، وهناك ظهرت أشرطة R.N.A بوضوح لافت وجودة بدت مماثلة لما تحققه البروتوكولات التقليدية المعتمدة على الفورمالديهايد، رغم أن هذه المادة لم تكن جزءا من التجربة ، كانت النتيجة غير متوقعة ليس لأنها جيدة فحسب بل لأنها تحققت بطريقة تختلف عما اعتادت عليه المختبرات العلمية لعقود طويلة.
بين الدهشة والشك.
في البحث العلمي لا تكفي نتيجة ناجحة واحدة لإقناع الباحث بل غالبا ما تكون النتيجة المفاجئة هي بداية مرحلة جديدة من التساؤلات والاختبارات.ولهذا لم يتعامل البصير مع ما شاهده باعتباره اكتشافا جاهزا للنشر بل باعتباره ملاحظة تحتاج إلى تمحيص دقيق.
بدأت رحلة طويلة من إعادة التجارب ومراجعة كل خطوة نُفذت داخل المختبر ، هل حدث خطأ غير ملحوظ أثناء التحضير؟ هل تأثرت العينات بعامل لم يُؤخذ في الاعتبار؟
هل توجد ظروف مخبرية استثنائية ساهمت في ظهور هذه النتائج؟ كانت هذه الأسئلة حاضرة في كل مرة تعاد فيها التجربة. ومع كل محاولة جديدة كانت النتائج تعود بالصورة نفسها أشرطة واضحة ، جودة عالية ، دون تسخين للعينات.
دون تبريد مفاجئ باستخدام الثلج ، ودون استخدام الفورمالديهايد.ومع تكرار المشهد نفسه مرة بعد أخرى بدأت احتمالات الخطأ تتراجع تدريجيا، بينما كانت الأدلة تتراكم لصالح فرضية مختلفة تماما.
اللحظة التي تحولت فيها الملاحظة إلى مشروع بحثي مستقل
لم يكن التحول مفاجئا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من التحقق والمراجعة.
فكل تجربة جديدة كانت تضيف دليلا إضافيا على أن ما يحدث لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بخلل عابر داخل المختبر.
عند تلك النقطة اتخذ الباحث قرارا بإيقاف بقية المسارات المرتبطة بالتجربة الأصلية، وتوجيه جهده بالكامل لفهم هذه النتيجة الجديدة واختبار حدودها العلمية.
لم يعد السؤال مرتبطا بتطوير طريقة لاستخلاص R.N.A من البكتيريا فحسب، بل أصبح يتعلق بإمكانية تقديم بديل لبروتوكول ظل مستخدما في المختبرات العالمية لأكثر من ثلاثة عقود.
وكان ذلك كافيا ليدرك أن الأمر يستحق التفرغ الكامل والمتابعة الدقيقة.هل يمكن الاستغناء عن بروتوكول اعتمد عليه الباحثون لأكثر من ثلاثين عامًا؟
طوال سنوات طويلة حافظت طرق تحليل سلامة RNA على خطوات تكاد تكون ثابتة في معظم المختبرات ومراكز الأبحاث تُسخن العينات أولًا.ثم تبرد مباشرة على الثلج.
بعد ذلك تُحمّل على جل يحتوي على الفورمالديهايد قبل إجراء عملية الفصل الكهربائي ، ومع أن هذه الطريقة أثبتت فعاليتها على مدى عقود فإنها ظلت مرتبطة باستخدام مادة مصنفة ضمن المواد السامة، إضافة إلى ما تفرضه من إجراءات وقائية ومتطلبات خاصة داخل المختبر.
أما النتائج التي توصل إليها البصير فقد فتحت الباب أمام تصور مختلف تصور يقوم على تبسيط الإجراءات والاستغناء عن عدد من الخطوات التقليدية مع المحافظة على جودة النتائج المطلوبة.
ففي البروتوكول الجديد يمكن تحميل العينة مباشرة على جل الأغاروز المحتوي على البوراكس وإجراء الفصل الكهربائي دون الحاجة إلى التسخين أو التبريد المفاجئ أو استخدام الفورمالديهايد.
وهو ما يعني تقليل الوقت والجهد والتكاليف في آن واحد.عندما تلتقي البيولوجيا الجزيئية بمبادئ الكيمياء الخضراء.
ما توصلنا إليه ينسجم مع توجه عالمي نحو مختبرات أكثر أمانا واستدامة.
ويرى أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على الجانب التقني المرتبط بتحليلRNA ، بل تمتد إلى أبعاد علمية وبيئية أوسع، في ظل التوجه المتزايد عالميا نحو تبني مبادئ «الكيمياء الخضراء» القائمة على تقليل استخدام المواد الخطرة واستبدالها ببدائل أكثر أمانا للباحثين والبيئة.
ويشير إلى أن استخدام البوراكس في هذا السياق لا يمثل مجرد استبدال مادة كيميائية بأخرى بل ينسجم مع مسار علمي عالمي يسعى إلى تطوير بروتوكولات مخبرية أكثر أمانا واستدامة مع الحفاظ على كفاءة النتائج وجودتها.
كما يعتقد أن هذا النوع من الحلول يمكن أن يفتح آفاقا أوسع أمام الجامعات ومراكز الأبحاث خاصة في الدول النامية من خلال تقليل التكاليف المرتبطة بالمواد الكيميائية الخطرة ومتطلبات التعامل معها، وتمكين المختبرات محدودة الإمكانات من تنفيذ أبحاثها بكفاءة
أكبر.
“الاكتشاف لا يقف عند حدود المختبر بل يفتح آفاقا لتطبيقات علمية أوسع” .
وبحسب ماصرح به البروفيسور، لاينظر إلى ما توصل إليه باعتباره تطويرا تقنيا يقتصر على بيئة المختبر بل يرى أن انعكاساته تمتد إلى عدد من التخصصات العلمية التي تعتمد بصورة مباشرة على دراسة المادة الوراثية وتحليلها بدقة.
ويؤكد أن هذه الجزيئات الحيوية تمثل حجر الأساس في كثير من الأبحاث الحديثة لأنها تؤدي دورا محوريا في فهم كيفية عمل الخلايا واستجابتها للأمراض والتغيرات البيولوجية المختلفة ولهذا فإن أي تطوير يساهم في تسهيل التعامل معها أو تحسين طرق تحليلها ينعكس بصورة مباشرة على جودة النتائج التي يبني عليها الباحثون دراساتهم اللاحقة.
ومن هذا المنطلق يعتقد أن القيمة الحقيقية للاكتشاف لا تقتصر على الجانب الفني المرتبط بإجراءات المختبر بل تمتد إلى ما يمكن أن يوفره من أدوات أكثر أمانا وكفاءة للباحثين العاملين في مجالات متعددة.
كيف يمكن أن تستفيد من هذه النتائج؟
ويرى أن أهمية هذا التطوير تظهر بوضوح عند النظر إلى حجم التخصصات العلمية التي تعتمد على تحليل المادة الوراثية وجودة العينات المستخلصة قبل الشروع في مراحل البحث المتقدمة.
فالدراسات المرتبطة بالأورام والسرطان وأبحاث الفيروسات والاضطرابات الوراثية ومقاومة
البكتيريا للمضادات الحيوية والتشخيص الجزيئي جميعها تقوم على أساس الحصول على عينات سليمة يمكن الوثوق بنتائجها.
ويشير إلى أن الباحثين في هذه المجالات يحتاجون باستمرار إلى وسائل أكثر أمانا وأقل تكلفة دون المساس بجودة النتائج وهو ما يجعل أي تطوير في هذا الجانب محل اهتمام داخل الأوساط العلمية كما يعتقد أن المختبرات الموجودة في الجامعات والمؤسسات البحثية ذات الإمكانات المحدودة قد تكون من أكثر الجهات استفادة من مثل هذه الحلول نظرا لما توفره من بدائل عملية يمكن تطبيقها دون الحاجة إلى تجهيزات معقدة أو مواد مرتفعة التكلفة.
وعن أسباب نشر النتائج في ورقتين علميتين منفصلتين يوضح البصير أن كل دراسة تناولت مسارا بحثيا مستقلا يستحق أن يُعرض بصورة منفصلة.
فالدراسة الأولى انصبت على تطوير طريقة سريعة وآمنة لاستخلاص المادة الوراثية من أنواع مختلفة من البكتيريا خلال وقت قصير وبإجراءات مبسطة.
أما الدراسة الثانية فقد ركزت على اختبار بديل جديد لمادة استُخدمت لعقود طويلة في تقييم سلامة العينات داخل المختبرات وهو ما يمثل موضوعا علميا مستقلا من حيث الفكرة والنتائج والتطبيقات.
ويعتقد أن الفصل بين الدراستين منح كل بحث المساحة اللازمة لإبراز إضافته العلمية بصورة أوضح وسهّل على المختصين تقييم نتائج كل دراسة بشكل مستقل.
الصدفة وحدها لا تصنع اكتشافا.
ويرفض البصير تفسير ما حدث داخل المختبر على أنه مجرد مصادفة إذا كان المقصود بذلك أن النتائج ظهرت دون جهد أو عمل منهجي.
ويؤكد أن ما يعرف في الأوساط العلمية بالصدفة البحثية لا يأتي إلا في بيئة قائمة على القراءة والتجريب والملاحظة المستمرة لأن الباحث الذي لا يقضي وقته بين الأوراق العلمية والتجارب المخبرية لن يجد ما يلفت انتباهه أصلا.
ويشير إلى أن كثيرا من الاكتشافات الكبرى في تاريخ العلوم بدأت بملاحظات غير متوقعة لكن ما منحها قيمتها الحقيقية هو إصرار أصحابها على التحقق منها وعدم الاكتفاء بالانطباع الأول فالملاحظة وحدها لا تصنع اكتشافا وإنما يتحول الاكتشاف إلى حقيقة عندما يُختبر مرارا، وتُراجع نتائجه بدقة ويصبح قادرا على الصمود أمام التدقيق العلمي وإعادة التجربة في ظروف مختلفة.
ومن وجهة نظره فإن هذه المرحلة هي الفاصل الحقيقي بين فكرة عابرة يمكن أن تُنسى، ونتيجة علمية قادرة على أن تجد مكانها ضمن المعرفة الإنسانية المتراكمة.
“التحديات كانت حاضرة في كل مرحلة“.
واجه البروفيسور تحديات تتعلق بتوفير المواد العلمية والأجهزة والمستلزمات المخبرية اللازمة لإجراء التجارب واستكمال مراحل البحث.
ويؤكد أن العمل البحثي في مثل هذه الظروف يتطلب قدرا كبيرا من الصبر والمرونة والقدرة على البحث عن البدائل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواد متخصصة قد يصعب الحصول عليها أو تستغرق وقتًا طويلًا للوصول إلى المختبرات.
ورغم ذلك، لا يرى أن محدودية الإمكانات يجب أن تتحول إلى مبرر للتراجع أو التوقف عن البحث مشيرا إلى أن كثيرا من الإنجازات العلمية حول العالم بدأت في ظروف لم تكن
مثالية، لكن أصحابها امتلكوا الإرادة الكافية لمواصلة العمل.
ويعتقد أن الباحث الحقيقي لا يقيس أحلامه بحجم الإمكانات المتوفرة فقط، بل بقدرته على الاستفادة مما هو متاح، والبحث عن حلول وبدائل تمكنه من الاستمرار في طريقه
العلمي.
“البحث العلمي لا يُبنى على الجهود الفردية وحدها “.
وخلال حديثه عن مسيرته البحثية يشير إلى أن جزءا من النجاح الذي تحقق كان نتيجة شبكة واسعة من العلاقات والتعاون العلمي مع باحثين وأكاديميين داخل ليبيا وخارجها.
فالعلم كما يصفه لا يقوم على المنافسة بقدر ما يقوم على تبادل الخبرات والمعرفة، حيث يتشارك الباحثون المواد العلمية والأفكار والتجارب بهدف الوصول إلى نتائج أفضل تخدم المجتمع العلمي بأكمله.
ويؤكد أن الكثير من المواد والأدوات التي استفاد منها خلال مراحل مختلفة من أبحاثه جاءت من خلال هذا النوع من التعاون الأكاديمي، سواء عبر التبادل العلمي أو من خلال الدعم الذي قدمه زملاء وباحثون يؤمنون بأهمية استمرار العمل البحثي رغم الصعوبات.
«جامعة سبها كانت حاضرة في مسار الإنجاز وقدمت ما استطاعت ضمن المتاح».
وعند الحديث عن دور جامعة سبها، يحرص على الإشارة إلى الدعم الذي تلقاه من المؤسسة التي ينتمي إليها،
مؤكدًا أن الجامعة قدمت ما هو متاح من إمكانات ومواد علمية داخل المختبرات وسعت إلى توفير بيئة مشجعة للبحث العلمي.
كما يثمن اهتمام إدارة الجامعة بالإنجازات البحثية التي يحققها أعضاء هيئة التدريس والباحثون، معتبرًا أن التقدير المعنوي يمثل حافزًا مهمًا للاستمرار والعطاء.
«أكثر ما يسعدني أن هذا الإنجاز خرج من جامعة سبها».
وعند اقتراب الحوار من نهايته بدا واضحا أن أكثر ما يبعث على الاعتزاز لدى البروفيسور ليس الترشيحات أو التكريمات، بل المكان الذي خرج منه هذا العمل العلمي.
ويؤكد أن أي اكتشاف أو إنجاز بحثي يظل إنجازا علميا أينما أُنجز، لكن خصوصية هذه التجربة بالنسبة إليه تكمن في أنها انطلقت من جامعة سبها ومن الجنوب الليبي وفي ظل
ظروف يعرف الجميع حجم التحديات التي تواجهها المؤسسات الأكاديمية في هذه المنطقة.
ويرى أن وصول هذا العمل إلى المجلات العلمية المتخصصة والمنصات البحثية الدولية يحمل
رسالة مهمة مفادها أن الباحث الليبي قادر على المنافسة والإبداع متى توفرت له الإرادة والفرصة والدعم.
كما يأمل أن يسهم هذا الإنجاز في تسليط الضوء على الباحثين الليبيين الآخرين، وأن يكون حافزا للاهتمام بصورة أكبر بالبحث العلمي داخل الجامعات ومراكز الدراسات.
دعوات للمشاركة في محافل علمية دولية.
ومع تزايد الاهتمام بالأبحاث التي نشرها بدأت أبواب جديدة تُفتح أمام البروفيسور تمثلت في دعوات للمشاركة في مؤتمرات وملتقيات علمية خارج ليبيا إلى جانب اهتمام عدد من الباحثين والجهات الأكاديمية بالنتائج التي توصل إليها.
ويرى أن هذه الدعوات لا تمثل تقديرًا لشخصه فحسب بل تعكس القيمة العلمية للأبحاث التي خرجت من جامعة سبها وتؤكد أن جودة العمل البحثي تبقى المعيار الحقيقي الذي يحكم عليه المجتمع العلمي، بغض النظر عن موقع المؤسسة أو حجم الإمكانات المتاحة لها.
ويشير إلى أن المشاركة في مثل هذه الفعاليات العلمية تمثل فرصة مهمة لبناء شراكات أكاديمية جديدة، وتبادل الخبرات مع باحثين من مختلف أنحاء العالم والاطلاع على
أحدث ما توصلت إليه العلوم في المجالات ذات الصلة.
“الأفكار البحثية لا تتوقف لكن لكل مشروع وقته“.
وعند سؤاله عن الخطوة التالية
يفضل البروفيسور التعامل بحذر مع
المشاريع التي لا تزال قيد الإعداد
مؤكدا أن طبيعة العمل العلمي
تفرض على الباحث التريث وعدم
الإعلان عن الأفكار قبل اكتمال
ملامحها وبلوغها مرحلة تسمح
بتقييمها علميا.
ومع ذلك يؤكد أن العمل داخل
المختبر لم يتوقف وأن هناك مسارات
بحثية جديدة يجري التفكير فيها
والعمل عليها، انطلاقًا من القناعة
بأن كل دراسة ناجحة تفتح الباب
أمام أسئلة جديدة تستحق البحث
والاستكشاف.
ويشير إلى أن المعرفة العلمية
بطبيعتها تراكمية، وأن كل نتيجة
يتم التوصل إليها تمهد الطريق
لأسئلة أخرى أكثر عمقًا، وهو ما
يجعل رحلة البحث مستمرة دون
نقطة نهاية حقيقية.














