موتٌ هزَّ العالم

موتٌ هزَّ العالم

  • مالك المانع

إنها ليلة الحادي عشر من نوفمبر عام ألفين و أربعة ، ساد الصمت في رام الله ، لقد كان الحدث أثقل من كل جدران المقاطعة، وكان القلق و الترقب يتسلل إلى عواصم القرار حول  العالم ، كما لو أن حدثاً أكبر من مجرد خبرٍ عاجل على وشك أن يُعيد ترتيب المشهد.

رحل الرجل الذي ظلّ لعقود عنواناً لقضية بلد اسمه فلسطين ، ووجهها الأكثر حضوراً في نشرات العالم، وصوتها الذي لا يفتأ في المحافل الدولية ..!

إنه [ ياسر عرفات ]

في تلك الليلة لم يمت عرفات وحده… بل دخلت هذه القضية معتركاً جديداً و مرحلةً مختلفة، بلا بوصلةٍ واضحة، وبلا ذلك الرمز الذي كان رغم كل العواصف، يمسك بخيوط المشهد المتشابك.

في تلك الليلة، لم يكن الفلسطينيون وحدهم من يتابعون الخبر بقلوبٍ مرتجفة ، بل كانت المنطقة بأسرها تحبس أنفاسها، وكأن الشرق الأوسط فقد أحد آخر وجوهه التي يعرفها جيداً.

كان عرفات ظاهرةً أكثر منه منصباً. خرج من ظلال المخيم ليصبح اسماً يتردد صداه في الأمم المتحدة، وتحوّل من مجرد فدائي إلى رقمٍ صعب في معادلات السياسة الدولية.

حمل الكوفية كما يحمل القائد رايته، وجعل منها خريطةً مصغّرة لوطنٍ يبحث عن اعتراف.

في عام 1974، وقف أمام العالم مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكن مجرد خطيبٍ سياسي، بل كان صوت شعبٍ يحاول أن يثبت أنه ليس تفصيلاً عابراً في صراع القوى الكبرى.

حينها قال الرجل بإنه جاء حاملاً غصن الزيتون وبندقية الثائر. ومنذ تلك اللحظة، صار التوازن بين الرمزين عنوان مرحلته كلها.

في الحقيقة لم يكن عرفات ملاكاً، ولم يكن بطلاً أسطورياً بلا أخطاء. كان سياسياً براغماتياً و داهية يعرف تماماً متى [ يرفع السقف ومتى يخفضه ، متى يقاتل ومتى يفاوض ، ومتى يبتسم في وجه العالم بينما تحترق الأرض تحت قدميه ].

حوصِر في رام الله، وضاق عليه المكان، لكن صورته خلف الزجاج المحطم، محاطاً بالركام ، جعلت منه رمزاً يتجاوز حدود الجغرافيا .. صحيح أن الجسد كان محاصَراً، لكن الاسم ظلَّ يتجوّل في العواصم كعنوانٍ لا يمكن تجاهله.

 ثم جاء الرحيل.

ومع الرحيل، بدأ زمنٌ آخر.

زمنٌ لم تعد فيه الكاريزما كافية لجمع المتناقضين، ولا التاريخ الثوري قادراً وحده على ضبط الإيقاع الداخلي.

ظهرت الانقسامات إلى العلن،

وتحوّل الخلاف السياسي إلى شرخٍ عميق في الجسد الفلسطيني.

غاب الرجل الذي كان يمسك بالخيوط المتشابكة بيدٍ واحدة،

حتى وإن ارتبكت تلك اليد أحياناً. وغاب معه ذلك الشعور بأن هناك مركزاً تدور حوله الأحداث.

صار المشهد في فلسطين مفتوحاً على احتمالاتٍ كثيرة ، ولكن بلا مرجعيةٍ رمزية جامعة.

إقليمياً: فقد تبدلت الحسابات ، لم يعد الملف الفلسطيني يُدار بالطريقة ذاتها، وتراجعت القضية من صدارة الأولويات العربية، لتدخل مرحلة إدارة الأزمة بدل البحث عن حلّها.

أما دولياً: فقد تغيّرت لغة الخطاب، وتبدل ميزان التأثير، وكأن غياب عرفات منح القوى الكبرى فرصة لإعادة صياغة المشهد بشروط مختلفة.

كان عرفات ، رغم كل ما قيل عنه و قيل فيه ، آخر القادة الذين جمعوا بين شرعية الثورة واعتراف العالم. وحين غاب ، انكشفت الحاجة إلى مؤسسةٍ أقوى من الأشخاص، وإلى مشروعٍ أوضح من الرمز.

اليوم – وبعد أكثر من عقدين على تلك الليلة الثقيلة، ما زال السؤال يتردد في أروقة السياسة وفي ذاكرة الشعوب :

هل كان ياسر عرفات مرحلةً استثنائية لن تتكرر ؟  أم أن غيابه كشف أن القضية كانت تحتاج إلى ما هو أبعد من حضور رجلٍ واحد؟!

ربما لا يجيب التاريخ سريعاً،

لكنه يحتفظ دائماً بلحظاته الفارقة.

وكان صباح الحادي عشر من نوفمبر إحدى تلك اللحظات؛لحظة انتقل فيها الفلسطينيون من زمن الرمز إلى زمن البحث عن معنى جديد للقيادة، ومن صورةٍ تختصر الحلم إلى واقعٍ يختبر قدرة الحلم على البقاء.

وهكذا، حين انطفأ وجه الكوفية، لم تنطفئ القضية

لكنها فقدت صوتاً كان يختصر وجعها، وظلَّ اسم عرفات ، مهما اختلفت حوله الآراء ، علامةً فارقة في تاريخ شعبٍ ما زال يكتب فصوله بين الأمل والانكسار.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :