تحقيق | عمر بن خيلب
مليارات تُنفق على القطاع ، فيما يشكو موظفون من تأخر الحقوق ونقص معدات السلامة والتأمين والإمكانات.. وشهادات من الداخل تفتح ملفات الجباية والصراعات الإدارية والمشاريع المتعثرة وتطرح السؤال: من يدير أزمة الكهرباء ومن يحاسب؟
حين ينقطع التيار، ينتظر المواطن وصول فني الكهرباء. لكن قليلًا ما يُطرح السؤال عمّا ينتظر هذا الفني نفسه: راتب قد يتأخر، مستحقات لم تُصرف، تأمين صحي يشكو عاملون من تعثره، ومعدات سلامة قد لا يجدها وهو يتعامل مع خطوط لا تسمح بخطأ واحد.
في الجنوب الليبي، حيث تمتد المسافات وترتفع درجات الحرارة، قد يقضي مهندسون وفنيون ساعات طويلة في الميدان لإعادة الكهرباء، بينما تقول إفادات جمعها هذا التقرير إن بعضهم اضطر إلى البحث عن عمل إضافي لتأمين احتياجات أسرته، وإن فرقًا فنية عملت في بعض الحالات بإمكانات محدودة، ووصل الأمر إلى استعانتها بالسكان لتوفير الطعام والشراب أثناء أعمال الصيانة الطويلة.
الأكثر قسوة أن المعاناة، بحسب الإفادات، لا تنتهي دائمًا بانتهاء الخدمة؛ فأسر عاملين توفوا أثناء أداء واجبهم ما تزال تطالب بمستحقات مرتبطة بوفاتهم.
كل ذلك يحدث داخل قطاع خُصصت له مليارات الدينارات، ما يضع مفارقة يصعب تجاوزها: كيف يُطلب من الفني أن ينير البلاد قبل أن يُؤمَّن له راتبه وسلامته؟ وأين تذهب موارد القطاع، وما الذي يصل منها فعليًا إلى الموظف والميدان؟ وهل أزمة الكهرباء مجرد أعطال ونقص في الوقود والغاز، أم أن خلف الظلام أزمة إدارة وحقوق ورقابة أعمق؟
من معاناة الموظف إلى غرف الإدارة والتشغيل، يتتبع هذا التحقيق تلك الأسئلة، محاولًا الوصول إلى ما يحدث داخل المؤسسة قبل أن يصل أثره إلى بيت المواطن في صورة مصباح منطفئ.

خلف الأعطال.. موظفون ينتظرون حقوقهم
خلف كل بلاغ عن عطل أو انقطاع، هناك مهندسون وفنيون يُطلب منهم الوصول إلى المحطات وخطوط النقل والتوزيع، والعمل حتى إعادة التيار. لكن شهادات جمعها هذا التقرير تكشف أن بعض هؤلاء العاملين يواجهون، بالتوازي مع أعطال الشبكة، مشكلات تتعلق بحقوقهم وظروف عملهم.
حمد آل مسعود، مسؤول متابعة الكهرباء بالمجلس البلدي لبلدية سبها، يقول إن أوضاع العاملين شهدت تغيرًا خلال الأشهر الأخيرة. فبعد أن كانت المرتبات تُصرف بصورة أكثر انتظامًا، وكانت بعض مستحقات المناوبات والمبيت والعمل الإضافي تُدفع، ولو على مراحل، بدأ الموظفون، بحسب إفادته، يواجهون تأخرًا في المرتبات وتعطلًا في مستحقات أخرى.
ولا يقف أثر ذلك عند الحساب المصرفي للموظف. فالفني الذي يُستدعى لإصلاح عطل طارئ لديه، في الوقت نفسه، أسرة ونفقات يومية والتزامات لا تنتظر عودة الشبكة إلى الاستقرار.
ويقول آل مسعود إن الضغوط المالية دفعت بعض الفنيين والمهندسين إلى البحث عن مصادر دخل أخرى إلى جانب عملهم في الشركة، سواء عبر أعمال خاصة أو أنشطة توفر لهم دخلًا يوميًا.
وفي قطاع يعتمد في لحظات الطوارئ على سرعة استجابة كوادره الفنية، تطرح هذه الشهادة سؤالًا يتجاوز حق الموظف في راتبه:
ماذا يحدث للشبكة عندما يصبح الفني الذي يُطلب منه إنقاذها مضطرًا أولًا إلى البحث عن مصدر آخر لإعالة أسرته؟
وتزداد المفارقة مع حديث حمد آل مسعود عن حجم الجباية التي تحققها الشركة. فهو يقول إن إيرادات التحصيل تصل إلى مبالغ كبيرة، ويتساءل عن أسباب تعثر حقوق العاملين رغم هذه الإيرادات.
غير أن حجم الجباية وكيفية توزيعها وإنفاقها يظل مسارًا يحتاج إلى التحقق من السجلات المالية الرسمية للشركة، ومقارنة ما يتم تحصيله فعليًا بما يخصص للمرتبات والمستحقات والتشغيل.
ومن هنا تبدأ أولى حلقات التتبع في هذا التحقيق: هل المشكلة نقص في الموارد المخصصة للعاملين، أم في طريقة إدارتها ووصولها إليهم؟

ساعات في الميدان.. ومستحقات لا تصل
عندما يقع عطل كبير، قد تبقى فرق الكهرباء في الميدان لساعات طويلة حتى إعادة التيار، لكن هذه الساعات لا يقابلها دائمًا انتظام في المستحقات.
يقول حمد آل مسعود، مسؤول متابعة الكهرباء بالمجلس البلدي لبلدية سبها، إن بعض الفرق الفنية تعمل في حالات الطوارئ لساعات قد تصل إلى يوم كامل، بينما تتأخر، بحسب إفادته، مستحقات مرتبطة بالمناوبات والمبيت والعمل خارج مقار الموظفين.
ويضرب مثالًا بفرق قال إنها تنقلت على مدى نحو أربعة أشهر للعمل في مشروع جهد 66 كيلوفولت بمنطقة البخي باتجاه القطرون، دون صرف مستحقات المبيت المرتبطة بهذه المهمات، وفق روايته.
ويضيف أن الأمر وصل في بعض أعمال الطوارئ والصيانة إلى تدخل جهات محلية أو سكان لتوفير الطعام والشراب للفرق الموجودة في الميدان حتى تتمكن من مواصلة عملها.
وفي الجنوب، حيث تفصل مسافات طويلة بين المدن والمحطات ومواقع الأعطال، تفتح هذه الشهادة سؤالًا عن الجهة المسؤولة عن نقل الفرق وإقامتها وتأمين احتياجاتها، وعن أسباب تعطل مستحقاتها رغم استمرار العمل.
كما تحدث آل مسعود عن توقف بعض مستحقات المبيت في الجنوب تحديدًا، وهي إفادة تحتاج إلى مقارنتها بسجلات الصرف في إدارات الشركة المختلفة لمعرفة نطاق التوقف وأسبابه.

فمن يتحمل كلفة بقاء الفني في الميدان عندما يُطلب منه ألا يغادر قبل عودة الكهرباء؟
في مواجهة الكهرباء.. بأدوات حماية محدودة
لا تتعلق شكاوى العاملين بالمستحقات المالية وحدها، بل تمتد إلى ما يحميهم أثناء أداء أعمال قد تحمل مخاطر مباشرة على حياتهم.
يقول حمد آل مسعود إن فرقًا فنية في الجنوب تعاني من نقص في معدات السلامة المهنية، مشيرًا إلى أن النقص يصل، بحسب إفادته، إلى مستلزمات أساسية يحتاجها الفني أثناء التعامل مع الشبكة، من بينها القفازات المخصصة للعمل.
كما تحدث عن نقص في وسائل النقل المخصصة للفرق الفنية، ومشكلات تتعلق بصيانة المركبات وتوفير الوقود اللازم للوصول إلى مواقع الأعطال، موضحًا أن بعض السيارات يجري إصلاحها بإمكانات محدودة حتى تتمكن الفرق من مواصلة عملها.
ويشير آل مسعود إلى مفارقة أخرى، إذ يقول إن بعض المعدات ووسائل النقل قد تكون موجودة ضمن السجلات والإمكانات المخصصة للقطاع، لكن ما يتوفر فعليًا للفرق في الميدان لا يعكس، بحسب وصفه، ما هو موجود «على الورق».
وتكتسب هذه الشهادة أهمية أكبر لأن نقص معدات السلامة في قطاع الكهرباء لا يتعلق براحة الموظف، بل بحياته. وهو ما يفتح مسارًا واضحًا للتحقق: ما حجم مخصصات السلامة ووسائل النقل؟ وما الذي اشترته الشركة منها؟ وكم وصل فعليًا إلى فرق العمل في الجنوب؟
ماتوا أثناء العمل.. وأسر تنتظر حقوقها
تصل معاناة العاملين إلى أكثر جوانبها قسوة عند الحديث عن الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء عملهم.
يقول حمد آل مسعود إن أسر عدد من موظفي الكهرباء الذين توفوا أثناء أداء واجبهم ما تزال تنتظر تسوية مستحقات مرتبطة بوفاتهم، مشيرًا إلى أن بعض هذه الملفات ظل معلقًا لنحو ثلاث سنوات.
ويوضح أن استمرار بعض الحقوق المالية للأسرة لا يعني، بحسب إفادته، تسوية كامل المستحقات والتعويضات المترتبة على الوفاة أثناء العمل.
وتثير هذه الحالات أسئلة تتجاوز الإجراءات الإدارية: كم موظفًا توفي أو أصيب أثناء العمل خلال السنوات الأخيرة؟ وكم أسرة حصلت على مستحقاتها كاملة؟ وكم ملفًا لا يزال معلقًا، ولماذا؟
وبالنسبة إلى أسر هؤلاء، لا يتعلق الأمر بعلاوة أو بدل تأخر صرفه، بل بحقوق عامل خرج لأداء مهمته ولم يعد إلى منزله.
من داخل الشركة.. «البداية من الموظف»
ولا تأتي الشكاوى من خارج الشركة وحدها. فالمهندس طارق المبروك، الموظف بالشركة العامة للكهرباء، وضع أوضاع العاملين في مقدمة الملفات التي طالب مجلس الإدارة بمعالجتها.
وفي رسالة وجهها إلى أعضاء مجلس الإدارة، تحدث المبروك عن عدم تطبيق جدول المرتبات الذي قال إنه صدر عن الجمعية العمومية للشركة، إلى جانب تعثر تطبيق التأمين الصحي، وخصومات مالية قال إنها دفعت موظفين إلى رفع قضايا ضد الشركة والمطالبة بتسوية أوضاعهم.

واعتبر المبروك أن تحسين الشبكة لا يمكن فصله عن تحسين ظروف الأشخاص الذين يديرونها ويعملون فيها، مختصرًا موقفه بالقول: «لو تريدون الرقي بالشبكة المتهالكة، البداية من الموظف الكادح؛ لأنه المحرك الرئيسي».
وتفتح شهادته ثلاثة ملفات قابلة للتتبع بالوثائق: قرار جدول المرتبات ومدى تطبيقه، وعقد التأمين الصحي والخدمات التي يحصل عليها الموظفون فعليًا، والخصومات التي وصلت خلافاتها، بحسب المبروك، إلى القضاء.
فإذا كان جدول المرتبات قد اعتُمد بالفعل، فمتى صدر، وما الذي نُفذ منه؟ ولماذا لم يستفد منه جميع العاملين؟ وما مصير التأمين الصحي والخصومات التي يقول موظفون إنها دفعتهم إلى المحاكم؟
يعمل فنياً.. لكنه إداري في الأوراق
تكشف شهادة حمد آل مسعود عن إشكالية أخرى تتعلق بموظفين يؤدون أعمالًا فنية وميدانية، بينما لا تعكس أوضاعهم الوظيفية المسجلة طبيعة العمل الذي يمارسونه فعليًا.
ويقول آل مسعود إن انتقال الموظف من العمل الإداري إلى الفني يفترض استكمال إجراءات وتأهيل مهني، من بينها ما يُعرف داخل القطاع بـ«دورة التخويل»، بما يثبت صفته الفنية ويحدد طبيعة المهام التي يحق له تنفيذها.
وتظهر خطورة المسألة، بحسب آل مسعود، عند وقوع حادث أثناء العمل. فإذا أصيب موظف أو توفي خلال مهمة فنية بينما لا يزال مصنفًا إداريًا في ملفه، فقد تثار إشكالات تتعلق بإثبات طبيعة المهمة وحفظ حقوقه وحقوق أسرته.
ولهذا يشدد على ضرورة عدم إرسال العاملين إلى مواقع العمل من دون تكليف رسمي وإجراءات واضحة توثق المهمة التي يقومون بها.
وتفتح هذه الإفادة سؤالًا يحتاج إلى مراجعة لوائح الشركة وملفات العاملين وحوادث العمل: هل يوجد موظفون يمارسون مهام فنية دون تسوية أوضاعهم الوظيفية؟ وإذا وقع لهم حادث، فهل تضمن الإجراءات الحالية حقوقهم وحقوق أسرهم؟
ففي أعمال الكهرباء، لا يصبح التوصيف الوظيفي مجرد خانة في ملف الموظف عندما تكون الإصابة أو الوفاة احتمالًا قائمًا في الميدان.
كفاءات تغادر.. فمن يبقى لإصلاح الشبكة؟
لا تتوقف آثار تراجع ظروف العمل عند الموظفين الموجودين داخل الشركة، بل قد تمتد إلى قدرتها على الاحتفاظ بالمهندسين والفنيين الذين تعتمد عليهم الشبكة.
يقول حمد آل مسعود إن الشركة فقدت خلال الفترة الماضية عدداً من المهندسين والفنيين الذين انتقلوا إلى جهات أخرى بحثًا عن دخل وظروف عمل أكثر استقرارًا، في وقت يحتاج فيه قطاع الكهرباء إلى كوادر فنية متخصصة لتشغيل المحطات وصيانة خطوط النقل والتوزيع.
وفي المقابل، يرى آل مسعود أن التعيينات الأخيرة لم تعوض هذا النقص الفني، مشيرًا إلى أن آخر دفعة تعيينات، قبل نحو عام بحسب إفادته، كانت محدودة، وأن جانبًا منها شمل حملة الشهادة الثانوية ووظائف إدارية أكثر من التخصصات الفنية التي تحتاجها الشبكة.
ويقدر آل مسعود عدد العاملين في قطاع الكهرباء بالجنوب بنحو 4500 موظف، ونحو 50 ألفًا على مستوى ليبيا، وهي أرقام تحتاج إلى مطابقتها مع سجلات الموارد البشرية الرسمية للشركة.

لكن العدد الإجمالي وحده لا يكشف حقيقة الاحتياج. فالسؤال الأهم هو: كم مهندسًا وفنيًا يعمل فعلياً في التشغيل والصيانة؟ وكم غادر منهم خلال السنوات الأخيرة؟ وكم عُيّن بدلًا منهم؟ وما نسبة العاملين الإداريين إلى الكوادر الفنية؟
فالشبكة لا يحافظ عليها عدد الأسماء المسجلة في كشوف الموظفين، وإنما عدد الكفاءات القادرة على الوصول إلى العطل وتشخيصه وإصلاحه.
صراع إداري.. والمواد تتأخر
لا يعزو حمد آل مسعود مشكلات قطاع الكهرباء في الجنوب إلى نقص الكوادر والإمكانات وحدهما، بل يربط جانبًا منها بخلافات إدارية يقول إنها استمرت لنحو عامين داخل إدارة توزيع الجنوب.
وبحسب روايته، شهدت الإدارة تعاقب قرارات بتكليف مسؤولين جدد، إلا أن تنفيذ بعضها واجه عراقيل، ما انعكس، وفق قوله، على سير العمل ووصول احتياجات المنطقة من المواد والمعدات.
ويقول آل مسعود إن المحولات والكابلات ومواد الصيانة التي يفترض أن تصل من مخازن الشركة في طرابلس تأثرت بهذه الأزمة، ما دفع جهات محلية في بعض الحالات إلى البحث عن مصادر أخرى لتوفير الاحتياجات العاجلة.
ويشير إلى أن بعض المواد والمحولات جرى طلبها من جهات معنية بالإعمار والتنمية لسد النقص، بدل وصولها عبر المسار المعتاد للشركة.
هذه الرواية تفتح مسارًا يمكن التحقق منه بالوثائق: ما القرارات التي صدرت بشأن إدارة توزيع الجنوب؟ وكم استمر الخلاف؟ وما طلبات المواد التي رفعتها الإدارة خلال تلك الفترة؟ وكم منها تم توريده فعليًا، وكم بقي معلقًا؟
فإذا كانت الخلافات الإدارية قد عطلت بالفعل وصول محول أو كابل تحتاجه فرق الصيانة، فإن أثر الصراع لا يبقى داخل المكاتب؛ بل قد ينتقل من قرار إداري متعثر إلى عطل ينتظر المواطن إصلاحه.
عندما تبحث الكهرباء عن معداتها خارج الشركة
بحسب حمد آل مسعود، لم يبقَ نقص المواد والمعدات مشكلة داخلية، بل دفع مسؤولين محليين في الجنوب إلى البحث عن دعم من جهات أخرى لتوفير بعض احتياجات الشبكة.
ويقول إن النقص في المحولات والكابلات ومستلزمات الصيانة دفعهم في بعض الحالات إلى مخاطبة جهات تعمل في مشروعات الإعمار والتنمية للمساعدة في شراء أو توفير معدات تحتاجها فرق الكهرباء بصورة عاجلة.
وبالنسبة إلى آل مسعود، فإن اللجوء إلى هذه الجهات ساعد في معالجة بعض الاحتياجات، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن قدرة منظومة الإمداد التابعة للشركة على توفير متطلبات التشغيل والصيانة من مواردها ومساراتها المعتادة.
فالمحول أو الكابل الذي يصل بدعم استثنائي قد يحل مشكلة آنية، لكنه لا يجيب عن أصل المشكلة: لماذا لم يصل عبر الشركة التي يفترض أن توفره؟ وهل يعود النقص إلى ضعف التمويل، أم إجراءات التوريد، أم الخلافات الإدارية، أم توزيع المواد بين المناطق؟
وللإجابة عن ذلك، يحتاج التقرير إلى مقارنة طلبات إدارات الجنوب من المواد والمعدات بما اعتمدته الشركة وما تم توريده فعليًا، وتحديد الفترات التي تأخر فيها التسليم وأسباب ذلك.
فحين يصبح التدخل الاستثنائي وسيلة لتوفير احتياجات أساسية، يتحول السؤال من «من ساعد؟» إلى «لماذا احتاج القطاع إلى المساعدة أصلًا؟»
500 ميغاواط مفقودة.. ماذا تقول سجلات التشغيل؟
من نقص المعدات والصراعات الإدارية، تقود شهادات من داخل الشركة إلى مستوى آخر من الأزمة: الأسباب الفنية المعلنة لخروج وحدات من الخدمة.
موظف في الشركة العامة للكهرباء، فضّل عدم الكشف عن اسمه، يشكك في الرواية التي أرجعت فقدان نحو 500 ميغاواط من القدرة الإنتاجية إلى نقص إمدادات الغاز الطبيعي، معتبرًا أن سجلات التشغيل داخل المحطات يمكن أن تحسم صحة هذا التفسير.
ويقول إن أنظمة التحكم تراقب ضغط الغاز إلكترونيًا بصورة مستمرة، وإن الضغط خلال الأيام السابقة للأزمة ظل، وفق المعلومات التي استند إليها، مستقرًا إلى حد كبير، ولم يسجل سوى انخفاض بنحو بار إلى بار ونصف.
ويرى الموظف، من واقع خبرته الفنية، أن هذا الانخفاض وحده لا يكفي لتفسير خروج نحو 500 ميغاواط من القدرة الإنتاجية.
ويضيف أن وحدات التوليد لديها إجراءات تشغيل بديلة تتيح التحول إلى الوقود الخفيف عند حدوث انخفاض مؤثر في إمدادات الغاز، بما يساعد على استمرار التشغيل.
لكن أهمية هذه الشهادة لا تتوقف عند التقدير الفني للموظف. فهو يشير إلى وجود بيانات يمكن الرجوع إليها للتحقق؛ إذ تُعد المحطات، بحسب إفادته، تقارير في كل وردية تتضمن ضغط الغاز وكميات الوقود وحالة الوحدات العاملة والمتوقفة.
وهنا يصبح السؤال قابلًا للاختبار بالوثائق: ماذا سجلت تقارير التشغيل في الساعات التي فقدت فيها الشبكة نحو 500 ميغاواط؟ وهل تتطابق تلك البيانات مع الأسباب التي أُعلنت للرأي العام؟
ولهذا يدعو الموظف إلى مراجعة هذه السجلات من لجنة فنية مستقلة والجهات الرقابية والقضائية المختصة، بدل بقاء أسباب الأزمة محل روايات متعارضة.
وحدات جاهزة.. فلماذا لم تدخل الشبكة؟
وتحمل شهادة الموظف نفسه رواية أكثر حساسية تتعلق بما حدث عقب أحد الانقطاعات الشاملة للشبكة.
فبحسب إفادته، كانت بعض وحدات التوليد جاهزة فنيًا للعودة إلى الخدمة، وتمكنت الفرق المختصة من تجهيزها، إلا أنها تلقت تعليمات من مركز التحكم بعدم إدخال تلك الوحدات إلى الشبكة رغم جاهزيتها.
وإذا ثبتت هذه الرواية، فإنها تنقل السؤال من قدرة المحطات على الإنتاج إلى القرارات التي تتحكم في تشغيلها: من أصدر تعليمات عدم إدخال الوحدات؟ ولماذا؟ وهل استند القرار إلى أسباب فنية تتعلق باستقرار الشبكة، أم إلى أسباب أخرى؟
ولا يملك التقرير حتى الآن ما يكفي لإثبات هذه الواقعة بصورة مستقلة، ما يجعل مراجعة سجلات مركز التحكم وأوامر التشغيل وتوقيت جاهزية الوحدات ضرورية للتحقق منها.
فبين أن تكون الوحدة «خارج الخدمة» بسبب عطل، وأن تكون جاهزة فنياً ولا يسمح لها بالدخول إلى الشبكة، فارق جوهري في تحديد المسؤولية عن فقدان القدرة الإنتاجية.
مشاريع متعثرة.. وأخرى تبدأ من الصفر
ولا تتوقف تساؤلات الموظف عند قرارات التشغيل، بل تمتد إلى الطريقة التي تُحدد بها أولويات مشروعات الكهرباء.
فمن وجهة نظره، كان ينبغي توجيه الأولوية إلى استكمال مشروعات بلغت مراحل متقدمة من التنفيذ ويمكن أن تضيف قدرة إنتاجية إلى الشبكة في وقت أقصر، بدل التوسع في مشروعات جديدة تحتاج إلى سنوات قبل دخولها الخدمة.
ويضرب مثالًا بمشروع محطة الخمس الغازية، الذي يقول إن استكمال منظومة التوربينات البخارية فيه يمكن أن يضيف نحو 220 ميغاواط، إلى جانب مشروع محطة سرت الذي وصفه بأنه بلغ مراحل متقدمة، ومحطة أوباري التي يرى أن الاستفادة من كامل قدرتها ترتبط باستكمال خط الغاز المغذي لها.
وفي المقابل، يتساءل عن جدوى إطلاق أو التوسع في مشروعات جديدة في طرابلس ومصراتة وطبرق، بينما توجد، بحسب إفادته، مشروعات قائمة يمكن استكمالها ودخولها إلى الخدمة في وقت أقصر.
وتحتاج هذه الرواية إلى مقارنة نسب الإنجاز الفعلية، والكلفة المتبقية لاستكمال كل مشروع، والقدرة التي سيضيفها، والجداول الزمنية للمشروعات الجديدة؛ لتحديد ما إذا كان استكمال المتعثر منها أكثر جدوى بالفعل.
وهنا يظهر سؤال آخر في تتبع أزمة الكهرباء: من يحدد أولويات المشروعات، وعلى أي أساس يُقرر استكمال مشروع متعثر أو تمويل مشروع جديد؟
مليارات للكهرباء.. ماذا اشترت للشبكة؟
أمام شكاوى العاملين من نقص الإمكانات، وتعثر مشروعات، واستمرار العجز في الشبكة، يصبح حجم الأموال التي حصل عليها قطاع الكهرباء جزءًا أساسيًا من الأسئلة التي يطرحها التقرير.
الصحفي الاقتصادي وائل أحمد يقول إن أزمة الكهرباء في ليبيا لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد عطل فني أو نتيجة مؤقتة لارتفاع درجات الحرارة والاستهلاك، خصوصًا مع حجم الموارد التي خُصصت للقطاع خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب قراءته لبيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغت الترتيبات المالية المخصصة للشركة العامة للكهرباء خلال 2023 نحو 7.2 مليارات دينار، ضمن إنفاق عام بلغ 125.7 مليار دينار.
وفي 2024، سجلت البيانات إنفاقًا مباشرًا لصالح الشركة بنحو 4.316 مليارات دينار، منها 4.25 مليارات تحت الباب الرابع للدعم، ونحو 66.9 مليون دينار نفقات تسييرية. كما نُفذ مبلغ إضافي قدره 3.104 مليارات دينار استكمالًا للميزانية الاستثنائية المقررة للشركة خلال 2023.
وبذلك بلغ ما ظهر باسم الشركة في الجداول نحو 7.421 مليارات دينار خلال 2024، مع ضرورة التمييز، كما ينبه أحمد، بين الأموال المقررة في العام نفسه والمبالغ المنفذة استكمالًا لالتزامات سابقة.
هذه الأرقام لا تكشف وحدها كفاءة الإنفاق ولا تثبت وجود مخالفات، لكنها تضع أمام التقرير سؤالًا يمكن قياسه بالنتائج:
ماذا حصلت شبكة الكهرباء فعليًا مقابل هذه المليارات؟
2.1 مليار دولار خلال ثلاث سنوات
ولا يقتصر ما حصل عليه قطاع الكهرباء على المخصصات بالدينار الليبي.
فبحسب قراءة الصحفي الاقتصادي وائل أحمد لبيانات مصرف ليبيا المركزي، بلغت استخدامات النقد الأجنبي المسجلة لصالح الشركة العامة للكهرباء 465 مليون دولار في 2022، و741 مليونًا في 2023، ثم 896 مليونًا في 2024.
وبذلك يصل مجموعها خلال ثلاث سنوات إلى نحو 2.102 مليار دولار.
لكن أحمد يحذر من إضافة هذه المبالغ مباشرة إلى الإنفاق المسجل بالدينار للوصول إلى رقم إجمالي، لأن بعض استخدامات النقد الأجنبي قد تكون مرتبطة بمخصصات دينارية مسجلة أصلًا، وهو ما قد يؤدي إلى احتساب الأموال مرتين.
وتكشف هذه النقطة مشكلة أخرى في تتبع إنفاق القطاع: تعدد مسارات التمويل في مقابل غياب حساب موحد يوضح بصورة دقيقة ما خُصص، وما نُفذ، وما أُنفق فعليًا، وعلى أي مشروعات وعقود.
ومع استمرار الانقطاعات وشكاوى العاملين ونقص بعض احتياجات الميدان، يصبح السؤال أكثر تحديدًا: أين استُخدمت هذه الموارد، وما الأثر الذي تركته فعليًا على قدرة الشبكة واستقرارها؟
فاتورة أخرى.. الوقود والغاز
لا تظهر التكلفة الكاملة للكهرباء في ميزانية الشركة وحدها؛ فهناك أيضًا الوقود والغاز اللذان تستهلكهما محطات التوليد.
وبحسب ما أورده الصحفي الاقتصادي وائل أحمد استنادًا إلى دراسة لصندوق النقد الدولي، استهلك قطاع الكهرباء خلال 2023 نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي ونحو خمسة ملايين برميل من النفط الخام، وقدرت القيمة الاقتصادية لهذه المدخلات بحوالي 4.4 مليارات دولار.
ولا يعني هذا الرقم أن 4.4 مليارات دولار دُفعت نقدًا إلى الشركة العامة للكهرباء، بل يمثل قيمة موارد طاقوية تستخدم في إنتاج الكهرباء، وكان يمكن توجيه جزء منها إلى التصدير أو استخدامات اقتصادية أخرى.
كما يشير أحمد إلى تقديرات صندوق النقد لإجمالي دعم الطاقة في ليبيا خلال 2024 بنحو 17 مليار دولار، وهو رقم يشمل الوقود والكهرباء والغاز، ولذلك لا يمكن احتسابه كاملًا ضمن إنفاق الشركة العامة للكهرباء.
لكن هذه الأرقام توسع دائرة السؤال: فالدولة لا تتحمل فقط تكلفة المشروعات والتشغيل والصيانة، بل توفر أيضًا موارد الطاقة اللازمة للتوليد.
فإذا كانت الدولة تتحمل كل هذه التكاليف، فما حجم الكهرباء التي تحصل عليها فعليًا مقابلها؟
قدرة أكبر.. والانقطاعات مستمرة
رغم حجم الإنفاق والموارد الموجهة للقطاع، لم تختفِ أزمة الكهرباء.
ويشير الصحفي الاقتصادي وائل أحمد، استنادًا إلى بيانات أوردها تقرير صندوق النقد الدولي عن الشركة العامة للكهرباء، إلى أن قدرة التوليد ارتفعت بنحو 40% بين عامي 2020 و2024، في وقت استمرت فيه الشبكة في مواجهة العجز والانقطاعات.
لكن ارتفاع القدرة الاسمية لا يعني بالضرورة أن كامل هذه الطاقة متاحة للمستهلك؛ فقد تكون بعض الوحدات خارج الخدمة، أو تتراجع كفاءتها، أو تواجه الشبكة مشكلات في النقل والتوزيع، فضلًا عن ارتفاع الطلب.
ولهذا يرى أحمد أن قياس كفاءة الإنفاق لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المشروعات أو المليارات المخصصة، بل عند النتائج: كم ميغاواط أضيف فعليًا إلى الشبكة؟ كم كلف؟ كم ساعة عملت الوحدات؟ ما نسبة الفاقد؟ وهل تراجعت ساعات الانقطاع مقابل الأموال التي أُنفقت؟
وهي مؤشرات من شأن نشرها أن يوضح الفارق بين القدرة الموجودة على الورق والكهرباء التي تصل فعليًا إلى منزل المواطن.
الحكومة والشركة.. مسؤولية يتقاذفها الطرفان
مع كل أزمة واسعة في الشبكة، تتعدد التفسيرات بشأن المسؤولية. فالشركة العامة للكهرباء تربط الانقطاعات عادة بخروج وحدات التوليد، وارتفاع الأحمال، ونقص إمدادات الوقود أو الغاز، وأعطال خطوط النقل، وما يترتب عليها من طرح للأحمال لحماية الشبكة.
في المقابل، حمّل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إدارة الشركة مسؤولية جانب من أزمة القطاع، مستندًا إلى حجم الأموال والدعم الذي وفرته الحكومة للكهرباء.
لكن الصحفي الاقتصادي وائل أحمد يرى أن تبادل المسؤولية بين الطرفين لا يقدم إجابة كاملة؛ فإذا كانت المشكلة في إدارة الشركة، فمن المسؤول عن تعيين الإدارة ومراقبة أدائها؟ وإذا وفرت الحكومة المليارات، فأين تقارير تقييم أثر هذه الأموال؟ وإذا كانت الأسباب فنية، فلماذا تتكرر الأزمة رغم التمويلات والمشروعات؟
فالحكومة ليست مجرد ممول خارجي للقطاع، كما أن الشركة ليست مجرد منفذ بعيد عن المسؤولية؛ وبين التمويل والتخطيط والتعاقد والتشغيل والرقابة تمتد سلسلة من القرارات تنتهي عند المواطن.
ومن هنا لا يعود السؤال: من يتهم من؟ بل: من اتخذ القرار، ومن أنفق المال، ومن راقب، ومن يحاسب على النتيجة؟
بين المليارات والظلام.. من يحاسب؟
لا تثبت الأرقام وحدها وجود فساد أو سوء تصرف، لكنها تكشف حجم الموارد التي مرّت عبر قطاع ما تزال شبكته تعاني، ويشكو بعض العاملين فيه من تأخر الحقوق ونقص الإمكانات والسلامة.
كما لا يجد رقم 107.5 مليارات دولار المتداول باعتباره حجم ما أنفقته ليبيا على الكهرباء منذ 2012، وفق مراجعة وائل أحمد، سندًا في جدول رقابي رسمي موحد يثبته بصورته المتداولة. لكن القطاع، وفق البيانات التي استند إليها التقرير، حصل بالفعل على مليارات الدينارات، واستخدم أكثر من ملياري دولار من النقد الأجنبي خلال ثلاث سنوات، فضلًا عن كلفة ضخمة للوقود والغاز.
وفي الجنوب، يدفع المواطن فاتورة أخرى لا تظهر في الحسابات الرسمية: مولدات ووقود، وأجهزة وأغذية وأدوية تتضرر، وأعمال تتوقف كلما طال الانقطاع.
وبين موظف يطالب بحقوقه، ومواطن ينتظر التيار، وحكومة تقول إنها وفرت الأموال، وشركة تفسر أزماتها بالأعطال والأحمال والوقود، يبقى ما يحتاجه القطاع أكثر من رقم جديد أو مشروع جديد: حساب واضح لما أُنفق، وما أُنجز، ومن اتخذ القرار، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق.
فالسؤال الذي بدأ بانطفاء مصباح في منزل ليبي ينتهي عند ملف أكبر: ماذا اشترت كل هذه الأموال للشبكة، ولماذا لا يزال المواطن والعامل معًا يدفعان ثمن أزمة لم تنتهِ؟
حق الرد.. وأسئلة ما تزال مفتوحة
حاول معدو هذا التحقيق التواصل مع الشركة العامة للكهرباء للحصول على ردها وتوضيح موقفها من الوقائع والشهادات والبيانات الواردة فيه، كما أُرسلت إليها رسالة مباشرة تتضمن طلب الرد على ما أُثير من أسئلة وملاحظات.
وحتى تاريخ نشر التحقيق، لم تتلق «فسانيا» رداً من الشركة.
وتؤكد «فسانيا» أن حق الرد مكفول للشركة، وأنها ترحب بأي توضيحات أو وثائق أو بيانات رسمية تتعلق بما ورد في هذا التحقيق، وستتعامل معها وفق المعايير المهنية للنشر.
ولا يقدم هذا التحقيق إجابات نهائية على جميع الأسئلة التي يطرحها، كما لا تعني الإفادات الواردة فيه ثبوت المسؤولية على أي جهة أو شخص دون وثائق وتحقيقات مستقلة. لكنه يضع أمام الجهات المعنية وقائع وشهادات وأرقامًا تحتاج إلى مزيد من التحقق، خصوصًا ما يتعلق بحقوق العاملين، وسلامتهم، وإدارة الموارد، وتوريد المعدات، وتشغيل وحدات التوليد، وأوجه الإنفاق على القطاع.
في النهاية، لا تتوقف أزمة الكهرباء عند ساعات الانقطاع، بل تمتد إلى ما يحدث خلف الشبكة: كيف تُدار الموارد، وكيف تُتخذ القرارات، وما الذي يصل فعليًا إلى الميدان، ومن يراقب النتائج ويحاسب على الإخفاقات.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الشركة والجهات الحكومية والرقابية: ماذا حدث لهذه الموارد، وما الذي أُنجز بها، ولماذا لا تزال أزمة الكهرباء مستمرة؟














