وان تشيط واللعنة الصفراء

وان تشيط واللعنة الصفراء

  •         قراءة في ادبيات مجتمع إموهاغ / مولود فرتوني

قصة “وان تشيط” ذو الأتان، أو الشيطان:

يأتي الشيطان إلى الصحراء في آخر الزمان ممتطياً حمارة بيضاء. يلوح للخلق بالمقتنيات اللامعة التي لها بريق التبر كي يسحر الناس ويأخذهم بالبريق فيتدافع الأغبياء، وتركض وراءه الأجيال. تجري وراءه الأمم، وتتبعه مأخوذة بالبريق مسحورة بالتبر. إلا أن يرميهم في الهاوية عندها تنوح الصحراء وتبكي ضياع الأبناء.

القصة  السردية  “وان تشيط” و “ان تهيض”  (ذو الأتان) هي من أعمق نماذج “المسارد الحذرة” في المخيال التارقي؛ فهي ليست مجرد حكاية غيبية عن آخر الزمان، بل هي “نبوءة اجتماعية” وصرخة تحذيرية من الانزلاق وراء المادة الزائلة.

بنظرة تحليلية  في هذه القصة نقف على:

1. الرمزية اللونية (الأبيض والأصفر):

الحمارة البيضاء: اللون الأبيض في الصحراء يرمز غالباً للنقاء أو السراب، لكن امتطاء الشيطان لها يعكس “الخديعة”؛ أي استخدام مظهر مسالم (البياض) للوصول إلى غاية خبيثة.

التبر والبريق (اللعنة الصفراء): كما تفضلت في تحليلك، البريق هنا هو العدو الأول للبصيرة الصحراوية. الذهب (التبر) ليس قيمة في حد ذاته، بل هو “طُعم” يسلب الإنسان حريته وجوهر روحه (إيمان).

2. “تأويل الذهب” (حمى التنقيب):

ربطك للقصة بجري الشباب خلف الذهب اليوم (اللعنة الصفراء) هو ربط عبقري يحول الخرافة إلى “واقع معيش”. فالصحراء الكبرى شهدت في السنوات الأخيرة هجرات كبرى للشباب نحو مناطق التنقيب، مما أدى إلى:

هجر الرعي والحرف التقليدية (ضياع الهوية).

تفكك الروابط الأسرية بحثاً عن الثراء السريع.

المخاطر المهلكة (الهاوية) سواء كانت أمنية أو بيئية أو صحية.

3. صرخة المكان (نوح الصحراء):

تختم القصة بصورة تراجيدية: “تنوح الصحراء وتبكي ضياع الأبناء”. هنا الصحراء ليست مجرد رمال، بل هي “الأم” (تماسنا) التي ترى أبناءها ينساقون وراء سراب “وان تشيط” ويتركون “أكال” (الأرض/الوطن) ليقعوا في الهاوية المعنوية والمادية.

4. التقاطع مع التراث العالمي والإسلامي:

هذه القصة تتقاطع بوضوح مع تمثلات “المسيح الدجال” في الموروث الإسلامي (الحمار والأغراء بالكنوز)، لكن إيموهاغ صبغوها بصبغة بيئية محلية؛ فالهاوية في الصحراء هي “الضياع” (التيه)، والمقتنيات اللامعة هي كل ما هو “دخيل” ومبهر يفسد بساطة وعمق الحياة التارقية.

من يحمي من الانزلاق خلف وان تشيط

في فلسفة الصحراء الكبرى، “أمغار” (الشيخ الوقور أو الحكيم) ليس مجرد رتبة عمرية، بل هو “المؤسسة الأخلاقية” التي تقف في وجه تيار “وان تشيط”.

إذا كان “وان تشيط” يمثل الغواية، والسراب، والاندفاع الأعمى نحو المادة، فإن “أمغار” يمثل:

الثبات (البصيرة): هو الذي يرى ما وراء بريق التبر، ويعرف أن “الهاوية” تبدأ بخطوة وراء السراب.

التوازن: هو الذي يعيد التوازن للمجتمع عندما يختل ميزان القيم بسبب “اللعنة الصفراء”.

حارس الأمانة: هو الذي ينطق بالحكمة ليذكر الشباب بـ “أكال” (الأرض) و”تيديرت” (الحياة الكريمة البسيطة).

إن عدم وجود “بطل أسطوري” خارق يواجه الشيطان في هذه القصة، وجعل الحكمة محصورة في “أمغار” الحقيقي الموجود في كل خيمة وحي، هو ذروة الواقعية في الثقافة الشعبية لإيموهاغ. فالمعركة ضد الغواية هي معركة يومية يقودها الحكماء بالكلمة والموعظة.رفيق الإبداع جيمي 

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :