عبدالمنعم محمد
الوزن والقافية لا يشفعان للقصيدة وكذلك انتماؤها إلى بحرٍ ما لن يرجح كفتها في موازين الإبداع إلا عند من يعتمدون الشكل كمعيار للحكم على جودة الشعر وإذا كان فقهاء العروض قد دشنوا تعريفًا له : بأنّه علم يعرف به صحيح الشعر من فاسده فهذا قديمًا ولَم يكن تعريفًا مناسبًا للقصيدة ولن يكون أيضًا نظرًا للتطورات التي لحقت بالعالم وبنيته الثقافية المنفتحة على الآخر، لقد اختزل النقاد الشعر في تعريفه فذهب الإغريق إلى : أنّه إلهام من قوى غير منظورة أي أنه متوقف على الوحي فقط دون اكتساب الشاعر أي معرفة تغذيه وتفتح له الآفاق، وجاء من بعدهم العرب الأقدمون وقالوا : بأنّه كلام موزون مقفى يدل على معنى وهنا حصار آخر للشعر واستخدام الوزن والقافية للحكم على جودة القصيدة أمر لا يستقيم في عالم الإبداع بينما جاء الإمام عبدالقاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز ضاربًا عرض الحائط بهذا التعريف : “الوزن ليس من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما لكان يجب في كل قصيدتين اتفقتا في الوزن أن تتفقا في الفصاحة والبلاغة “
الإمام عبدالقاهر الجرجاني
دلائل الإعجاز-ص:302
إذا كنا بصدد الحديث عن بناء القصيدة وهو بدايتها بالغزل والوقوف على الأطلال، ولغتها، ووزنها وقافيتها فإنّ هناك أقدمين قد خالفوا هذا المنهج مثل عمرو بن كلثوم والسمؤال إن صح وجودهم ناهيك عن العباسين مثل : أبو نواس في مقدمته الخمرية :
” دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء
وداوني بالتي هي الداء “
وأبو تمام في مقدمته :
” أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا
من الحسن كاد أن يتكلما ”
انطلقت قريحة العربي واحتك بالفرس وقرأ الفلسفة اليونانية فانتعش الشعر وأنتجت العربية من أجود القصائد وأخلاها إلى أن وصل المماليك والعثمانيون إلى سدة البلاد فوصل الشعر إلى أسوأ نسخة منه، وعندما احتك العربي بأوروبا كما احتك سابقًا بالفرس واليونان انتعش الشعر مرة أخرى على يد البارودي وأبنائه من الكلاسكين أمثال أحمد شوقي وحافظ ومحمود غنيم وغيرهم لا أدري ما غاية النقاد الأشاوس في قولبة الشعر لماذا لا يتركونه حُرًا لماذا يريدون محاصرته لماذا يريدون البصمة على القصيدة ووضع صكوك الغفران لها، لقد تمرد الرومانتيكون شكلًا ومضمونًا فغيروا من الشكل تغيرًا ملحوظًا فكتبوه على شكل المقطوعات ونوعوا قافيته لكنهم حاصروا أنفسهم في الطبيعة والتشاؤم والتجارب الذاتية وبعضهم عاب الكلاسكين في كل محفل يذهب إليه وللأسف الشديد من عاب عليهم وقع في نفس الخطأ والعقاد مثال صريح على ذلك، جاءت الحرب العالمية الثانية، انشطر العالم إلى قطبين مختلفين فانعكس ذلك على الثقافة والشعر، حضرت الواقعية كثورة حركت المياه الراكدة، انتشلت الشعر من برودته محررة إياه من شكله ومضمونه شاء من شاء وأبى من أبى، لم يقتصر دور العقاد على اعتراضه على من سبقه من أبناء الكلاسيكية، مارس اعتراضه على المجددين لكن الشعر ضرب بكلامه عرض الحائط وركب صاروخًا مكوكيًا متخطيًا أبناء التفعيلة إلى أن وصل للقصيدة النثرية، القصيدة التي تقول ما يحلو لها، القصيدة التي يختلف شكلها من شخص لآخر، القصيدة العصية على القولبة، القصيدة ذات الشكل والغرض المتجددين، أيها النقاد ارفعوا أيديكم عن الشعر كفاكم تكبيلًا له .














