التضخم يسرق خبز الليبيين.. هل تنقذهم زيادة المرتبات أم تلتهمها الأسعار؟

التضخم يسرق خبز الليبيين.. هل تنقذهم زيادة المرتبات أم تلتهمها الأسعار؟

وائل أحمد | صحيفة فسانيا

بين الحاجة الملحّة إلى تحسين دخول الموظفين، والخشية من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، تقف ليبيا أمام معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، عنوانها الأبرز: كيف يمكن زيادة مرتبات المواطنين دون أن تتحول الزيادة نفسها إلى عامل إضافي يغذي التضخم ويعمّق أزمة المعيشة؟

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المطالبات بزيادة الأجور وتحقيق العدالة بين العاملين في مؤسسات الدولة، تشير البيانات الاقتصادية إلى استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدينار، ما يضع أي زيادة جديدة أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق بحجم الأموال التي ستضاف إلى حسابات الموظفين، وإنما بقيمتها الفعلية وما تستطيع توفيره من احتياجات الحياة.

وتزداد حساسية هذه المسألة في دولة تعتمد بدرجة رئيسية على بيع النفط لتمويل الإنفاق العام، بينما تعتمد أسواقها على الاستيراد لتوفير جانب واسع من السلع والاحتياجات الأساسية، الأمر الذي يجعل التوسع في الإنفاق الاستهلاكي محفوفاً بمخاطر إضافية إذا لم يقابله تحسن في الإنتاج المحلي واستقرار سعر الصرف.

–التضخم يتسارع.. ومعيشة الليبيين تحت الضغط

تكشف أحدث البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، استناداً إلى أرقام مصلحة الإحصاء والتعداد، أن معدل التضخم السنوي بلغ 16.6% خلال سبتمبر 2026، مقابل 2.1% في الشهر نفسه من عام 2025، بارتفاع قدره 14.5 نقطة مئوية.

وتعكس هذه الأرقام تسارعاً واضحاً في وتيرة ارتفاع الأسعار، خصوصاً أن التضخم بلغ 14.3% في أغسطس الماضي، قبل أن يرتفع إلى 16.6% في سبتمبر، وهو ما يشير إلى استمرار الضغوط السعرية على المستهلكين.

ولا تكمن خطورة التضخم في ارتفاع مؤشر الأسعار العام وحده، بل في انعكاساته المباشرة على السلع التي تستحوذ على الجزء الأكبر من إنفاق الأسر الليبية.

فقد ارتفعت أسعار مجموعة الغذاء والمشروبات بنحو 21.2% على أساس سنوي في سبتمبر، بينما سجلت الملابس والأحذية ارتفاعاً يقارب 28.5%، وهي زيادات تتجاوز معدل التضخم العام وتزيد الأعباء على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.

والواقع أن المواطن لا يتعامل مع التضخم بوصفه نسبة مئوية تعلنها المؤسسات المالية، وإنما يشعر به عندما يذهب إلى السوق ويكتشف أن المرتب الذي كان يكفي لتغطية احتياجات أسرته لم يعد قادراً على شراء الكميات نفسها من السلع.

ولتوضيح ذلك، فإن أسرة كانت تحتاج إلى ألف دينار لتغطية سلة محددة من الاحتياجات قبل عام، أصبحت تحتاج إلى 1166 ديناراً لتوفير السلة ذاتها، إذا ارتفعت أسعار مكوناتها بالنسبة نفسها التي سجلها التضخم العام.

وحتى لو حصلت هذه الأسرة على زيادة في دخلها بنسبة 10%، فإنها ستظل أقل قدرة على الشراء مقارنة بالعام السابق، إذ إن الزيادة في الدخل لا تعوض كامل الارتفاع في الأسعار.

وهنا تتضح الفجوة بين نمو الأجور الاسمية وتحسن الدخل الحقيقي، وهي الفجوة التي تجعل زيادة المرتبات مطلباً معيشياً من جهة، وتطرح تساؤلات عن جدواها الاقتصادية من جهة أخرى.

–هل تؤدي زيادة المرتبات إلى تضخم جديد؟

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن الجزم بأن كل زيادة في المرتبات تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار، لكن المخاطر تتزايد عندما تحدث زيادات واسعة في الدخول داخل اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على السلع المستوردة.

فزيادة المرتبات تعني ارتفاع الدخل المتاح للإنفاق لدى شريحة واسعة من المواطنين، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الغذاء والملابس والأجهزة المنزلية والسيارات وغيرها من السلع والخدمات.

وفي الاقتصادات التي تتمتع بقدرات إنتاجية واسعة، يمكن أن يقابل ارتفاع الطلب توسع في الإنتاج وزيادة المعروض، فتكون الضغوط على الأسعار أقل حدة.

أما في الحالة الليبية، فإن جانباً كبيراً من الطلب الإضافي يتجه نحو السلع المستوردة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، ويزيد الضغوط على سعر الصرف إذا لم تتوافر العملات الأجنبية بصورة كافية لتغطية الاحتياجات.

ويُعرف هذا المسار اقتصادياً بالتضخم المدفوع بزيادة الطلب، لكنه ليس العامل الوحيد المسؤول عن الغلاء في ليبيا.

فهناك تضخم ينشأ نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج، وتأثر الأسعار بتعديل سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية، إضافة إلى الاختلالات في سلاسل التوريد والمنافسة داخل السوق المحلية.

وقد شهد الدينار الليبي تخفيضات متتالية في قيمته الرسمية، كان آخرها في يناير 2026 بنسبة 14.7% أمام وحدة حقوق السحب الخاصة، بعد تخفيض سابق بنسبة 13.3% في أبريل 2025، ما رفع التكلفة بالدينار للسلع المستوردة المقومة بالعملات الأجنبية.

ولذلك فإن الخشية الحقيقية لا تتعلق بزيادة المرتبات وحدها، بل باجتماع عدة عوامل تضخمية في وقت واحد، تبدأ من تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد، ولا تنتهي عند زيادة الطلب الاستهلاكي واتساع الإنفاق العام.

–تجربة تركيا.. زيادة الأجور لا تعني انتهاء الغلاء

يمكن الاستدلال بالتجربة التركية لفهم العلاقة المعقدة بين زيادة الأجور ومستويات الأسعار، رغم الاختلافات الهيكلية الكبيرة بين الاقتصادين التركي والليبي.

ففي يوليو 2022، بلغ الحد الأدنى الصافي للأجور في تركيا نحو 5500 ليرة، قبل أن يرتفع إلى 8507 ليرات في يناير 2023، ثم يواصل الصعود خلال السنوات التالية ليبلغ 28 ألفاً و75 ليرة ونصف الليرة في عام 2026.

وبذلك ارتفع الحد الأدنى للأجور اسمياً بنحو 410% مقارنة بمستواه في يوليو 2022.

لكن تلك الزيادات لم تكن كافية وحدها لإنهاء الضغوط المعيشية الناتجة عن التضخم، الذي بلغ ذروته عند 85.51% في أكتوبر 2022، قبل أن يتراجع إلى 29.73% في سبتمبر 2026.

ورغم تراجع معدل التضخم، واصلت أسعار السلع والخدمات الارتفاع، حيث زادت تكاليف النقل بنسبة 35.1%، والغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 27.62% خلال عام واحد، وفق بيانات معهد الإحصاء التركي.

وتكشف هذه التجربة أن زيادة المرتبات، مهما بلغت نسبتها، لا تكفي وحدها لضمان تحسن مستدام في المعيشة، إذا استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة مرتفعة.

كما أن التضخم التركي لم يكن نتاج زيادات الأجور وحدها، بل ارتبط أيضاً بتراجع قيمة الليرة وتكاليف الإنتاج والسياسات النقدية وغيرها من العوامل الاقتصادية.

وتبدو الحالة الليبية أكثر حساسية من زاوية الاعتماد على الاستيراد، إذ تملك تركيا قاعدة صناعية وزراعية وتصديرية واسعة نسبياً، بينما يظل الاقتصاد الليبي معتمداً على النفط مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي، وعلى الخارج لتوفير جانب كبير من احتياجات السوق.

–زيادة المرتبات بين الضرورة ومخاوف التضخم

في السادس من أكتوبر 2026، اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية جدول مرتبات موحداً للموظفين في القطاعات والوحدات الإدارية العامة الممولة من الخزانة العامة، معلنة زيادة بنسبة 10% مقارنة بالجدول السابق، على أن يبدأ تطبيقه مع مرتبات شهر أكتوبر.

وجاء القرار في أعقاب مطالبات نقابية وتحركات احتجاجية في عدد من القطاعات، أبرزها التعليم والصحة، وسط حالة من التذمر بسبب تآكل الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن نسبة الزيادة المعلنة تثير تساؤلاً مهماً بشأن قدرتها على تحسين مستوى المعيشة، خصوصاً أنها تقل عن معدل التضخم السنوي المسجل في سبتمبر.

وفي المقابل، تطرح الزيادة تساؤلاً آخر يتعلق بقدرة الاقتصاد على استيعاب المزيد من الإنفاق دون ضغوط إضافية على الأسعار وسوق النقد الأجنبي.

فهناك حاجة فعلية إلى تحسين مرتبات أصحاب الدخول المنخفضة، لا سيما في ظل التفاوت الكبير بين جداول الأجور في الجهات الحكومية والرقابية والقضائية والمصرفية وغيرها من مؤسسات الدولة.

غير أن معالجة هذا التفاوت لا ينبغي أن تقتصر على زيادة جميع المرتبات بالنسبة نفسها، لأن ذلك قد يحافظ على الفجوات القائمة بين الموظفين، بل يزيدها من حيث القيمة النقدية.

فالموظف الذي يتقاضى 1500 دينار سيحصل على 150 ديناراً إضافياً عند زيادة مرتبه بنسبة 10%، بينما يحصل موظف يتقاضى خمسة آلاف دينار على 500 دينار، وهو فارق يعكس محدودية الزيادات النسبية الموحدة في معالجة التفاوت في الدخول.

ولهذا فإن رفع المرتبات المتدنية وتحسين الحد الأدنى للأجور، وتوجيه الزيادات بصورة أكبر إلى الفئات الأقل دخلاً، يمثل مساراً يمكن من خلاله تحقيق أثر اجتماعي أكبر، مع محاولة الحد من تكلفة التوسع الشامل في الإنفاق.

–فاتورة المرتبات.. أين حدود القدرة المالية للدولة؟

لا يمكن مناقشة زيادات المرتبات بمعزل عن هيكل الميزانية العامة، الذي يعكس اختلالاً مستمراً في توزيع الموارد بين الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق التنموي.

فبحسب بيانات مصرف ليبيا المركزي عن الفترة من يناير إلى نهاية سبتمبر 2026، بلغ إجمالي الإنفاق العام 88.6 مليار دينار، استحوذ بند المرتبات منها على 60.6 مليار دينار، أي نحو 68.4% من إجمالي الإنفاق المسجل.

في المقابل، بلغت نفقات الدعم 14.3 مليار دينار، لترتفع حصة المرتبات والدعم مجتمعين إلى نحو 84.5% من الإنفاق العام.

أما الإنفاق المسجل في باب التنمية فلم يتجاوز 1.6 مليار دينار، بما يعادل نحو 1.8% من إجمالي النفقات.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من الموارد العامة يذهب بالفعل إلى تمويل الالتزامات الجارية، مع ملاحظة أن بعض البنود الأخرى تتضمن أيضاً مدفوعات مرتبطة بالمرتبات وفق توضيحات المصرف المركزي.

وهذا الهيكل يجعل أي زيادة دائمة في الأجور التزاماً مالياً إضافياً ينبغي توفير مصادر تمويل مستقرة له، خصوصاً في بلد ترتبط إيراداته بصورة كبيرة بإنتاج النفط وأسعاره العالمية وانتظام تصديره.

فزيادة المرتبات في فترات ارتفاع الإيرادات النفطية قد تبدو ممكنة من الناحية المالية، لكنها قد تتحول إلى عبء على الخزانة العامة إذا تراجعت الإيرادات نتيجة انخفاض الأسعار أو اضطراب الإنتاج والصادرات.

كما أن استمرار توجيه معظم الإنفاق إلى المرتبات والدعم يحد من المساحة المالية المتاحة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والخدمات العامة، وهي القطاعات التي يحتاج إليها الاقتصاد لتحسين مستويات المعيشة على المدى الطويل.

وهنا تبرز المفارقة: فالدولة تحتاج إلى تحسين مرتبات مواطنيها لمواجهة التضخم، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى إنفاق استثماري وإنتاجي أكبر حتى تتمكن من الحد من أسبابه.

–حماية معيشة الليبيين.. هل تكون بزيادة الدخل أم بضبط الأسعار؟

لا يمكن اعتبار تجميد المرتبات حلاً اقتصادياً عادلاً في مواجهة التضخم، خصوصاً عندما تتراجع القوة الشرائية لأصحاب الدخول المنخفضة بصورة مستمرة.

لكن زيادة المرتبات دون معالجة أسباب الغلاء قد لا تحقق النتائج المرجوة، بل ربما تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدخل الاسمي والتكاليف الفعلية للمعيشة.

والأهم أن حماية دخل المواطن لا تتحقق بقرارات الأجور وحدها، بل تتطلب سياسة اقتصادية متكاملة تضمن استقرار سعر الصرف، وانتظام توفير النقد الأجنبي، وتحسين كفاءة الاستيراد، ومكافحة الاحتكار والممارسات التجارية المخالفة، وزيادة المعروض من السلع والخدمات.

كما تبرز أهمية توفير الحماية الاجتماعية للأسر الأقل دخلاً، وربط مراجعة الحد الأدنى للأجور بمؤشرات تكاليف المعيشة، مع مراعاة القدرة المالية للدولة واستدامة مصادر التمويل.

وفي المقابل، يحتاج الاقتصاد الليبي إلى توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، خصوصاً في القطاعات الزراعية والصناعات الغذائية والخدمات، بدلاً من استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط لتمويل الاستهلاك والواردات.

ولعل من أهم جوانب حماية المعيشة تحسين الخدمات العامة، إذ إن تطوير الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية يخفف الأعباء التي يتحملها المواطن من دخله، حتى دون زيادة مباشرة في المرتب.

–هاجس التضخم.. إلى أين تتجه معيشة الليبيين؟

تبقى زيادة المرتبات حاجة معيشية حقيقية لكثير من الليبيين، لكنها تظل جزءاً من الحل وليست الحل بأكمله.

فالمواطن الذي تتراجع قدرته الشرائية عاماً بعد آخر لا يستطيع انتظار نتائج الإصلاحات الاقتصادية طويلة الأجل دون حماية اجتماعية وتحسين مناسب في دخله.

وفي الوقت نفسه، فإن الدولة التي تواصل زيادة نفقاتها الاستهلاكية دون توسع موازٍ في الإنتاج والإيرادات المستدامة قد تواجه ضغوطاً إضافية على الأسعار وسعر الصرف والمالية العامة.

لذلك فإن التحدي الأساسي أمام السياسات الاقتصادية الليبية لا يتمثل في الاختيار بين زيادة المرتبات أو مكافحة التضخم، وإنما في تحقيق التوازن بينهما.

فزيادة الأجور الموجهة إلى الفئات الأقل دخلاً، إذا ارتبطت بضبط الإنفاق وتحسين الإنتاجية واستقرار السياسات النقدية، يمكن أن تسهم في حماية مستوى المعيشة دون أن تتحول بالضرورة إلى موجة جديدة من الغلاء.

أما الاستمرار في معالجة الضغوط المعيشية بزيادات نقدية منفصلة عن واقع الاقتصاد، فقد يجعل المواطن يدخل في سباق لا ينتهي بين مرتبه وأسعار احتياجاته الأساسية.

وفي بلد تتزايد فيه كلفة الحياة، بينما تظل موارده رهينة النفط، فإن السؤال لم يعد: كم ينبغي أن تزيد مرتبات الليبيين؟ بل كيف يمكن ضمان ألا يفقدوا قيمة هذه الزيادة قبل أن يشعروا بها؟

فتلك هي المفارقة التي تختصر هاجس التضخم في ليبيا: أن يحصل المواطن على مرتّب أكبر، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يعيش حياة أفضل.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :