الشهيد الغائب… بعد أربعين عاماً يعود خبره

الشهيد الغائب… بعد أربعين عاماً يعود خبره

  • البرفسور محمد الاصفر

بعد أربعين سنة كاملة، علمت أسرة الشهيد بإذن الله تعالى إمحمد عبدالسلام مفتاح خليفة الشبعاني المسلاتي أنه توفي أسيراً في أحد سجون تشاد.

أربعون عاماً كاملة، عاشت خلالها أسرته 14,400 ليلة وهي تنتظر أن يُطرق باب بيتها، وأن يظهر الغائب الذي خرج ذات يوم ولم يعد، ليبشر أبناءه وبناته بأنه ما زال حياً يرزق.

أربعون عاماً من الانتظار والسؤال والرجاء، عاشتها زوجته وأطفاله السبعة، الذين كانوا جميعاً قصّراً ليلة غيابه، وهم لا يعرفون أين ذهب والدهم، ولا هل هو حي أم ميت.

كان إمحمد رجلاً مدنياً بسيطاً، لا علاقة له بالحرب ولا شأن له بالسياسة. كان يعمل صباحاً في شركة مسلاته للأشغال العامة، وفي المساء يعمل «أسطى بناء» بالأجر اليومي، حتى يستطيع توفير احتياجات أسرته. عُرف بين أهله ورفاقه بالعفة والشهامة ونظافة اليد ومحبة الناس.

لكن تلك الصفات كلها لم تشفع له حين صدر إليه أمر الالتحاق بإحدى كتائب الدبابات في ترهونة، باعتباره من المجندين ضمن ما كان يعرف آنذاك بالتجييش العام، فئة «البطاقات الخضراء»، الذين يُعدّون ضمن قوات الاحتياط.

لم يكن الرجل يعرف السلاح، ولا علوم الدبابات، ولا فنون الحرب والكر والفر. ومع ذلك، وفي ظل هروب عدد من الجنود من جحيم الحرب خوفاً أو كرهاً، جرى اختياره ضمن مجموعة من ثمانية أفراد لسد طاقم إحدى الدبابات التي أُرسلت إلى قاعدة وادي دوم شمال تشاد.

وهناك كان القدر ينتظره.

في عام 1987، سقطت قاعدة وادي دوم في أيدي القوات التشادية، واستولت على ما كان فيها من أسلحة ثقيلة ومتوسطة ودبابات وطائرات وذخائر، وتحول أفراد الجيش الليبي بين قتيل وأسير ومشرد في الصحراء.

وكان نصيب خالي إمحمد الشبعاني أن يقع أسيراً، مع مئات الليبيين من العسكريين والمدنيين، ونُقلوا إلى سجون تشاد، ومنها سجن إنجامينا.

هناك ذاق هو ورفاقه مرارة الأسر، والجوع والعطش والمرض وسوء المعاملة، وعاشوا أقسى صور القهر وفراق الأهل والأحبة.

ومنذ ذلك اليوم انقطعت أخباره.

لا أحد يعرف أين هو، ولا ماذا حدث له.

وبعد سنوات من الغياب، بدأت جهة عمله تتعامل معه باعتباره مفقوداً وفي عداد الموتى، بينما لم يجد لدى الجهات المعنية بشؤون الأسرى والمفقودين الاعتراف الذي يستحقه، بحجة أنه مدني وليس عسكرياً.

وهكذا بقي الرجل غائباً حتى عن سجلات التكريم، ولم تُعامل أسرته كما عوملت أسر العسكريين الذين وقعوا في الأسر، وظلت تطالب، قبل أي حق مادي، بحقها الأهم: أن تعرف الحقيقة… هل إمحمد حي أم مات؟

سنوات طويلة مرت، والأسرة تبحث عن خبر.

سنوات طويلة من الانتظار، في وقت كان يفترض فيه أن تقوم الدولة بواجبها تجاه مواطنيها الذين دفعت بهم إلى حرب خارج حدود وطنهم، وأن تبحث عن أسرهم ومفقوديها، وأن تتقصى مصيرهم حتى بعد انتهاء الحرب وعودة العلاقات بين البلدين.

لكن الحقيقة ظلت غائبة.

حتى جاء شهر مايو 2026.

ظهر أحد الأسرى الليبيين السابقين، عبدالغني أحمد إسماعيل أبو توس، ونشر مذكراته على شبكة التواصل الاجتماعي تحت عنوان «كنت طالباً فأصبحت أسيراً»، يروي فيها تجربته منذ أن أُخذ عنوة من مدرسة هون الثانوية، مروراً بحرب تشاد، ثم الأسر والسجن، وما شاهده وعاشه مع رفاقه من أحداث قاسية.

وكانت شهادته بمثابة نافذة جديدة فتحت أمام الليبيين الذين ظلوا يبحثون، لعقود، عن أي معلومة حقيقية بشأن ذويهم المفقودين.

وفي إحدى ذكرياته، تحدث عبدالغني عن رجل مسن كان معه في الأسر، يُدعى العم إمحمد المسلاتي، وقال إنه توفي في سجن الحبوني بتشاد بعد أن تعرض لركلة من أحد السجانين، وأنه ظل يعاني الألم طوال الليل دون علاج أو رعاية، حتى توفي وهو على ركبة المعني.

كانت تلك الشهادة كافية لإعادة فتح ملف ظل مغلقاً أربعين عاماً.

تم التواصل مع عبدالغني لمعرفة المزيد عن الرجل الذي تحدث عنه، حيت طلب صور شخصية تساعده على التعرف إليه.

وبعد ساعات، جاءت الشهادة التي انتظرتها الأسرة أربعة عقود كاملة:

«أستطيع أن أجزم أنا عبدالغني أحمد إسماعيل أبو توس، بعد النظر إلى الصور التي أرسلت إليّ، بأن إمحمد عبدالسلام مفتاح خليفة الشبعاني هو الذي توفي على ركبتي ونحن أسرى في سجون تشاد سنة 1987. لا إله إلا الله، محمد رسول الله. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.»

وهكذا، وبعد أربعين عاماً من الغياب، عرفت الأسرة أخيراً مصير أبيها وزوجها وأخيها وخالها وعمها وقريبها.

إنها لحظة مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه لحظة انتصار للحقيقة.

فقد عاد اسم إمحمد إلى أهله، وعاد صوته إلى ذاكرتهم، وعرفت أسرته أين انتهت رحلة الرجل الذي خرج ذات يوم من بيته ولم يعد.

لقد مات غريباً، أسيراً، بعيداً عن زوجته وأطفاله، وفي ظروف قاسية لا تليق بإنسان، ولا بأسير، ولا بمواطن أرسلته دولته إلى حرب لم يخترها.

ترك خلفه زوجة وسبعة أطفال صغار، كانوا ينتظرون عودته، ثم كبروا وهم يحملون سؤالاً واحداً بلا إجابة:

أين أبي؟

وبعد أربعين عاماً، جاءت الإجابة متأخرة جداً:

لقد مات أبوكم شهيداً بإذن الله، لكنه لم يمت في قلوبكم.

رحم الله إمحمد عبدالسلام مفتاح خليفة الشبعاني، ورحم جميع الليبيين الذين فقدوا حياتهم في تلك الحرب، وحفظ الأسرى الذين ذاقوا مرارة السجون ولا زالوا أحياء، وألهم أسر المتوفين منهم جميل الصبر والسلوان.

إننا نؤمن بأن الله قدّر له أن تنتهي ساعته في أرض غير أرضه، وفي ظروف قاسية ومؤلمة، وأن الحقيقة مهما غابت فإنها لا تموت، وأن الإنسان قد يغيب عن الدنيا، لكن أثره وذكراه تبقيان.

أما الدولة، فتبقى أمامها مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه كل مفقودي تلك الحرب وأسرهم، فحق العائلات في معرفة مصير أبنائها ليس منّة من أحد، بل حق إنساني لا يسقط بالتقادم.

وما نقول إلا ما يرضي الله:

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اللهم اغفر له وارحمه، وأسكنه فسيح جناتك، واجعل ما أصابه كفارة ورفعة في الدرجات، واجمعه بأهله في مستقر رحمتك.

دعواتكم للشهيد إمحمد الشبعاني بالرحمة والمغفرة.

شـــارك الخبر علي منصات التواصل

صحيفة فــــسانيا

صحيفة أسبوعية شاملة - منبع الصحافة الحرة

شاركنا بتعليقك على الخبر :